ليست السياسة دائما بعيدة عن المسرح، ولا المسرح بعيدا عن السياسة، فكلاهما يقوم على الخشبة، وكلاهما يحتاج إلى جمهور، وكلاهما يتقن لعبة الأدوار وتبديل الأقنعة. وبين ستائر الفن وضجيج الحملات الانتخابية، تبدو بعض المشاهد السياسية في المغرب وكأنها فصل جديد من مسرحية ساخرة، تختلط فيها الشعارات بالمصالح، والخطابات بالمساومات، والوعود بالتنقلات الحزبية التي لا تنتهي. ولعل ما قدمته مسرحية “جار ومجرور” قبل سنوات الذي لعب فيها الفنان محمد الجم دور “المرشح”، أصبح اليوم أقرب إلى قراءة استباقية لمشهد سياسي يتكرر مع كل استحقاق انتخابي، حيث يتغير الممثلون، لكن السيناريو يظل هو نفسه.
في هذا العمل المسرحي البارز، نجح محمد الجم في تقديم صورة ساخرة لمرشح انتخابي بسيط، محدود الثقافة وضعيف الخطابة، لكنه يحلم باعتلاء منصة السياسة وخداع الجماهير بالكلمات الرنانة. ولأن الرجل لا يمتلك أدوات الإقناع، يجد نفسه مضطرا للاستعانة بخادمته كي تعلمه كيف يخطب، وكيف يلوح بالشعارات، وكيف يصنع لنفسه صورة “الزعيم” أمام الناس. كانت الكوميديا حاضرة بقوة، لكن خلف الضحك كان هناك نقد لاذع لواقع سياسي يسمح أحيانا بصناعة المرشحين كما تصنع الديكورات فوق الخشبة، قليل من التمثيل، كثير من الكلام، ووفرة في الوعود.
وإذا كانت المسرحية قد عرت هشاشة بعض الوجوه الانتخابية، فإن الواقع السياسي اليوم يكشف نسخة أكثر تعقيدا من المشهد نفسه، عنوانها الأبرز “الترحال السياسي”. فمع اقتراب كل انتخابات، تبدأ رحلة الانتقالات الحزبية، حيث يتحول بعض المنتخبين والمرشحين إلى مسافرين دائمين بين الأحزاب، يبدلون الانتماءات كما تبدل ربطات العنق، بحثا عن تزكية مضمونة أو مقعد مضمون. لا حديث هنا عن قناعات أو برامج أو مرجعيات، بل عن حسابات الربح والخسارة، وعن مواقع النفوذ ومفاتيح المصالح.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز ما يعرف شعبيا بـ”أصحاب الشكارة”، أولئك الذين يدخلون معترك السياسة بثقل المال لا بثقل الفكر، ويعتبرون الانتخابات استثمارا أكثر منها مسؤولية وطنية. هؤلاء لا يسألون عن هوية الحزب بقدر ما يسألون عن حظوظ الفوز، ولا ينشغلون بقضايا المواطن بقدر انشغالهم بكيفية البقاء داخل دائرة القرار. وهنا تتقاطع المسرحية مع الواقع، فكما كان بطل “جار ومجرور” يتعلم الخطابة ليقنع الناس بأنه يستحق المنصب، نجد اليوم من يتقن فن تغيير المواقع والشعارات ليقنع الناخب بأنه رجل المرحلة، رغم أن المرحلة نفسها تتكرر، والوجوه نفسها تعود، والخطاب نفسه يعاد تدويره في كل موسم انتخابي.
إن المقارنة بين المسرح والواقع لم تعد مجازا أدبيا فقط، بل أصبحت توصيفا دقيقا لحياة سياسية تتسع فيها مساحة الفرجة، وتضيق فيها مساحة الممارسة الجادة. وبين مرشح يتعلم الكلام من خادمته، وسياسي يتعلم فن الترحال من حسابات المصالح، يبقى المواطن وحده مطالبا بقراءة النص الحقيقي خلف الستار، والتمييز بين من يمارس السياسة كرسالى، ومن يحترفها كدور موسمي فوق خشبة الانتخابات.
ورغم هذا المشهد القاتم الذي تعاد فيه الوجوه نفسها كما تعاد فصول المسرحيات القديمة، وتدور فيه الأسماء بين الأحزاب كما تُدوّر الشعارات بين الحملات، فإن الساحة السياسية لا تخلو من بعض نقط الضوء التي ما تزال تفتح نافذة للأمل وسط ضباب العزوف وفقدان الثقة. فوسط ضجيج المال الانتخابي وصخب الترحال الحزبي، يظل الرهان قائما على بروز مبادرات سياسية قادرة على إعادة الاعتبار للفعل السياسي النبيل وربط التمثيلية بالكفاءة والنزاهة.
وفي هذا السياق، يبرز التحالف الانتخابي الأخير بين فدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد باعتباره محاولة لإعادة ضخ نفس جديد داخل المشهد الحزبي، بعيدا عن منطق الأعيان والمرشحين الموسميين. فالرهان هنا لا يقوم فقط على جمع الأصوات أو توسيع القاعدة الانتخابية، بل على تقديم وجوه سياسية نظيفة، تحمل قدرا من المصداقية والانسجام الفكري، وتؤمن بأن السياسة ليست مجرد طريق نحو الامتيازات، بل مسؤولية تجاه المجتمع.
صحيح أن الطريق ليس مفروشا بالورود، وأن مواجهة شبكات النفوذ والمال الانتخابي ليست مهمة سهلة، غير أن مجرد طرح بديل سياسي مختلف، قائم على الكفاءة والنزاهة والترافع الحقيقي عن قضايا المواطنين، يظل خطوة مهمة في اتجاه ترميم الثقة المفقودة بين المواطن والعمل الحزبي. فالمغاربة، الذين ملوا تكرار الوجوه نفسها والخطابات نفسها، يبحثون اليوم عن نماذج سياسية تقنع بالفعل لا بالشعار، وتكسب الاحترام بالممارسة لا بالدعاية.
ولعل التحدي الأكبر أمام هذا التحالف، وأمام كل القوى الساعية إلى التغيير، لا يكمن فقط في الفوز بالمقاعد، بل في القدرة على إحياء الأمل بأن السياسة يمكن أن تكون فعلا أخلاقيا وخدمة عمومية، لا مجرد موسم للترحال وتبادل الأدوار فوق خشبة الانتخابات.