حبر نسائي
في الصور وما هو ظاهر تبدو الأمومة هادئة، ناعمة، ومضيئة.
ابتسامة أم طفل بين ذراعيها وعبارة مختصرة: “أجمل إحساس في العالم”.
لكن خارج هذه الصورة هناك حكايات لا تنشر وحديث يقبر.
هناك أجساد تتصدع بصمت ونساء يعبرن الألم وحدهن بينما يطلب منهن أن يبدون ممتنات طوال الوقت.
الأمومة ليست لحظة واحدة وليست فقط ذلك اللقاء الأول بين الأم ورضيعها.

الأمومة تبدأ قبل ذلك بكثير… تبدأ من جسد يتغير من تعب يومي من خوف صامت ومن قلق لا يحكى.
الحمل ليس دائما تجربة “جميلة” كما يروج له.
هو أيضا غثيان إرهاق آلام تقلبات نفسية وخوف دائم من المجهول.
هو جسد يطلب منه أن يتحمل أكثر مما يقال عنه، ونفس تترك غالبا وحدها في مواجهة كل ذلك.
في كل مرة نختزل الأمومة في صورة وردية نحن لا ننصف النساء… بل نمحو جزءا من معاناتهن.
ثم تأتي الولادة…
تجربة على حافة الألم والحياة تعبرها النساء وكأنها أمر عادي بينما هي في حقيقتها لحظة قصوى تختبر فيها المرأة جسدها إلى أقصى الحدود.
وكأن المجتمع اعتاد أن يعتبر ألم النساء جزءا طبيعيا من المشهد.
ألما مألوفا لا يستحق التوقف عنده فقط لأنه يتكرر.
لكن أكثر ما لا يقال… هو الفقد.
فقدان الجنين ليس “حادثا عابرا” كما يختزل أحيانا
بل هو حزن ثقيل صامت لا يجد دائما اعترافا اجتماعيا كافيا.
امرأة تحمل حياة ثم تعود فارغة اليدين…
ويطلب منها القوة والعودة بسرعة كما كانت من قبل وكأن الحزن رفاهية لا تملكها.
ثمة أنواع من الفقد لا تترك جروحا مرئية لكنها تعيد تشكيل المرأة من الداخل.
بين الحمل والولادة والفقد… هناك كلفة لا ترى.
كلفة على الجسد على الصحة على التوازن النفسي وعلى الحياة المهنية والاجتماعية.
ومع ذلك…
يستمر المجتمع في التعامل مع الأمومة كأنها واجب بديهي
وتستمر الدولة في الاستفادة من نتائجها – استمرار المجتمع تجدد الأجيال –
دون أن يقابل ذلك دائما باعتراف حقيقي أو بسياسات منصفة أو بحماية كافية لصحة النساء وكرامتهن.
من المفارقات المؤلمة أن المجتمعات تحتفي بالمولود الجديد- طبعا لسنا ضد الاحتفاء – لكنها نادرا ما نسأل: كيف خرجت أمه من هذه الرحلة؟ وبأي كلفة؟
الأمومة ليست ضعفا… لكنها أيضا ليست تضحية صامتة يجب أن تؤخذ كأمر مسلم به.
الأمومة تجربة إنسانية معقدة تستحق أن تروى كما هي لا كما نريد لها أن تبدو.
ربما آن الأوان أن نكف عن تزيين الأمومة فقط
وأن نبدأ في فهمها والإنصات لها.
لأن وراء كل حياة جديدة
امرأة دفعت ثمنا لا يرى.
في “حبر نسائي” نكتب لنعيد الصوت لما أسكت فيه الحديث ، والوجه لما أخفي والحقيقة لما جرى تلميعها حتى فقدت ملامحها. نكتب الحقيقة… حتى لا تبقى الرواية ناقصة.
“حبر نسائي” حكايات وأسئلة لم تكتب بعد وما زال للحبر كلام.
حبر نسائي
ما يكتب هنا ليس نهاية الحكاية بل أول أثر للحبر…