لم يعد الحديث عن حوكمة الاستهلاك مجرد دعوة أخلاقية أو سلوك فردي معزول، بل أصبح جزءًا من نقاش أوسع يتعلق بكيفية اشتغال السوق، وبموقع الفرد داخل منظومة اقتصادية تتداخل فيها العوامل الاجتماعية والمالية والقانونية. وإذا كان السؤال التقليدي يتمحور حول: كيف نستهلك بوعي؟ فإن السؤال الأعمق اليوم هو: كيف يُعاد تشكيل السلوك الاستهلاكي عندما تتجاوز الأسعار حدود التوازن الاقتصادي المقبول؟
في سياق عيد الأضحى، تتجلى هذه الإشكالية بشكل واضح، حيث تتحول المناسبة بالنسبة لعدد كبير من الأسر إلى لحظة ضغط اقتصادي مباشر، لا يرتبط فقط بارتفاع الأسعار، بل ببنية سوق معقدة تتعدد فيها مستويات الوساطة والتوزيع. فالسوق لا يُنتج السعر في فراغ، بل من خلال سلسلة متداخلة من الفاعلين: منتجين وموزعين وتجار ووسطاء، وهو ما قد يخلق، في بعض الحالات، فجوة بين القيمة الاقتصادية الحقيقية للمنتوج وسعره النهائي في السوق.
ومع تداخل هذه البنية مع ضغط اجتماعي وثقافي قوي، تتحول الأضحية من شعيرة دينية مرتبطة بالاستطاعة، إلى التزام اجتماعي شبه إلزامي في الوعي الجمعي، بما يحدّ من حرية الاختيار الاقتصادي للأسر، حتى تلك التي تعيش تحت سقف القدرة المالية المحدودة. وهنا لا يعود المستهلك فاعلًا حرًا بالكامل، بل طرفًا محاصرًا بين منطق السوق ومنطق المجتمع.
هذا الوضع ينعكس مباشرة على التوازن المالي للأسر، خاصة في الطبقات المتوسطة والهشة، حيث يتم اللجوء إلى الاقتراض الاستهلاكي أو إلى أشكال غير مهيكلة من التمويل لتغطية نفقات غير إنتاجية وموسمية. ومهما بدا هذا الخيار حلًا ظرفيًا، فإنه قد يخلق امتدادًا زمنيًا للضغط المالي، يتجاوز لحظة العيد ليؤثر على القدرة اللاحقة للأسر على الوفاء بالتزاماتها الأساسية، من كراء وفواتير وديون أخرى.
ومن هذا المنظور، لا يبدو قرار بعض الأسر بعدم اقتناء الأضحية قرارًا استثنائيًا أو خروجًا عن المألوف، بقدر ما يمكن اعتباره خيارًا اقتصاديًا عقلانيًا في سياق اختلال التوازن بين الدخل المتاح والضغط الاستهلاكي. فالأضحية، في بعدها الشرعي، مرتبطة بالاستطاعة، وليس بالإكراه الاجتماعي أو المالي، وهو ما يعيد طرح سؤال الأولويات داخل تدبير الموارد الأسرية.
غير أن معالجة هذه الإشكالية لا يمكن أن تُختزل في سلوك المستهلك وحده، لأن المشكلة لا تتعلق فقط بالطلب، بل أيضًا ببنية العرض وآليات اشتغال السوق. فحرية الأسعار والمنافسة، رغم كونها مبدأً اقتصاديًا أساسيًا، تحتاج إلى حدودها التنظيمية عندما تتحول بعض الممارسات إلى مصدر لاختلال التوازن، سواء من حيث الشفافية أو العدالة في توزيع القيمة داخل سلسلة الإنتاج.
وعليه، فإن مقاربة هذه الظاهرة تستدعي أكثر من مجرد خطاب أخلاقي حول ترشيد الاستهلاك. إنها تتطلب إعادة التفكير في أدوات ضبط السوق، وتعزيز آليات حماية المستهلك، والحد من الممارسات المضاربية التي تؤثر على استقرار الأسعار، إلى جانب تطوير وعي مالي واجتماعي يساعد الأسر على اتخاذ قرارات اقتصادية أكثر توازنًا. في النهاية، لا تكمن الإشكالية في ارتفاع الأسعار فقط، بل في التحول التدريجي للسوق من فضاء للتبادل الاقتصادي إلى فضاء لإنتاج ضغط اجتماعي ومالي ممتد. وبين مسؤولية المستهلك ومسؤولية السوق، يبقى الهدف الأساسي هو إعادة بناء توازن يسمح بحماية الأسرة من الوقوع في دائرة الهشاشة المالية، ويعيد للاقتصاد وظيفته الطبيعية كآلية للتبادل العادل لا كأداة لإعادة إنتاج الإعسار.
مقال بقلم: مونة الحداد
باحثة في القانون المدني والتحولات الاقتصادية؛ متخصصة في الإعسار.
عين الباحثة | مونة الحداد
يتبع.
Comments 5
شكرا لك، موضوع الساعة بامتياز. بالتوفيق إن شاء الله.
سلام الله عليك و على جميع القراء،
اولا عيدكم مبارك سعيد.
أضحية العيد ليست فرض عند المالكيين.
مع مرور الزمن اصبحت من هوية المسلم، و التخلي عليها صعب. اما ثمنها فلا يتبع توفرها و طلبها فقط ، بل لان تربية الغنم او الاغنام اصبحت ترهق منتجها. و السقف الادنى يرهق الغالبية لان جميع المتطلبات للعيش زاد سقفها الادنى. مثل التعليم، التطبيب، الاكل، . .. كل شيء.
إزالتها تضر “الكساب” اغلبية المنتجين و هم ساكني المناطق الغير المأهلة للعيش و عملهم هو تربية المواشي…
أضن ان هده الاشكالية تتعلق بدواليب الحكومة التي تسير الشان العام. و شكرا
السبب خطة الحكومة الفاشلة.
اشتغلت أستاذة، في مقالك المهم، على أسئلة تمثلت في كيف نوازن بين: حفاظنا على الشعيرة، وحماية أسرنا من الاستنزاف المالي، دون تحويل الدين إلى عبء اجتماعي؟
وهي أسئلة ملحة و تستحق نقاشًا واسعًا، لأنها تمسّ العلاقة بين الدين والاقتصاد والثقافة المجتمعية في آن واحد.
فتحت اذن أبواباكثيرة للنقاش، وليس مجرد موقف عاطفي من غلاء الأسعار. وأظن أن أهم ما يمكن مناقشته فيه هو: هل المشكلة أصلا اقتصادية فقط؟ أم أن الاقتصاد هنا مجرد واجهة لخلل أعمق في علاقتنا بالاستهلاك والمكانة الاجتماعية؟
فحينما ركزت على: اختلالات السوق، والمضاربة، وتعدد الوسطاء،و الضغط المالي على الأسر. فهذا صحيح إلى حد بعيد. لكن يمكن مساءلة جانب آخر أيضا :
هل السوق وحده من يصنع الضغط؟
أم أننا نشارك في إنتاجه حين تتحول “الاستطاعة” إلى “إلزام رمزي”؟
وهنا يصبح السؤال أعمق و أخطر:
لماذا قد تشعر أسرتي محدودة الدخل بالحرج من عدم شراء الأضحية أكثر مما تشعر بالقلق من زعزعزة تخطيط صارم ذي أبعاد سوسيوصحية، بالدخول في دين طويل، مثلا ؟ وكل هذا يكشف أن القيمة الاجتماعية أحيانًا تتغلب على الحساب الاقتصادي.
كما يمكن مناقشة فكرة مهمة ايضا :
هل المقاطعة الفردية أو الامتناع عن الشراء يُعد فعلا اقتصاديا مؤثرا؟ أم أن السوق في المواسم الدينية يمتلك قدرة عالية على إعادة إنتاج الطلب مهما ارتفعت الأسعار بسبب البعد السيكو رمزي؟
أثارني دفاعك ضمنيا عن “العقلانية الاقتصادية”، لكن هل نحن نستهلك دائما بعقلانية؟ الاقتصاد السلوكي اليوم يقول إن قرارات الناس كثيرا ما تبنى على: الخوف، و التقليد الاجتماعي، و الإحساس بالمكانة، و الانتماء، وليس فقط على الدخل والحاجة.
وأخيرا أرى شخصيا أثناء تساؤلي عمن هو المتضرر الحقيقي حين تستعر أسعار الأضاحي ، هل هو المستهلك؟ أم المربي الصغير أيضًا؟ الذي قد يكون بدوره ضحية لسلسلة مشاكل تبدأ بالأعلاف والنقل والوسطاء.. ولا تنتهي. لأن اختزال “السوق” أحيانا في التاجر النهائي فقط قد يخفي تعقيدا أكبر داخل سلسلة القيمة.
اظن انه على جميع الفاعلين السياسيين والدينيين والاجتماعيين التدخل لفك هذا الاعسار . فالفاعل السياسي عليه مسؤولية ضبط إيقاع السوق خاصة في مثل هذه المناسبة الدينية لما لها من أهمية عند المغاربة وذلك بحوكمة هذا القطاع وتحديث آلياته و خفظ نسب الوساطة بين البائع والمشتري وذلك بوضع سعر معقول لكل نوع من انواع الاضاحي والاحتكام الى الميزان مع مراقبة الاختلالات والضرب على أيادي المضاربين والمحتكرين. وعلى الفاعل الديني ان يعمل من جهته على ترسيخ ثقافة التيسير وتزكية وعي المجتمع من خلال استغلال آليات الخطب والمنابر الاعلامية لتوعية الفرد بمسؤوليته في التأثير على السوق من خلال تكييف سلوكه الجمعي وفق ما تقتضيه مصلحته .اما الفاعيلين الاجتماعيين والتربويين فتقع عليهم مسؤولية اعداد الناشئة على ثقافة الحوار والنقد البناء ونشر ثقافة الوعي وعدم الانجرار وراء الأنا والتحرر من وهم الاخر للارتقاء بوعي المجتمع واعادة تحيين منظومته الأخلاقية وفق ضوابط المصلحة الفضلى.