“ليست الطرق ما نسلكه، بل ما تتركه فينا”
سواء دخلت من باب العقلة أو من باب الرموز، ستأخذك خطواتك نحوها، إنها السويقة، حيث بدأت حكاية تطوان أو حيث تجددت الحكاية، إلى هنا وصل سيدي عبد القادر التبين قادما من سبتة وقبلها من غرناطة، هنا اختار ربوة تطل على مداشر وقرى المنطقة وأسس حي المنجرة ليكون نواة لحي السويقة والذي سيصبح نواة لمدينة تطوان، وأقدم حي فيها، تدخل حي السويقة فتجد درب المنجرة يكاد ينطق بالتاريخ والأحداث وبأسماء من مروا من هنا منذ سنة 1148 ميلادية تاريخ تأسيس الحي، تلتفت يسارا فتجد الدرب المؤدي إلى درج قاع الحافة، تلتفت يمينا فتجد أمامك ساحة السويقة، خاملة ساكنة، بعد أن كانت قلب المدينة النابض منذ ما يقارب ألف سنة، من هنا انتشر العمران نحو الغرسة الكبيرة، السوق الفوقي والمطامر، هنا كانت تقام في المساجد حلقات الذكر والعلم والأدب، هنا استمر صخب وضجيج التجارة والحرف، حتى بعد ان توسعت المدينة خارج اسوارها ببناء حي الانسانتشي في عهد الحماية.

أغرق في سيل الذكريات، من هنا كنت أمر ذاهبا نحو مدرستي “الجنوي” أو “مدرسة ورش القرآنية” وفق التسمية الرسمية، قادما من المصلى/سيدي مصباح.
كانت الساحة مليئة بالحياة، دكاكين عامرة، لا زلت اذكر بعض الأسماء “البقالي”، “البقيوي” وغيرهما، لا زالت صورة الحوانيت وشكلها الداخلي راسخة في ذهني، السكين الذي يخترق الزبدة الهولندية فوق المنضدة، علب الوقيد والشمع وقوارير “الغزالة” و “كيكس داللاضو”.

قبالتك تجد الزقاق الصاعد ممتلئا ببائعي الخضر والنساء الملتحفات ب “المنادل” يلبسن “الكرزية والطرابق”، يفترشن النعناع و””الربيع” وما جادت به حقول المداشر القريبة، وصولا إلى المصداع، حيث السمك واللحم. تتجه يمينا لتخرج من الساحة متجها نحو “السقالة” حيث تجد في طريقك بيوتا تنطق بالتاريخ والاحداث.

الآن وأنا اتجول في ساحة السويقة ودروبها، يلف المكان صمت غريب، كأن المكان أصبح موحشا بعد ان رحل أهله، وبعد أن نسي الناس تاريخه، المباني تبدو وكأنها آيلة للسقوط، من يحمي تاريخنا؟ ألا يوجد رجل رشيد يقول للناس ان الحكاية بدأت من هنا؟ وأن هذه القطعة هي النطفة التي تحولت إلى جنين ثم إلى مدينة إسمها تطوان؟
أغادر السويقة وخطواتي تشبه خطوات ذلك الطفل الذي كنته ذات زمن، أبحث عن بائع “السفنج” وعن “الميسا” التي كنت اشتري منها الحلوى فلا أجدهما، أبحث عن تطوان التي في خاطري وذاكرتي فلا أرى سوى لوحة ضبابية مبللة بالدموع.
“بعض الدروب ليست مجرد بداية لمدينة، بل بداية لذاكرتنا نحن أيضا، حينما تبهت، نشعر أن شيئا منا يبهت معها”