“اوطيل درسة، حينما كانت المدينة تحلم”

كريم جهجاه

“ليست الطرق ما نسلكه، بل ما تتركه فينا”
وسط المدينة، وفي قلب حي الانسانتشي بمعماره الكولونيالي المتميز وقرب السور العتيق وباب التوت، تأخذنا الخطى هذه المرة، فنجد أنفسنا أمام بناية مهجورة، تصطف حولها حاويات الازبال، نرفع اعيننا باستغراب، كأن هناك خطأ ما، ما كان لهذا المكان والصرح المعماري أن يكون على هذه الحالة، فنحن أمام أوطيل درسة، وهل ننسى نحن أهل تطوان اوطيل درسة؟


نتبع أثر الخطى نحو اربعينيات القرن الماضي، حينما كانت تطوان تعيش ذروة تحولها العمراني، خلال المرحلة الفرنكوية من عهد الحماية الإسبانية، في ذلك الزمان ارتفع مبنى أوطيل درسة، لم يكن يشبه الفنادق التقليدية التي عرفها أهل تطوان، كان يشبه نافذة سحرية فتحتها المدينة على عالم آخر، واجهة حديثة، قاعات واسعة، مطعم وبار أمريكي. كان الفندق يحمل روحا جديدة لزمن جديد.


هنا كانت الليالي التطوانية مختلفة، سيارات أوروبية أمام المدخل، موسيقى تنبعث من الداخل، وجوه ولغات متعددة من ضفتي المتوسط، كان صورة لتطوان التي كانت، مدينة متوسطية تجمع الشرق والغرب بروح اندلسية.


تحكى حكايات كثيرة عن الفندق، يقال ان Elizabeth Taylor مرت من هنا سنة 1955 رفقة زوجها Michael Wilding، كما يحكى أن Winston Churchill زاره في إحدى رحلاته، قد لا تكون بعض الحكايات مؤكدة، لكن مجرد تداولها يعطينا فكرة عن مكانة الفندق في الذاكرة التطوانية. مكان أكبر من بناية، وأقرب إلى أسطورة حضرية صغيرة. كان شاهدا على زمن كامل، كانت فيه تطوان برغم هدوئها مفتوحة على العالم، تستقبل زوارها من ديبلوماسيين وفنانين وتجار ونجوم ومشاهير ذلك الزمان، حينما كانت تطوان رمزا للرقي وللحضارة.


ثم تغير كل شيء في تسعينات القرن الماضي، اغلقت الأبواب، خفتت الأنوار، غادر النزلاء ليتحول الفندق الى إلى بناية شاحبة، حطمت النوافذ وسرق الرخام والأثاث، تلك الاروقة التي كانت مملوءة بالضحكات والسهرات تحولت إلى خراب.


تتأمل الفندق الآن، يبدو لك كشيخ متعب يتأمل المدينة وهي تتغير من حوله.
شاخ الفندق وأضرمت فيه نيران الإهمال والنسيان، لكنه لم يمت، لا زال حيا في ذاكرة كل تطوانية وتطواني، لا زال شاهدا على مدينة كانت عاصمة متوسطية أنيقة راقية، فندق درسة أو أوطيل درسة ليس مجرد فندق مهجور، إنه شاهد على زمن كامل، زمن كانت تطوان تحكي نفسها فيه بشكل مختلف، قبل ان تعم الفوضى.


“بعض الأماكن لا تسكن التاريخ فقط، بل تسكن صورتنا عن أنفسنا، وحينما تضيع، نفقد معها شيئا من المدينة التي كانت فينا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist