الأداء بـ“الكاش” في المعاملات الكبرى.. بين حرية التعامل وتشديد الرقابة القانونية

إدريس العمراني

في المغرب، لم يعد الأداء بـ“الكاش” في الصفقات الكبرى مجرد وسيلة للبيع والشراء، بل صار بابا للجدل والإثارة، بين من يراه حرية في التصرف والتدبير، ومن يعتبره مدخلا للتلاعب والتبرير. فهل ما يزال “الكاش” مجرد أداة للأداء، أم تحول إلى غطاء لإخفاء الأموال وتبييض الثروات؟ وهل يعقل اليوم أن تمر صفقات بالملايين خارج أعين الأبناك وأجهزة الافتحاص؟
الدولة شددت الخناق، والرقابة رفعت الإيقاع، والمؤسسات المالية أصبحت مطالبة بالتبليغ عن كل عملية تحوم حولها الشكوك والارتياب. فزمن الحقائب الممتلئة بالأوراق النقدية لم يعد يمر مرور الكرام، خاصة عندما يتعلق الأمر ببيع عقارات فاخرة أو اقتناء أصول تجارية بمبالغ خيالية. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: من أين جاءت هذه الأموال؟ وكيف تم نقلها؟ وهل خضعت للتصريح والمراقبة أم عبرت في صمت تحت الطاولة؟
القانون بدوره لم يقف موقف المتفرج، بل دخل على الخط بنصوص واضحة وإجراءات صارمة. فالقانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال ألزم الأبناك ومؤسسات الائتمان بالتبليغ عن العمليات المشبوهة وغير الاعتيادية، خاصة حين تكون المبالغ ضخمة أو لا تنسجم مع الوضعية المالية لصاحبها. فهل يكفي التصريح وحده لمحاصرة الأموال المشبوهة؟ أم أن شبكات الاقتصاد غير المهيكل ما تزال أذكى من أعين الرقابة؟
حتى إدارة الضرائب رفعت منسوب الضغط، بعدما فرض قانون المالية غرامة بنسبة 2 في المائة على المعاملات المؤداة نقدا بين الشركات عندما تتجاوز قيمة الفاتورة 5000 درهم. رسالة واضحة مفادها أن الدولة تريد اقتصادا شفافا، ومعاملات موثقة، وأموالا تمر عبر القنوات الرسمية لا عبر “شنطة الكاش”. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يكفي الردع الضريبي لتغيير عقليات اعتادت التعامل النقدي منذ سنوات؟
ويرى مختصون أن “الكاش” لم يعد يوفر الأمان القانوني الذي كان يعتقده البعض، لأن القضاء لا يعترف بالنوايا بل بالوثائق والإثباتات. فالتحويل البنكي يترك أثرا، والشيك يرسم مسارا، أما الأموال النقدية فغالبا ما تترك وراءها الكثير من الريبة والقليل من الضمانات. فكم من صفقة انتهت أمام المحاكم بسبب غياب الإثبات؟ وكم من ثروة تحولت إلى ملف ثقيل بسبب “مال بلا أثر”؟
ورغم كل ذلك، ما يزال الاقتصاد النقدي يفرض منطقه داخل السوق المغربية، مستفيدا من اتساع القطاع غير المهيكل، وضعف الثقة أحيانا في المساطر البنكية، ورغبة البعض في الإفلات من أعين الضرائب والمراقبة. غير أن الرياح تغير اتجاهها، والرقمنة تزحف بسرعة، والدولة تبدو عازمة على تجفيف منابع “الاقتصاد الخفي”.
فهل نحن أمام نهاية زمن “الكاش الكبير”؟ وهل تتحول الصفقات النقدية مستقبلا من ممارسة عادية إلى مخاطرة قانونية؟ أم أن الاقتصاد غير المهيكل سيجد دائما طرقا جديدة للالتفاف على الرقابة؟ أسئلة تبقى مفتوحة، لكن المؤكد أن زمن المال الذي يتحرك في الظل، لم يعد كما كان بالأمس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist