“واد الليل، الجنة المخفية”

كريم جهجاه

“ليست الطرق ما نسلكه، بل ما تتركه فينا”

على السفوح الشمالية الغربية لجبل درسة، وعلى مقربة من سد أسمير بالحوز البحري لإقليم تطوان، تأخذنا خطانا، ونتتبع أثرها لنصل الى جنة تتخفى بإستحياء خلف الأشجار والصخور، إنها قرية او مدشر واد الليل، أو كما وردت في كتاب البكري “المسالك والممالك” في القرن الخامس الهجري، بإسم “واد أليلى”، والتي تعني بالأمازيغية نبات “الدفلة”.


تدخل القرية فتصيبك الدهشة، بيوت ملونة بلون الطيف، الوانها زاهية على مد النظر، كأنك تدخل إلى جنة مخفية.
تتأمل دروب القرية، وتأخذك الخطى نحو أثر خطى السابقين ممن مروا واستوطنوا هنا، في العصر الوسيط استوطنت هنا قبيلة مجسكة الغمارية، كما استوطن هذا المكان الساحر بنو سكين أبناء عبد الرحمن بن فحل وفق ما ذكره “ابو عبيد ابن عبد العزيز البكري”، إلى هنا ايضا جاء أهل الأندلس بعد سقوطها. هنا امتزجت لمسات كل قوم وكل مجموعة بشرية لتنتج لنا ثقافة متميزة متنوعة، سواء في الفلاحة والسقي أو في اللباس والتراث ونمط العيش.
تأخذك الخطى منبهرا بهذا السحر العجيب، فترى واد الليل الفوقية حيث المدشر الأصلي والأقدم بسقوفه المائلة وألوانه الزاهية، حيث تقع خلوة “سيدي المخفي دواد الليل”، كما ترى واد الليل السفلية حيث الجزء الأحدث من القرية.
تتأمل هذا الفردوس الطبيعي بغطائه النباتي المتنوع، أشجار العرعار، الصنوبر، البلوط والرند، وبعيونه العذبة، عين الفتوح، عين اشويلو وعين خندق الحمراء.
الناس هنا بسطاء، كرماء، تملأ البشاشة وجوههم وتستقبلك ابتسامتهم المبهجة، هنا حيث السكون والطمأنينة، لا ضجيج، لا ضغط، فقط إيقاع هادئ منسجم مع الطبيعة.
تغادر القرية وقدماك لا تطاوعانك، وعيناك لا تستطيعان التخلي عن رؤية هذا الجمال المبهج.
تغادر هذا الفردوس الذي لا زال محافظا على عذريته، وتتمنى في قرارة نفسك الا تطاله أيادي الجرافات والاسمنت وقبح الاسفلت.
“بعض الأمكنة نغادرها ونحن لا نعلم، أهي الخطى التي ابتعدت عن المكان، أم أن المكان هو الذي بقي يمشي فينا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist