الصين في إفريقيا: حضور متعدد الأبعاد، رهانات استراتيجية وتحولات جارية

محمد نجيب زغلول

تقديم

تُعدّ العلاقات الصينية الإفريقية من أبرز التحولات الجيوسياسية والاقتصادية في النظام الدولي المعاصر، إذ انتقلت خلال العقود الأخيرة من إطار التضامن الإيديولوجي ودعم حركات التحرر الوطني إلى شراكة استراتيجية واسعة تقوم على المصالح الاقتصادية والاعتبارات الجيوسياسية. تعود البدايات الحديثة لهذه العلاقات إلى مؤتمر باندونغ سنة 1955، الذي أسّس لتقارب بين الصين والدول الإفريقية الساعية إلى الاستقلال، قبل أن تتعزز الروابط عبر الدعم السياسي والعسكري الذي قدمته بكين لعدد من حركات التحرر خلال الحرب الباردة.

ومع نهاية الحرب الباردة وصعود الصين كقوة اقتصادية عالمية، دخل الحضور الصيني في إفريقيا مرحلة توسع غير مسبوقة، خاصة بعد تأسيس منتدى التعاون الصيني الإفريقي سنة 2000. فقد أصبحت الصين الشريك التجاري الأول للقارة، وبرزت بقوة في تمويل مشاريع البنى التحتية والطاقة والاتصالات، إلى جانب تنامي حضورها السياسي والثقافي والأمني.

غير أنّ هذا التوسع يثير نقاشاً واسعاً حول إشكاليات الديون، واختلال التوازن التجاري، ومستقبل النفوذ الصيني داخل إفريقيا، خاصة في ظل التنافس الدولي المتزايد على موارد القارة وأسواقها. ومن ثمّ، تطرح هذه العلاقة تحديات وفرصاً في آن واحد، سواء بالنسبة للصين التي تسعى لتعزيز نفوذها العالمي، أو لإفريقيا التي تبحث عن التنمية والاستقلال الاقتصادي ضمن نظام دولي متحوّل.

                           -اعداد محمد نجيب زغلول

أولاً: جذور تاريخية عميقة – من التضامن الإيديولوجي إلى البراغماتية الاقتصادية

لا تعود العلاقات الصينية الإفريقية إلى مطلع القرن الحادي والعشرين، رغم أنّ هذه المرحلة شهدت تسارعها الأكثر لفتاً. فقد بدأت ملامحها الحديثة مع مؤتمر باندونغ في أبريل/نيسان 1955، الذي مثّل نقطة الانطلاق للعلاقات الدبلوماسية بين جمهورية الصين الشعبية والدول الإفريقية الساعية إلى التحرر من الاستعمار. وقد أفرزت حركات التحرر الوطني وسياسات عدم الانحياز آنذاك أرضية مشتركة للتعاون بين بلدان الجنوب. وفي هذا السياق، أعلن شو إنلاي خلال جولته الإفريقية بين ديسمبر/كانون الأول 1963 وفبراير/شباط 1964 — وهي أول زيارة بارزة لمسؤول صيني رفيع إلى القارة — المبادئ الثمانية المؤسسة للسياسة الإفريقية لبكين، والمتمثلة في: المساواة بين الشركاء، المنفعة المتبادلة، احترام السيادة، القروض من دون فوائد، وتعزيز القدرات المحلية. ورغم التحولات التي طرأت على مضمون هذه المبادئ، فإنها لا تزال تشكل الإطار النظري الرسمي للتعاون الصيني الإفريقي.

وخلال الحرب الباردة، ارتبطت السياسة الصينية في إفريقيا باعتبارات إيديولوجية أكثر منها اقتصادية، تمثلت في مواجهة النفوذ السوفييتي، ودعم حركات التحرر الوطني، والتصدي للاعتراف بتايوان. وقد دعمت بكين حركات التحرر في موزمبيق وأنغولا والكاميرون عبر التدريب العسكري وتقديم السلاح والمساعدات اللوجستية، فيما ركزت مساعداتها المبكرة على قطاعات الصحة والزراعة والبنى التحتية الرمزية، مثل الملاعب والموانئ والمباني الحكومية.

ومع نهاية الحرب الباردة، بدأت الصين تنصرف تدريجياً عن إفريقيا من أجل التركيز على إصلاحاتها الاقتصادية الداخلية. غير أنّ ثلاثة عوامل رئيسية أعادت القارة إلى صدارة الحسابات الاستراتيجية الصينية خلال تسعينيات القرن الماضي: أولها أحداث تيانانمن سنة 1989 وما تبعها من عزلة غربية نسبية دفعت بكين إلى البحث عن حلفاء داخل المؤسسات الدولية، وثانيها تحوّل الصين إلى مستورد صافٍ للنفط عام 1993، وثالثها إطلاق سياسة “الخروج إلى الخارج” التي شجعت الشركات الصينية على الاستثمار خارجياً. وفي هذا الإطار، تأسس منتدى التعاون الصيني الإفريقي (FOCAC) عام 2000 ليصبح المنصة المركزية لإدارة العلاقات بين الطرفين، ومنذ ذلك الحين دخل الحضور الصيني في إفريقيا مرحلة توسع غير مسبوقة، تحولت خلالها بكين من شريك ثانوي إلى القوة الخارجية الأكثر حضوراً وتأثيراً في القارة.

 ثانياً: اتساع الحضور الاقتصادي – التجارة والاستثمارات وتمويل البنى التحتية

شهدت العلاقات الاقتصادية الصينية الإفريقية نمواً هائلاً خلال العقدين الأخيرين. ففي غضون سنوات قليلة فقط، تجاوزت الصين الشركاء التقليديين للقارة مثل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة لتصبح الشريك التجاري الأول لإفريقيا. وقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين الجانبين من 10.6 مليارات دولار عام 2000 إلى أكثر من 254 مليار دولار سنة 2021، بينما تجاوز خلال النصف الأول من عام 2024 نحو 152 مليار يورو، في مؤشر واضح على استمرار الدينامية الاقتصادية الصينية داخل القارة.

وخلال قمة منتدى التعاون الصيني الإفريقي المنعقدة في بكين في سبتمبر/أيلول 2024، أعلن الرئيس الصيني Xi Jinping  عن حزمة تمويل جديدة لإفريقيا بقيمة 360 مليار يوان، أي ما يعادل نحو 45 مليار يورو، سيتم توجيهها إلى مشاريع الصناعة والطاقة والبنية التحتية والزراعة والتكنولوجيا الخضراء والتكوين المهني على مدى ثلاث سنوات. لكن هذه العلاقة الاقتصادية تتسم باختلال بنيوي واضح. فالصادرات الإفريقية نحو الصين تتكون أساساً من النفط والغاز والمعادن والمواد الخام، إذ تمثل المحروقات وحدها نحو 70% من إجمالي الصادرات الإفريقية إلى الصين، بينما تصدر بكين إلى إفريقيا منتجات مصنعة وتجهيزات إلكترونية ومنسوجات وآلات صناعية.

وقد أدى هذا النمط إلى عجز تجاري متزايد لصالح الصين بلغ نحو 42 مليار دولار سنة 2021. كما يبرز تركّز جغرافي واضح في المبادلات، إذ تستحوذ دول محدودة مثل جنوب إفريقيا ونيجيريا ومصر والجزائر والمغرب وأنغولا على الجزء الأكبر من التجارة الصينية الإفريقية.

ورغم الخطاب السياسي الذي يروّج لفكرة “الاستثمار الصيني الضخم” في إفريقيا، تشير دراسات متخصصة إلى أنّ الصين تعمل أساساً كمموّل ومقاول ومقدم خدمات أكثر من كونها مستثمراً مباشراً طويل الأمد. فحجم الاستثمارات الصينية المباشرة في إفريقيا يبقى محدوداً نسبياً مقارنة بحجم تجارتها العالمية، إذ لم تتجاوز 2.7 مليار دولار سنة 2019 و4.2 مليارات سنة 2020. ومع ذلك، تظل الصين الفاعل الأكبر في مجال البنى التحتية الإفريقية. فمنذ عام 2000، موّلت بكين مشاريع ضخمة في الطرق والسكك الحديدية والموانئ والطاقة والاتصالات، عبر نموذج “الهندسة والتمويل والبناء ”  (EPC+Finance)، الذي تتولى فيه الشركات الصينية تنفيذ المشروع بتمويل من بنوك صينية حكومية. وقد مكّن هذا النموذج من بناء نحو 6000 كيلومتر من الطرق، و6000 كيلومتر من السكك الحديدية، و20 ميناءً، و80 محطة كهرباء، و130 مستشفى، و45 ملعباً، و170 مدرسة في مختلف أنحاء القارة خلال عقدين فقط. كما أصبحت الشركات الصينية تهيمن على قطاعات الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية في إفريقيا، خصوصاً عبر مجموعتي Huawei وZTE  اللتين لعبتا دوراً مركزياً في تطوير شبكات الاتصالات والانتقال من الجيل الثاني إلى الرابع في عدد من الدول الإفريقية.

 ثالثاً: إشكالية الديون واختلال التوازن

أدى التوسع الكبير في القروض الصينية إلى تصاعد المخاوف المرتبطة بالمديونية الإفريقية. ففي عام 2020 أصبحت الصين تمتلك أكثر من 62% من إجمالي الديون الثنائية الخارجية للقارة، مقابل 3% فقط عام 2000. وتبرز حالات اعتماد مرتفع على التمويل الصيني في دول مثل جيبوتي وزامبيا وأنغولا والكونغو الديمقراطية وغينيا والكاميرون. وقد دفعت هذه الوضعية عدداً من المراقبين إلى الحديث عن “دبلوماسية فخ الديون”، رغم أن بكين ترفض هذا الوصف بشكل قاطع.

وفي الواقع، تفضّل الصين عادةً إعادة جدولة الديون أو إعادة هيكلتها بدلاً من إلغائها بالكامل. فمن بين نحو 160 مليار دولار من القروض التي قدمتها لإفريقيا منذ عام 2000، لم تلغِ بكين سوى جزء محدود نسبياً. لكن منذ عام 2017 بدأت الصين تقلّص تدريجياً حجم قروضها الخارجية، نتيجة تباطؤ اقتصادها الداخلي وارتفاع المخاطر المالية في إفريقيا، إضافة إلى الانتقادات التي وجّهها شي جين بينغ لما وصفه بمشاريع “الاستعراض” ذات العائد المحدود. وقد انعكس هذا التحول على الوجود البشري الصيني في القارة، إذ تراجع عدد العمال الصينيين في إفريقيا من 264 ألف عامل سنة 2015 إلى نحو 104 آلاف فقط عام 2020. وفي السنوات الأخيرة، بدأت بعض الدول الإفريقية — مثل زامبيا وكينيا والكونغو الديمقراطية — تسعى إلى إعادة التفاوض بشأن شروط التعاون مع الصين وتقليص مستوى الاعتماد المفرط على التمويل الصيني.

 رابعاً: التحول في الاستراتيجية الطاقية – من الأحفوري إلى الأخضر

يعد قطاع الطاقة أحد أكثر المجالات الاستراتيجية في الحضور الصيني بإفريقيا. فخلال الفترة الممتدة بين 2010 و2020، ضخت البنوك الصينية أكثر من 43 مليار دولار في مشاريع الطاقة بالقارة. وقد استحوذت الطاقة الكهرومائية على الحصة الأكبر من التمويلات بنسبة 41%، تلتها مشاريع النفط والفحم وشبكات النقل والتوزيع الكهربائي، بينما بقيت مساهمة الطاقات المتجددة غير المائية – كالطاقة الشمسية والرياح – محدودة للغاية.

غير أنّ السنوات الأخيرة شهدت تحولاً واضحاً في المقاربة الصينية، خاصة بعد إعلان الرئيس Xi Jinping عام 2021 وقف تمويل مشاريع الفحم الجديدة في الخارج، في إطار ما بات يُعرف بسياسة “تخضير مبادرة الحزام والطريق”. ومنذ ذلك الحين، بدأت بكين تعطي أولوية أكبر لمشاريع الطاقة النظيفة والزراعة الذكية والتكنولوجيا البيئية، كما تعزز اهتمامها بالمعادن النادرة الإفريقية مثل الليثيوم والكوبالت والنحاس، الضرورية لصناعة البطاريات والسيارات الكهربائية والألواح الشمسية.

وقد تحولت دول مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا وغينيا إلى ساحات تنافس استراتيجية بسبب احتياطاتها الهائلة من هذه المعادن، ما جعل إفريقيا جزءاً أساسياً من معركة التحول الطاقي العالمي. ومع ذلك، لا تزال الصين تواجه تحديات حقيقية في هذا المجال، من بينها ضعف خبرة شركاتها في مشاريع الطاقات المتجددة الصغيرة والمتوسطة، واعتمادها التقليدي على المشاريع الضخمة المرتبطة بالطاقة الأحفورية والبنى التحتية الثقيلة.

 خامساً: السياسة الصحية الصينية في إفريقيا – أداة نفوذ جيوسياسي

منذ إرسال أول بعثة طبية صينية إلى الجزائر سنة 1963، عملت بكين على بناء حضور صحي متنامٍ داخل القارة الإفريقية. وتؤكد الصين أنها أرسلت خلال سبعين عاماً أكثر من 27 ألف عامل صحي وطبي إلى عشرات الدول الإفريقية.

كما موّلت مئات المشاريع الصحية، وبنت مستشفيات ومختبرات ومراكز طبية، خصوصاً بعد تأسيس منتدى التعاون الصيني الإفريقي.

وخلال أزمة إيبولا عام 2014، قدمت الصين مساعدات طبية عاجلة تجاوزت 120 مليون دولار، ودرّبت آلاف العاملين المحليين، وأنشأت مختبرات متخصصة في عدد من الدول المتضررة. خلال  شهر ماي 2026، كثّفت الصين دعمها الصحي لجمهورية الكونغو الديمقراطية في ظل تفشي فيروس إيبولا، حيث قدّمت مساعدات طبية شملت أدوية ومعدات وتجهيزات للمستشفيات، خاصة إلى مستشفى الصداقة الصيني-الكونغولي في كينشاسا. كما واصلت الفرق الطبية الصينية تقديم التدريب والخبرة في مجالات الوقاية ومكافحة الأوبئة، في إطار التعاون الصحي المستمر بين البلدين. وتأتي هذه المساعدات في وقت أعلنت فيه منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ صحية دولية بسبب انتشار سلالة “بونديبوغيو” من إيبولا في شرق الكونغو وأوغندا، وسط نقص كبير في الإمدادات الطبية والقدرات الصحية المحلية

أما خلال جائحة كوفيد-19، فقد استخدمت بكين ما عُرف بـ”دبلوماسية اللقاحات” لتعزيز حضورها السياسي والدبلوماسي في إفريقيا، عبر تصدير اللقاحات والمعدات الطبية وتقديم المساعدات الصحية.

ويكشف هذا التوسع أن الصين تنظر إلى القطاع الصحي بوصفه أداة استراتيجية لتعزيز نفوذها الجيوسياسي وترسيخ صورتها كقوة عالمية مسؤولة وقادرة على تقديم بديل للنموذج الغربي.

 سادساً: نشاط دبلوماسي وسياسي وثقافي وأمني غير مسبوق

لم يعد الحضور الصيني في إفريقيا مقتصراً على الاقتصاد، بل أصبح متعدد الأبعاد يشمل السياسة والثقافة والأمن والإعلام. فعلى المستوى الدبلوماسي، كثّفت بكين زياراتها الرسمية واتصالاتها بالقادة الأفارقة، فيما تحول منتدى التعاون الصيني الإفريقي إلى أحد أهم الأطر الدبلوماسية بين الصين والعالم النامي.

كما نسج الحزب الشيوعي الصيني علاقات مع أكثر من 110 أحزاب سياسية في 51 دولة إفريقية، مستثمراً بقوة في تكوين النخب السياسية والإدارية والإعلامية. وتستخدم الصين كذلك أدوات “القوة الناعمة” عبر معاهد كونفوشيوس والمنح الدراسية والتدريب الإعلامي، حيث تستقبل الجامعات الصينية عشرات الآلاف من الطلبة الأفارقة سنوياً. وفي السنوات الأخيرة، بدأت بكين تعتمد بشكل متزايد على ما يسمى “دبلوماسية مراكز التفكير”، من خلال تمويل مراكز بحث ومنتديات استراتيجية تهدف إلى التأثير في النقاشات السياسية والفكرية داخل إفريقيا بما يخدم الرؤية الصينية للنظام الدولي.

أما في المجال الأمني، فقد عززت الصين حضورها العسكري عبر المشاركة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وإنشاء أول قاعدة عسكرية خارجية لها في جيبوتي سنة 2017. وتشير تقارير حديثة إلى أنّ خطة العمل الصينية الإفريقية للفترة 2025-2027 تتضمن أكبر حزمة التزامات أمنية في تاريخ منتدى التعاون الصيني الإفريقي، بما يشمل التدريب العسكري، وتزويد الجيوش الإفريقية بالمعدات، وتعزيز التعاون الاستخباراتي والأمني. كما أصبحت الصين أحد أكبر مزودي السلاح للقارة الإفريقية، إذ تمثل صادراتها العسكرية نحو 17% من إجمالي واردات إفريقيا من الأسلحة.

 سابعاً: الموارد والأسواق والأصوات — جوهر المصالح الصينية

تلخّص الباحثة الصينية ياو غوي مي أهداف السياسة الصينية في إفريقيا بثلاث كلمات: “الموارد، الأسواق، والأصوات”. فالموارد الطبيعية – خصوصاً النفط والمعادن – شكلت الدافع الأساسي للتوسع الصيني منذ التسعينيات، بينما تمثل الأسواق الإفريقية منفذاً حيوياً للمنتجات والخدمات والتكنولوجيا الصينية. أما “الأصوات”، سياسيا  فتشير إلى الثقل الدبلوماسي الإفريقي داخل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، حيث تمثل إفريقيا أكثر من ربع أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد استفادت الصين من هذا الدعم الإفريقي في قضايا حساسة مثل تايوان وشينجيانغ وهونغ كونغ، كما مكّنها من تعزيز نفوذها داخل مؤسسات الأمم المتحدة وقيادة عدد غير مسبوق من وكالاتها المتخصصة.

 ثامناً: التصورات الإفريقية والانتقادات المتصاعدة

في البداية، استقبلت الحكومات الإفريقية الحضور الصيني بترحيب كبير، باعتباره بديلاً عن الشروط السياسية الغربية وسياسات التقشف التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية. لكن مع مرور الوقت، بدأت الانتقادات تتزايد داخل المجتمعات الإفريقية، خصوصاً بشأن ضعف نقل التكنولوجيا، وتدني جودة بعض المشاريع، ومنافسة المنتجات الصينية للصناعات المحلية.

كما تتعرض بعض الشركات الصينية لاتهامات تتعلق بضعف احترام المعايير البيئية والاجتماعية، واستغلال الموارد الطبيعية، والاعتماد المفرط على العمالة الصينية بدل اليد العاملة المحلية. وفي عدد من الدول، مثل زامبيا، تحوّل السخط الشعبي تجاه بعض الممارسات الصينية إلى ورقة سياسية استثمرتها المعارضة خلال الحملات الانتخابية. ومع ذلك، ما تزال صورة الصين إيجابية نسبياً مقارنة بالقوى الغربية التقليدية، إذ ينظر إليها كثير من الأفارقة كشريك لا يفرض شروطاً سياسية مباشرة على التعاون الاقتصادي.

