مَقَامُ الحَنِينْ

عبدالحميد البجوقي

إليكِ يا من جمعتِ في حضنكِ فتنة العاشقة وطمأنينة الأم… كلما تهتُ في العالم، وجدتني أعود إليكِ كأنكِ الأصل وكل ما سواكِ منفى..

إليكِ…

إليكِ أكتبُ هذه الرسالة كما لو أنني أضعها في زجاجةٍ صغيرة، وأتركها عند تخوم الماء على موجة تعرفكِ تحملها إليكِ دون أن تضلّ الطريق.

إليكِ يا من لا أسمّيكِ..

لا خوفًا منكِ، بل خوفًا عليكِ من وضوح الاسم، فالاسم يُضيّق، وأنتِ اتساعٌ لا يُحدّ أويكشف، وأنتِ سرٌّ لا يُقال دفعةً واحدة.

أكتب إليكِ من مكان ما، من منفىً لا يحتاج إلى حدود، من غربةٍ أسكنها أكثر مما تسكُنُني.

أكتبُ إليك وأنا أحاول ـ عبثًا ـ أن أرتّب الحنين كي لا يفيض، لكنه كعادته ، لا يخضع لنظام.

ثم…تنفتح الذاكرة فجأة كما تنفتح نافذةٌ قديمة على ضوءٍ أبيض، فأراكِ.

أراكِ ممدودةً بين ماءٍ لا يهدأ، وجبالٍ تعرف كيف تحتضن دون أن تضيق، جبالٌ تراقبكِ بصمتٍ قديم كأنها تحفظ سركِ منذ البدء، وتخفيه في ثنايا صخرها كي لا يضيع.

هناك.. من هناك..

كان البحرُ أقرب من فكرة، وأبعد من يد، نقف أمامه كأننا نتعلم لغةً لا تُكتب، بل تُحسّ.

وكان المرسى…

ذاك الذي لا يُقال اسمه، حيث كانت تتثاءب السفن وتنطلق القوارب الصغيرة، وترجع محمّلةً لا بما اصطادت فقط، بل بما التقطته من حكاياتٍ عالقة في الزرقة.

والبرج..

واقفًا كشيخٍ لا يشيخ، يَعُدّ العابرين بصبر، ويحرس الزمن كي لا يتسرّب كلّه دفعةً واحدة.

وفي الجهة الأخرى، كان السهل وكانت التلال ترتفع قليلًا…

لا لتُفاخر، بل لتُشير فقط إلى أن الارتفاع يمكن أن يكون هادئًا.

هناك..

حيث يمرّ الطريق بمحاذاة ظلّين قديمين، ظلّ أول يشبه صدرًا واسعًا يحتضن المدينة،

وظلّ ثانٍ أكثر وعورة، كأنه يذكّرها أن الحنان لا يُلغي الصلابة.

كنتُ أمرّ بينهما، ولا أعرف أنني أعبر بين قلبين، قلب يُطمئن، وقلب يعلّمني كيف أقاوم.

في الأزقة…كان الضوء يتسلل بخجل، كأنه زائرٌ صوفيّ يطرق الأبواب دون صوت، ثم يجلس في الزوايا، يُنصت إلى هسيسِ الغرباء.

هناك…

في تلك الزوايا التي لا تحتاج إلى تعريف، كان الصمتُ كثيفًا بما يكفي ليصبح كلامًا، وكانت الأرواح تخلع ثقلها، كما يخلع المسافر معطفه بعد طول سفر.

أذْكُر مجاذيبكِ…

أولئك الذين ساروا خارج الخرائط، لكنهم عرفوا الطريق إلى الداخل.

كانوا يبتسمون لشيءٍ لا نراه، ونضحك نحن، غير مدركين أنهم يرون ما فقدناه.

وأذْكُر البسطاء، أولئك الذين لا يكتبون الروايات، لكنهم يعيشونها يوميًا، بهدوءٍ لا يُلفت الانتباه،

كأن الحياة عندهم فعلٌ لا يحتاج إلى إعلان.

أذكُر حين كانت الأغاني تنبع من داخل الجدران، من جلسةٍ عابرة، من مساءٍ يتكئ على كتف البحر، من حنينٍ لا يُعرف مصدره، لكنه يعرف طريقه إلى الصوت.

كبرتُ…

أو هكذا ظننتُ، وغادرتُ، كما يغادر كثيرون، دون أن ينتبهوا أنهم تركوا شيئًا منهم خلفهم،

لا يُستعاد بسهولة.

في المنفى.. هناك..

تعلمتُ أن الغياب ليس ابتعادًا فقط، بل اختبارٌ خفيّ لما يبقى فينا حين نفقد الأمكنة.

وحين ضاق بي العالم، عدتُ إليكِ…

لا بالجسد، بل بذلك الخيط الخفيّ الذي لا ينقطع.

مشيتُ فيكِ كما كنتُ، لمستُ الجدران، سمعتُ وقع خطواتٍ قديمة، وجلستُ إلى البحر، أنتظر أن يقول لي شيئًا.

وقال…

قال بصوته الذي يُشبهكِ:

“لا شيء يضيع كما تظن، كل ما تركته هنا، ينتظرك دون استعجال.”

فهمتُ حينها…

أنكِ لم تكوني مكانًا فقط، بل طريقةً في الطمأنينة، وحيلةً سرية للنجاة.

لهذا أكتب إليكِ الآن، لا لأستعيدكِ، فأنتِ لا تُستعادين، بل تُعاشين من جديد، وتَلْمَعين كلما أغلق العالم أبوابه.

أكتب إليكِ لأقول:

ما زلتِ هنا، في داخلي كما كُنتِ دائمًا، مدينةً تتخفّى في اسمٍ لا يُقال، وتظهر كلما احتجتُ أن أطمئن.

قد يبدو غريبًا أن أكتب رسالةً إلى مدينة، أن أوجّه هذا البوح كلّه إلى ما يظنّه البعض جمادًا،

لكنني، كلما حاولتُ أن أتعامل معها كحيّزٍ صامت، تفلّتت من هذا التعريف، وانبعثت ككائنٍ حيّ

يتنفس في ذاكرتي، ويتكلم بلغاتٍ لا تُسمع بالأذن.

لم أكتب إليها لأنها مكانٌ مررتُ به، بل لأنها مرّت بي، وتركت في داخلي ما لا يشبه العابر،

وأقامت، كما تُقيم الأشياء التي تختارنا دون استأذان.

أكتب إليها لأنني لم أستطع أن أضعها في خانةٍ واحدة.

ليست مجرد شوارع وأبواب، ولا مجرد بحرٍ وجبال، بل مزيجٌ خفيّ من وجوهٍ وأصوات، ومن صمتٍ طويل، ومن حكاياتٍ لم تكتمل، كأنها فصول لمسرحية لمسرحية لا تنتهي..

هي ليست مكانًا أعبره، بل كائنًا أُصادقه وأشتاق إليه، وأعاتبه حين يطول الغياب.

لم أجد بُدًّا من أن أُخاطبها، أن أهبها هذا الحضور الحميم، حضور الرسالة التي تليق بها.

قد تبدوهذه الرسالة خروجًا عن المألوف، لكنها عودةٌ إلى ما هو أعمق من المألوف،

إلى تلك العلاقة القديمة بين الإنسان ومكانه، حين كان يحدّثه كما يحدّث رفيقًا، ويُصغي إليه كما يُصغي إلى قلبه.

أكتبها لأنني، ببساطة لم أجد طريقةً أخرى أصدق من أن أخاطبها، كما لو كنّا إيجيون وإيميليا في مسرحية “كوميديا الأخطاء” لشكسبير، كما لو كانت تسمعني…وكما لو أنني، في مكانٍ ما، أسمعها تردّ..

ها أنا أصلُ إلى الاسم…

إلى ما ظللتُ أؤجّله كأنّ الإفصاح عنه نهايةُ السحر، أو اكتمالُ الدائرة التي كنتُ أخشى أن تُغلَق.

أقولها الآن… لا بوصفها كشفًا، بل اعترافًا.

أنتِ تطوان… أو تطاوين كما نادتكِ الذاكرة الأولى، أنتِ تلك الحمامة البيضاء التي لم تكن يومًا لقبًا، بل هيئةَ روح تقبع في عشّها بين جبلين، لا لتحتمي بل لتُشرف وتراقب البحر من علٍ، لا كغريبةٍ عنه، بل كمن يعرف سرّه ويمسكه بخيطٍ خفيّ يمتدّ عبر شريان الوادي…

ذاك الذي كان دائمًا طريقكِ إليه، وطريقه إليكِ.

أما ذاك الذي لم أُسمِّه…

مرساكِ، مرتيل… أو مارتين كما نادته هو الآخر الذاكرة الأولى، ذلك الامتداد الهادئ لنبضكِ، حيث تذهبين لتتنفّسي زرقةً أكثر اتساعًا، وحيث يعود البحر إليكِ أقلّ وحشة، وأكثر أُلفة.

الآن فقط أفهم…

لماذا كنتُ كلما حاولتُ أن أراكِ مكانًا، انفلتِّ من التعريف..

لأنكِ لم تكوني جغرافيا، بل حالًا من الصفاء، ولم تكوني مدينةً تُزار، بل مقامًا يُؤوى إليه.

أفهم أنني لم أُغادركِ يومًا، بل خرجتُ من جسدكِ، وبقيتُ في روحكِ، وأن هذا الحنين الذي ظننته ضعفًا، لم يكن إلا خيطًا يشدّني إليكِ كلما أوشكتُ أن أضيع.

لهذا…

لا أكتب خاتمةً، بل أفتح بابًا أخيرًا للاعتراف:

أنا لكِ، كما يكون العابد لمعبده، لا يملكه، ولا يفهم سرّه كلّه، لكنه يعرف في عمقٍ لا يُفسَّر، أن الطمأنينة تبدأ من عتبته… وتنتهي عند اسمه.

…وأدخلُ عتبتكِ هذه المرّة لا كعابرٍ يعرف الطريق، بل كمن عَبَرَ الطريقُ منه.

أخطو…

لكن الخطوة لا تُسمع، كأن الأرضَ تعرّفت عليّ قبل أن ألمسها، فاحتوتني دون أثر.

أمشي فيكِ، أم تمشين فيّ؟

لا يعود الفرق واضحًا، حين تبدأ الحدود بالذوبان كما يذوب الملح في ماءٍ يعرفه.

أصيرُ زقاقًا ضيّقًا يلتفّ على نفسه، وأصيرُ نافذةً نصف مفتوحة، يمرّ منها ضوءٌ يعرف أين يستقر.

أقِفُ كباب عتيقٍ، لا يُغلق تمامًا، لأن في داخله شيئًا ينتظر.

أعودُ إلى ذلك الصمت الذي كنتُ أسمعه…

لكنني الآن لا أسمعه، بل أنطق به.

في الساحة، حيث كانت الخطوات تتقاطع دون أن تلتقي، أجدني موزّعًا على وجوهٍ لا أعرفها،

في ضحكة طفلٍ يركض، في يد شيخٍ ترتعش وهو يعدّ حبات سَبْحته..

في امرأةٍ تُصلح منديل رأسها على عجل، كأنها تُرتّب ذاكرةً لا تُرى.

لم أعد أراقب… بل أُرى.

وفي البحر…

لا أجلس إليه هذه المرّة، بل يمتدّ فيّ.

موجُ البحرِ لا يعلو الآن ، لكنه لا يهدأ، زرقتُهُ لا تُرى بالعين، بل تُحسّ في العمق، كأن شيئًا في صدري صار أوسع مما يحتمل، وأهدأ مما يُقال.

أفهم الآن…

لماذا كان صوتكِ يشبه النداء دون أن يدعو، ولماذا كنتُ أعود دون أن أقرّر العودة.

لأنني لم أكن أجيء إليكِ… كنتُ أستعيدني منكِ.

في الأزقة التي كانت تضيق، تتّسع خطواتي، وفي الجدران التي كانت صامتة، يتكاثر الهمس.

ألمس الحجر…فيلمسني.

أمرّ بجانب الظلّين القديمين…الحارسين الشامخين..

لا أعبر بينهما، بل يعبران فيّ، كأنهما توأمي مسرحية شكسبير، أحدهما يُعلّمني السكينة،

والآخر يوقظ فيّ ما لا ينام.

حتى المجاذيب…

أفهمهم الآن دون أن أنظر إليهم، كأن ابتسامتهم القديمة انتقلت إليّ، وأصبحتُ أرى ما كانوا يرونه…

لا بعينٍ جديدة، بل بعينٍ كانت محجوبة الرؤية..

وفي الليل…حين تهدأ الأشياء إلى حدّ الاختفاء، لا يبقى سوى ما لا يُرى..

هناك… أكونكِ أكثر.

لا كاسمٍ ولا كصورة، بل كحالةٍ تمتدّ بلا حدود، كطمأنينةٍ لا تحتاج سببًا، وكحضورٍ لا يحتاج دليلًا.

أذوب… لكن لا أفنى.

أغيب… لكن لا أنقطع.

كأنني نقطةٌ عادت إلى وعائها، لا لتختفي بل لتعرف أخيرًا أنها لم تكن مُنفصلة.

وهكذا…

حين يسألني الغياب عنكِ، لا أجيبه، لأن السؤال نفسه يُصبح غريبًا.

كيف أشتاق إلى من تسكنني؟

كيف أعود إلى ما لم أخرج منها؟

أفتح عيني… فأراكِ.

أغمضها…فأراكِ أكثر.

وكلما حاول العالم أن يُعيدني إليه، أبتسم، لا لأنني نجوت، بل لأنني لم أعد أحتاج النجاة.

لأنني… ببساطة، صرتُ أنتِ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist