مقدمة
تحتل الأندلس موقعا مركزيا في الذاكرة التاريخية الإسبانية، ليس فقط باعتبارها مرحلة زمنية امتدت قرونا وشهدت تداخلا حضاريا فريدا، بل بوصفها تجربة تاريخية مركبة أسهمت بعمق في تشكل الوعي الثقافي والهوية الرمزية لإسبانيا الحديثة، فقد شكلت الأندلس، بما راكمته من إرث علمي وفني وديني ولغوي، نقطة تماس بين حضارات متعددة، الأمر الذي جعلها حاضرة باستمرار في الخطاب الثقافي الإسباني، خاصة في الأدب، بوصفه أحد أهم الفضاءات المنتجة للذاكرة والمعنى.
– إعداد: ذ. عبد السلام بوعسل
- أستاذ العلوم الاقتصادية والتدبير
- أستاذ زائر بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي
- طالب باحث بسلك الدكتوراه بكلية الحقوق بأكادير
وقد انعكس هذا الحضور الأندلسي بوضوح في الأدب الإسباني، حيث تحولت الأندلس إلى فضاء للتخيل الأدبي، وإلى مرجع تاريخي يستدعى لإعادة بناء الماضي أو مساءلته، وإلى رمز ثقافي تسقط عليه تصورات مختلفة حول الهوية، والانتماء، والعلاقة بالآخر، ففي بعض الأعمال الأدبية، تقدم الأندلس بوصفها عصرا ذهبيا للتعايش والتنوع، بينما تصوَر في أعمال أخرى باعتبارها مرحلة ملتبسة أو تهديدا رمزيا للهوية القومية المسيحية، وهو ما يكشف عن تعدد التمثلات وتناقضها تبعا للسياقات التاريخية والإيديولوجية التي أُنتجت فيها هذه النصوص.
ومن ثم، فإن مقاربة الأندلس في تصورها من طرف الأدب الإسباني لا يمكن أن تظل حبيسة القراءة التاريخية أو الجمالية البحتة، بل تقتضي تحليلا مزدوجا يراعي، من جهة أولى، الأندلس باعتبارها ذاكرة تاريخية جماعية، تتقاطع فيها الوقائع مع آليات التذكر والنسيان والانتقاء، ومن جهة ثانية، بوصفها تمثلا ثقافيا وإيديولوجيا يخضع لمنطق الخطاب ولرهانات السلطة والهوية، فالأدب في هذا السياق، لا يعكس الماضي كما كان، بل يعيد إنتاجه وفق حاجات الحاضر وأسئلته، مما يجعل تمثل الأندلس جزءا من صراع رمزي حول تعريف الذات الإسبانية وحدودها الثقافية.
وانطلاقا من ذلك، تتساءل هذه الدراسة حول كيف مثل الأدب الإسباني الأندلس، وإلى أي حد أسهمت هذه التمثلات في إعادة تشكيل الذاكرة التاريخية وبناء تصورات مخصوصة للهوية والآخر؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة فرعية من قبيل: ما طبيعة الصور الأدبية التي صاغها الأدباء الإسبان عن الأندلس؟ وما الخلفيات الإيديولوجية والتاريخية التي وجهت هذه الصور؟ وكيف تختلف هذه التمثلات باختلاف العصور والتيارات الأدبية؟
ولمعالجة هذه الإشكالية، تعتمد الدراسة على جملة من مناهج البحث المتكاملة؛ إذ يتم توظيف المنهج التحليلي لفحص النصوص الأدبية والكشف عن بنياتها الدلالية والرمزية، والمنهج التاريخي لربط هذه التمثلات بسياقاتها الزمنية والسياسية، فضلا عن المنهج الثقافي[1] الذي يتيح فهم الأندلس بوصفها تمثلا وخطابا داخل منظومة الذاكرة الجماعية، كما يستأنس بمقاربات دراسات ما بعد الكولونيالية لتحليل علاقات القوة وصور الآخر، بما يسمح بقراءة نقدية تتجاوز السرديات التقليدية نحو تفكيك آليات إنتاج المعنى والهوية في الأدب الإسباني.
وللتفصيل في هذا الموضوع نقسمه إلى مبحثين اثنين: حيث نلامس في المبحث الأول الأندلس باعتبارها ذاكرة تاريخية في الأدب الإسباني، وفي المبحث الثاني تمثلات الهوية الثقافية من خلال صورة الأندلس.
[1]– يشير المنهج الثقافي إلى دراسة عادات وتقاليد وتاريخ وقيم بلد ما أو منطقة ما. وهو أحد مكونات المنهج الأوسع في المدارس والمؤسسات التعليمية، والذي يهدف إلى تزويد الطلاب بتعليم جيد لا يشمل المواد الأكاديمية فحسب، بل يشمل أيضا التعرض للثقافات وأساليب الحياة المختلفة. يتضمن المنهج الثقافي عادةً موضوعات مثل الفن والموسيقى والأدب والتاريخ، مما يساعد الطلاب على فهم وتقدير التراث الثقافي للمجتمعات المختلفة. وهو مصمم لتعزيز الحساسية الثقافية والوعي والفهم، وإعداد الطلاب لعالم معولم حيث سيتفاعلون مع أشخاص من خلفيات وثقافات متنوعة.
***الجزء الثاني***
المبحث الثاني: تمثلات الهوية الثقافية من خلال صورة الأندلس
يشغل حضور الأندلس في الوعي الأدبي الإسباني موقعا مركزيا في النقاشات المتعلقة بالهوية الثقافية، إذ تتحول الأندلس من مجرد حقبة تاريخية إلى مرآة تعكس التصورات المتباينة للذات والآخر، وقد أسهمت التمثلات الأدبية لهذا الإرث في صياغة وعي ثقافي معقد، يتأرجح بين الاعتراف بالتعدد والانفتاح، وبين استحضار الماضي في إطار صراعات رمزية مرتبطة بتكوين الهوية القومية، ويكشف هذا الحضور المكثف للأندلس عن كيفية توظيف الأدب للذاكرة التاريخية في بناء سرديات الانتماء والاختلاف، سواء عبر تمجيد الإرث الأندلسي أو مساءلته، وتعد دراسة صورة الأندلس في الأدب مدخلا أساسيا لفهم التحولات التي عرفها تصور الإسبان لهويتهم الثقافية، خصوصا في علاقتها بالبعد المتوسطي والشرقي.
وينقسم هذا المبحث إلى مطلبين رئيسيين، نناقش في المطلب الأول الأندلس بوصفها فضاء للآخر الثقافي، وفي المطلب الثاني الأندلس في الأدب الإسباني الحديث والمعاصر وإعادة بناء الهوية
المطلب الأول: الأندلس بوصفها فضاء للآخر الثقافي
تسعى دراسة الأندلس بوصفها فضاء للآخر الثقافي إلى الكشف عن الكيفية التي صاغ بها المخيال الإسباني تمثلاته عن العربي والمسلم، بوصفهما مرآة لاختبار الهوية الذاتية، وتبرز صورة العربي والمسلم في الأدب الإسباني كمدخل أساس لقراءة هذا التمثّل المتوتر بين الإرث التاريخي والتحولات الحديثة، كما يتيح تحليل التعدد الثقافي، بين كونه مصدر تهديد أو فرصة للثراء، فهما أعمق لديناميات الهوية في السياق الإسباني المعاصر.
الفقرة الأولى: صورة العربي والمسلم في الأدب الإسباني
تجلت الأندلس في الأدب الإسباني كمرآة لعلاقة معقدة مع الآخر العربي والمسلم، حيث تراوحت الصورة بين التنميط السلبي والتقدير الإنساني، ففي بعض النصوص صُور المسلم باعتباره الخصم الديني، بينما قدم في نصوص أخرى كشخصية نبيلة أو حكيمة، ثم إن تمثيل الآخر في الأدب غالبا ما يعكس حاجة الذات إلى تعريف نفسها عبر نقيضها.
أولا: الجذور التاريخية لتمثيل العربي والمسلم في الأدب الإسباني
العلاقة الطويلة بين العرب والمسلمين من جهة والمجتمع الإسباني من جهة أخرى خلفت أثرا عميقا في الأدب الإسباني، حيث شكلت الخلفية التاريخية أساس تمثيلات العربي والمسلم، فقد كان الأدب في العصور الوسطى يعكس الصراعات الدينية والسياسية بين ممالك إسبانيا المسيحية والأندلس الإسلامية، مما أنتج صورة مزدوجة للآخر المسلم، فهو خصم مهدد لكنه في الوقت ذاته شخصية تثير الإعجاب لشجاعته وقوته،[1] يظهر هذا جليا في النصوص الملحمية التي تصور المسلمين أعداء على مستوى القتال، وتبرز الانتصار عليهم كرمز لاستعادة الأرض المسيحية.
مع تقدم حركة الاسترداد، تحولت صورة المسلم في الأدب من حضور واقعي إلى بناء رمزي، هدفه تأكيد الهيمنة الثقافية والسياسية. ففي هذه المرحلة، لم يعد الأدب يتعامل مع المسلم كشخص مستقل، بل كرمز للآخر المختلف، يتم اختزاله في صفات القسوة والغرابة أو الحيلة،[2] هذا الاختزال الأدبي أعطى انطباعا عن العرب والمسلمين ككيانات بعيدة عن الهوية المسيحية، مما ساهم في ترسيخ العداء الثقافي في المخيال الإسباني، وأدى إلى تكرار هذه الصور في الأعمال الأدبية اللاحقة، حتى في النصوص التي لم تتناول الصراع العسكري مباشرة.
بالإضافة إلى ذلك، لعبت الرمزية الدينية دورا مهما في تشكيل الصورة. فالمسلم غالبا ما ظهر في النصوص المسيحية بوصفه الشيطان الآخر أو الخصم الذي يختبر قوة الإيمان المسيحي، وهو ما يوضح أن الأدب لم يكن مجرد انعكاس للواقع التاريخي، بل وسيلة لتربية المجتمع على قيم الانتصار الديني والهوية القومية.[3]
ثانيا: تطور تمثيل العربي من الصورة النمطية إلى القراءة الحديثة
مع دخول العصر الحديث وصعود الدراسات الاستشراقية، بدأ الأدب الإسباني يعيد النظر في الصور التقليدية للعربي والمسلم، خاصة مع ظهور الرومانسية الإسبانية في القرن التاسع عشر، التي أعادت للأندلس مكانتها كفضاء جمالي وروحي أكثر من كونها ساحة صراع. وفي هذا الإطار، قدمت بعض الشخصيات المسلمة في الروايات الكلاسيكية مثل دون كيشوط صورة إنسانية معقدة،[4] حيث يُظهر المسلم الأسير ككائن له مشاعر وأبعاد نفسية، بدلا من اختزاله في رمزية العداء.
وفي القرن العشرين، مع تغير السياقات الاجتماعية والثقافية، ازدادت الكتابات التي حاولت إعادة النظر في صورة العربي والمسلم بما يعكس تعدد الهوية والتجارب، خصوصا في سياق الهجرة والتعدد الثقافي. وأكد الكاتب خوان غويتيسولو أن الأدب الإسباني، رغم التطور، ظل محكوما ببعض الترسبات التاريخية، إذ ما زال العربي يُنظر إليه أحيانا كمرآة للذات الإسبانية أكثر من كونه كيانا مستقلا،[5] هذا الوعي دفع الأدباء إلى نقد الصورة النمطية والعمل على إعادة بناء الذاكرة الأندلسية بطريقة أكثر إنسانية وموضوعية، كما يظهر في أعمال أنطونيو غالا التي تسعى لتقديم الآخر في سياق إنساني معقد يتجاوز الأحكام المسبقة.
علاوة على ذلك، شكلت تيارات النقد الأدبي لما بعد الاستعمار أرضية جديدة لفهم تمثيلات العربي والمسلم في الأدب الإسباني، فهي تسمح بتحليل كيفية محافظة المخيال الإسباني على أثر الماضي مع سعيه الوقت نفسه إلى إعادة تفسير العلاقات بين الثقافات، وإظهار الأندلس كمكان للتبادل الثقافي وليس فقط للصراع.
الفقرة الثانية: التعدد الثقافي بوصفه تهديدا أو ثراء
انقسم الأدب الإسباني في تعامله مع التعدد الثقافي الأندلسي بين من اعتبره تهديدًا للهوية، ومن رآه مصدر ثراء حضاري. وقد برز هذا الانقسام بوضوح في الأدب الرومانسي، حيث بدأت الأندلس تُستعاد بوصفها فضاءً للتنوع والتعايش، لا مجرد ساحة صراع⁶.
المطلب الثاني: الأندلس في الأدب الإسباني الحديث والمعاصر وإعادة بناء الهوية
يشكل الأدب الإسباني الحديث والمعاصر مرآة لفهم كيف تم إعادة قراءة الأندلس بعد قرون من الاسترداد والصراعات الدينية والثقافية. فالأندلس لم تعد مجرد مساحة جغرافية، بل صارت رمزا للحنين إلى زمن ذهبي وللكنز الثقافي المفقود، كما يظهر في استحضار الأدباء للذاكرة الجماعية في أعمالهم، وأصبحت إعادة بناء الهوية محورا أساسيا في الكتابة الأدبية، حيث يعاد النظر في العلاقة بين التراث العربي والإسباني وتأثيرها على وعي الذات الإسبانية، وتتيح هذه الرؤية استكشاف ديناميات الهوية الثقافية عبر الزمن، وتحليل كيفية استثمار الماضي الأندلسي في الأدب المعاصر.
الفقرة الأولى: الأندلس كرمز للحنين والذاكرة المفقودة
في الأدب الإسباني الحديث، خاصة خلال القرن العشرين، تحولت الأندلس إلى رمز للحنين إلى ماضٍ متعدد الثقافات. فقد استعادها شعراء وكتاب مثل فيديريكو غارسيا لوركا بوصفها فضاء جماليا وإنسانيا، حيث تمتزج الموسيقى والشعر والأسطورة، ولم تعد الأندلس هنا موضوعا تاريخيا صرفا، بل رمزا ثقافيا يعكس أزمة الهوية الحديثة.
أولا: الأندلس بوصفها بنية رمزية للحنين
تُخيل الأندلس في الوعي العربي بوصفها فردوسا ثقافيا مفقودا، تتقاطع فيه الذاكرة التاريخية مع الحلم، ويشتغل فيه الماضي كقوة مشحونة بالعاطفة والتمثل، فالاندثار المفاجئ لتلك الحضارة ترك أثرا نفسيا وجمعيا عميقا، جعل من الأندلس رمزا يتجاوز حدود الجغرافيا والتاريخ ليصبح أفقا يستعاد أكثر مما يستذكر.
فالحنين هنا ليس استعادة حرفية للماضي، بل بناء تخييليا يستثمر ذاكرة جماعية انتقائية، إذ تستحضر الأندلس غالبا بصورتها الوردية: التسامح، الازدهار، التعايش، العلوم، الفنون، بينما يهمش واقع الصراعات السياسية والعسكرية التي طبعت تاريخها الأخير.
وقد أشار إدوارد سعيد إلى هذا النمط من استعادة الماضي بوصفه استيهاما ثقافيا يستمد شرعيته من حاجة الجماعة إلى رموز مثالية تعيد تشكيل الهوية في لحظات الانكسار،[6] وعليه فالتعلق بالأندلس ليس مجرد ارتباط بالتاريخ، بل تعبير عن رغبة وجودية في امتلاك زمن بديل تتوازن فيه الهوية ويستعاد فيه المعنى.
وتُظهر الأدبيات العربية، شعرًا ونثرًا، استمرار هذا الحنين، كما في قول أحمد شوقي في “صقر قريش:
يا نائحَ الطّلحِ أشباهٌ تُذكِّرني منهنَّ بالـرَّوضِ والأيّامِ والـدارِ
وهو حنين لا إلى المكان ذاته، بل إلى ما كان يمثله المكان من امتلاء حضاري.
ثانيا: الذاكرة المفقودة وتمثُّل الأندلس في الوعي الثقافي
تتحول الأندلس، في الذاكرة التاريخية، من حقيقة تاريخية إلى سردية ثقافية تتجاوز الوقائع لتشكل مرجعا رمزيا يبنى من خلاله وعي الجماعة بذاتها، فالذاكرة هنا ليست مجرد خزان معلومات، بل آلية لإنتاج المعنى وإعادة ترتيب الماضي في ضوء الحاضر.
وقد بين موريس هالبواكس أن الذاكرة الجماعية لا توجد إلا داخل الجماعات التي تعيد بناءها باستمرار،[7] وهذا ما ينطبق بوضوح على الذاكرة الأندلسية، التي أعيد تشكيلها في سياقات سياسية وثقافية مختلفة، من عصر الانبعاث العربي إلى زمن النهضة، ثم في الخطابات القومية والإسلامية المعاصرة.
ولهذا ارتبطت الأندلس بما يسميه بيير نورا أماكن الذاكرة،[8] أي تلك المواقع الرمزية التي تتكاثف فيها الطبقات التاريخية والعاطفية، فيتحول المكان إلى مستودع للهوية تحمل عليه توقعات الحاضر.
ومن هنا أصبح فقدان الأندلس يقرأ بوصفه صدمة حضارية، ما تزال آثارها ممتدة في الوعي الجمعي العربي والإسلامي. ولا تزال كتب التاريخ والأدب تعيد إنتاج صورة الخروج الأخير والسقوط الدرامي، وهي صور أسهمت في تكريس الأندلس بوصفها ذاكرة جريحة.
وفي هذا السياق، يرى عبد الله عنان أن ضياع الأندلس لم يكن حدثا سياسيا فحسب، بل منعطفا وجدانيا خلخل إحساس الأمة بذاتها وترك فراغا في وجدانها الحضاري،[9] وهذا ما يجعل استعادة الأندلس اليوم ليست مجرد بحث في الماضي، بل سؤالا عن الحاضر وعما ينبغي أن تكون عليه الهوية.
الفقرة الثانية: إعادة قراءة الأندلس في ضوء سؤال الهوية
ساهمت هذه المقاربة الحديثة في إعادة إدماج الأندلس داخل النقاش حول الهوية الإسبانية، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من التاريخ الثقافي لإسبانيا. وأضحى الأدب مجالًا لمساءلة السرديات الرسمية، والدعوة إلى قراءة أكثر انفتاحًا للماضي، تعترف بالتعدد بدل إنكاره⁸.
أولا: الأندلس كمرآة لإعادة تشكيل الهوية
تطرح إعادة قراءة التاريخ الأندلسي في الزمن المعاصر سؤال الهوية بوصفه مدخلا لفهم الذات الثقافية العربية والإسلامية، فالأندلس تستدعى اليوم لا باعتبارها حدثا ماضيا، بل كـسردية تأسيسية يعاد عبرها بناء تصور الجماعة عن نفسها.
وفي هذا السياق، يشير بول ريكور إلى أن الهوية ليست معطى ثابتا، بل تتشكل عبر السرد الذي تبنيه الجماعة حول ذاتها،[10] وهو ما ينطبق على الحالة الأندلسية بوضوح؛ إذ تتحول إلى قصة رمزية تستعيد فيها الذات سماتها الحضارية المثالية: التعايش، الانفتاح، الإبداع، والقدرة على إنتاج المعرفة.
وتبرز الأندلس هنا مثالًا لهوية مرنة وغير منغلقة، لم تكن قائمة على نقاء إثني أو ثقافي، بل على تنوّع تفاعلي أسهم في إثراء العلوم والآداب والفنون، وهي صورة تجعل منها مرجعا نقديا لقراءة واقع الهوية العربية اليوم، التي تواجه تحديات الحداثة والعولمة وصراعات الانتماء.
كما أن هذه القراءة الجديدة تتجاوز السرديات العاطفية التقليدية التي اختزلت الأندلس في الفردوس المفقود، لتقدم بديلا نقديا يرى فيها نموذجا للتفاعل الحضاري لا مجرد ذكرى.
ثانيا: الأندلس كفضاء للتهجين الثقافي وسؤال التعدد
ترافق إعادة قراءة الأندلس مع تزايد الاهتمام بما يسميه هومي بابا فضاء التهجين الثقافي، حيث تتفاعل الهويات داخل منطقة تماس تنتج معاني جديدة لا يمكن نسبتها إلى طرف واحد،[11] فالأندلس، كفضاء تاريخي وثقافي، تمثل حالة فريدة من التعدد المتعايش من عربي وأمازيغي ويهودي ومسيحي ولاتيني وأوروبي ناشئ، هذا التعدد يجعلها مختبرا لفهم الهوية بوصفها سيرورة تاريخية متجددة لا كجوهر صلب.
وقد أكدت ماريا روزا مينوكالث في أعمالها أن الأندلس لا يجب أن تقرأ باعتبارها تراثا إسلاميا خالصا أو مسيحيا خالصا، بل باعتبارها فضاء عابرا للثقافات،[12] ساهمت فيه كل المكونات البشرية في إنتاج حضارة مشتركة، ومن هذا المنظور، فإن استعادة الأندلس اليوم تسائل كيفية التوفيق بين الخصوصية والانفتاح، وكيف يمكن للهوية العربية والإسلامية أن تبني علاقتها بالآخر دون خوف أو انغلاق.
كما تتجه القراءات الحديثة إلى نقد الاستخدام الإيديولوجي لصورة الأندلس، إذ تستعمل أحيانا كرمز للضياع أو كأداة لإحياء نزعات قومية أو دينية ضيقة، لكن القراءة الأكاديمية كما يؤكد عبد الله العروي، تدعو إلى تجاوز هذا التوظيف وجعل الأندلس موضوعا للدرس التاريخي الرصين، لا للاستثمار السياسي الرابع،[13] ومن هذا المنظور يصبح سؤال الهوية مرتبطا بفهم الذاكرة الجماعية من حيث إبقاؤها أسيرة الحنين، أو جعلها عنصرا فاعلا في بناء تصور حداثي للذات.
خاتمة:
يتضح من كل ما سبق أن موضوع الأندلس، في امتداداته الرمزية والثقافية، يمثل أحد المداخل الأساسية لفهم تشكل الوعي التاريخي وتحولات الهوية في الفضاءين العربي والإيبيري على حد سواء، فقد أظهرت القراءة في بعدي الحنين والذاكرة المفقودة، من جهة، وإعادة بناء الهوية من جهة أخرى، أن الأندلس ليست مجرد حدث تاريخي منصرم، بل هي بنية رمزية متجددة تُستعاد في لحظات الأزمات والتحولات الكبرى لتؤدي وظائف معرفية وثقافية تتجاوز حدود الماضي.
وقد أبرز تحليلنا أن استحضار الأندلس لا ينفصل عن دينامية الذاكرة الجماعية، التي تقوم على إعادة تأويل الوقائع التاريخية بما يخدم حاجات الحاضر ويستجيب لرهاناته المستقبلية، كما تبين أن إعادة قراءة الأندلس في الفكر والأدب الإسباني الحديث والمعاصر ترتبط بشكل وثيق بالسعي إلى بلورة هوية وطنية أكثر شمولا وتعدديّة، في سياق ما بعد الحداثة وما بعد الكولونيالية، حيث يعاد تقييم الإرث المشترك بما يحفظ التوازن بين الذاكرة والواقع.
وتؤكد هذه الخلاصات، في مجموعها، أن الأندلس تمثل فضاء رمزيا قابلا لإعادة البناء عبر الزمن، وأن حمولتها الثقافية لا تزال فاعلة في تشكيل تمثلات الذات والآخر، وفي إعادة صياغة أسئلة الأصالة والانفتاح والتعايش، كما تبرهن على أن البحث في هذا الموضوع يتطلب مقاربة متعددة التخصصات، تستند إلى التاريخ واللسانيات والأنثروبولوجيا ودراسات الذاكرة، بما يتيح قراءة مركبة تتجاوز السرديات التقليدية وتفتح المجال أمام فهم أكثر عمقا وتعقيدا لمكانة الأندلس في الوعي المعاصر.
وبناء على ذلك، يتأكد أن الأندلس ليست فقط ذاكرة مفقودة، بل هي أيضا مشروع معرفي يُعاد تشكيله باستمرار، بما يعكس الحيوية الثقافية للمجتمعات التي تتفاعل معه، ويؤشر إلى استمرار الحاجة إلى إعادة كتابة هذا الإرث بعيدا عن المثالية المفرطة أو الإقصاء المتعسف، في أفق بناء رؤية نقدية متوازنة للهوية والتاريخ.
***********
[1]– Menéndez Pidal, Ramón, Cantar de Mio Cid, Madrid: Espasa Calpe, 1953, P. 87.
[2]– Alborg, Juan Luis, Historia de la Literatura Española, Madrid: Gredos, 1980, P. 112.
[3]– Menéndez Pidal, Ramón, Historia de España y Literatura, Madrid: Espasa, 1961, p. 205.
[4]– Cervantes, Miguel de, Don Quijote de la Mancha, Madrid: Castalia, 1984, PP. 345–350.
[5]– Goytisolo, Juan, Crónicas Sarracinas, Madrid: Alianza Editorial, 1982, p. 14.
[6]– إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، بيروت، دار الآداب، 1997، ص. 36.
[7]– Maurice Halbwachs, La mémoire collective, PUF, 1950, p. 42
[8]– Pierre Nora, Les lieux de mémoire, Gallimard, 1984, p. 17
[9]– عبد الله عنان، تاريخ الأندلس من الفتح إلى السقوط، القاهرة: مكتبة الخانجي، 1991، ص. 12.
[10]– Paul Ricœur, Soi-même comme un autre, Paris: Seuil, 1990, P. 141.
[11]– Homi Bhabha, The Location of Culture, Routledge, 1994, P. 54
[12]– María Rosa Menocal, The Ornament of the World, Little, Brown and Company, 2002, P. 12.
[13]– عبد الله العروي، مفهوم التاريخ، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1996، ص. 87.