 تاسعاً: هل تمتلك الصين “خطة كبرى” للهيمنة على إفريقيا؟

يثير الحضور الصيني المتنامي تساؤلات متكررة حول ما إذا كانت بكين تنفذ مشروعاً شاملاً للهيمنة على إفريقيا. غير أنّ المعطيات الدقيقة تُظهر صورة أكثر تعقيداً. فالصين، رغم نفوذها المتزايد، لا تسيطر فعلياً إلا على نسبة محدودة من الأصول الاستراتيجية الإفريقية، كما أنّ أغلب مشاريعها تخضع في النهاية لسيادة الدول المضيفة. كذلك، اضطرت الشركات الصينية إلى التكيف مع البيئات المحلية والتعامل مع الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين الأفارقة، فيما تراجعت أعداد العمال الصينيين بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة. وبالتالي، فإن الحضور الصيني يبدو أقرب إلى استراتيجية توسع براغماتية قائمة على اقتناص الفرص الاقتصادية والسياسية، أكثر منه مشروعاً استعمارياً تقليدياً قائماً على السيطرة المباشرة.

 عاشراً: الخلاصات والآفاق المستقبلية – نحو هيمنة جيو-اقتصادية متحوّلة

نجحت الصين خلال عقدين فقط في بناء حضور شامل ومتعدد الأبعاد داخل إفريقيا، يشمل الاقتصاد والبنى التحتية والطاقة والدبلوماسية والثقافة والأمن. وقد أصبحت بكين اليوم الفاعل الخارجي الأكثر تأثيراً في القارة، ليس فقط بسبب حجم تجارتها واستثماراتها، بل أيضاً بفضل قدرتها على الدمج بين التمويل والتكنولوجيا والنفوذ السياسي.

غير أنّ هذا الحضور يشهد اليوم مرحلة إعادة تموضع واضحة، مع تراجع القروض الضخمة، والانتقال نحو الاقتصاد الأخضر، وتصاعد الاهتمام بالمعادن الاستراتيجية، وتزايد الانخراط الأمني والسياسي. ويبقى التحدي الأكبر أمام إفريقيا هو كيفية تحويل هذه العلاقة غير المتكافئة إلى فرصة حقيقية للتصنيع والتنمية المستقلة، بدلاً من الاكتفاء بدور المورّد للمواد الخام والسوق المفتوحة للمنتجات الأجنبية. وفي ظل احتدام التنافس الدولي على القارة بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والقوى الإقليمية الأخرى، تبدو إفريقيا اليوم في قلب التحولات الكبرى التي تعيد رسم موازين القوة في النظام الدولي الجديد

**********************************

Sources bibliographiques : Gourdon J., Lambert M. & Macé A., « La nouvelle stratégie énergétique de la Chine en Afrique : Enjeux et défis », FERDI Policy Brief B232, mars 2022 — Aurégan X., « La présence économique chinoise en Afrique, quelles réalités ? », Géoconfluences, avril 2025 — Antil A., « La stratégie africaine de la Chine : des succès et des doutes », Questions internationales n° 90, mars-avril 2018 — Cabestan J.-P., « La Chine en Afrique : une nouvelle hégémonie », Asia Centre, janvier 2023 — Hellendorff B., « La Chine en Afrique. Survol des enjeux », Note d’Analyse GRIP, décembre 2010 — Pairault T., « Afrique-Chine : des ressources naturelles, des marchés et des votes », Géostratégiques n° 60, mars 2023 — Delcourt L., « La Chine en Afrique : enjeux et perspectives », Alternatives Sud vol. 18, 2011. Xavier Aurégan, « La politique sanitaire de la Chine en Afrique », Les Cahiers d’Outre-Mer [En ligne], 285

Synthèse bibliographique — Sources : Gourdon, Lambert & Macé (FERDI, 2022) ; Aurégan (Géoconfluences, 2025) ; Antil (Questions internationales, 2018) ; Cabestan (Asia Centre, 2023) ; Hellendorff (GRIP, 2010) ; Pairault (Géostratégiques, 2023) ; Delcourt (Alternatives Sud, 2011)

Webographie :

https://fr.euronews.com/2024/09/05/la-chine-annonce-45-milliards-deuros-dinvestissement-en-afrique

https://www.institut-ega.org/l/quelle-presence-chinoise-en-afrique/

https://www.dw.com/fr/chine-ouverture-afrique/a-77045120

https://africacenter.org/fr/spotlight/chine-afrique-engagements-securite/

https://adf-magazine.com/fr/2025/08/la-chine-utilise-la-diplomatie-des-groupes-de-reflexion-afin-de-faconner-la-politique-africaine-a-son-profit/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist