حبر نسائي
في الحقول البعيدة حيث تطبع الشمس قبلاتها الحارقة على الجباه في المصانع والمعامل، في كواليس الاقتصاد غير المهيكل، وحتى داخل المنازل المغلقة حيث تستنزف الأجساد في أعمال الرعاية والتربية والتدبير اليومي. هناك محرك صامت لا يتوقف عن ضخ الحياة في شرايين المجتمع: إنه جهد النساء، عرق النساء، طاقة النساء، وحلم النساء، حياتهن ومستقبلهن الموقوف بقرار غيابي!
ومع ذلك، حين نأتي لتوزيع الثروة وتدبير الممتلكات والاعتراف المالي والوصول إلى مراكز القرار الاقتصادي، يتراجع وجه المرأة إلى الظل وتتقدم يد السيطرة الذكورية لتستأثر بالأصل والملكية والتحكم. في مجتمعاتنا الفقر ليس مجرد أرقام جافة في تقارير المؤسسات الفقر حدد له جنس.. إنه “مؤنث”.
تأنيث الفقر لا يعني فقط أن النساء أقل دخلا بل يعني وجود منظومة مركبة صممت بقوة العرف وقصور القوانين لتجعل المرأة تبذل الجهد الأكبر وتملك الأثر الأقل. يطلب من المرأة أن تضحي وأن تساهم ماديا في بناء بيت الزوجية أن تتنازل عن طموحها المهني أحيانا باسم “الاستقرار الأسري”.ولكن حين تهب عواصف الطلاق، أو التفكك، أو الفقد، تطالب هذه الصانعة للثروة مجتمعيا بأن تخرج كما دخلت أول مرة: حافية الأيدي بلا غطاء بلا أمان وبلا اعتراف بجداول عرقها وسنوات عمرها لأن ما يمضي من العمر لا يسجل في قائمة رأس مال المجتمع!
إن هذه السيطرة الاقتصادية الذكورية ليست قدرا طبيعيا بل هي آلية إخضاع ممنهجة. ثقافة اجتماعية ترى في عمر المرأةو مالها وعملها مستباحا باسم “المودة والمساهمة” ثقافة وأعراف تغلق عيونها عن حمايتها وضمان حقوقها باسم “القوامة والخصوصية”.
والمفارقة المؤلمة أن هذا الحرمان يجد سندا له في فراغات قانونية لم تحسم بعد بشكل منصف وعادل، آليات اقتسام الثروة المشتركة (كما هو حال النقاش المستمر حول تفعيل مقتضيات الكد والسعاية وتدبير الأموال المكتسبة أثناء الزوجية). غياب هذه الضمانات القانونية المرنة يحول التبعية المادية للنساء إلى حجر أساس يبنى عليه العنف النفسي، الجسدي، والمادي. فكم من امرأة تتجرع المر والانتهاك يوميا خلف الأبواب المغلقة فقط لأنها لا تملك ثمن البديل، ولأن خروجها يعني مواجهة الفقر والشارع.
متى نكف عن اعتبار تمكين النساء المادي مجرد شعار للتنمية أو ترفا حقوقيا؟ استقلال النساء المادي هو شرط الكرامة الإنسانية الأول، وهو الحصن الحقيقي الذي يحمي بقية الحقوق والحريات من المصادرة.
وإذا كانت القوانين والأعراف تسهم في هذا الإقصاء الاقتصادي، فإن الخطاب العمومي والمؤسساتي المأزوم يعمق الجرح. وليس ببعيد عنا ما شهدته الساحة الترابية مؤخرا بجهة الشمال من تصريحات تمييزية تسيء لكرامة النساء، صدرت عن جهات منتخبة تضعنا مرة أخرى أمام واقع أخلاقيات الخطاب العمومي. إن العنف اللفظي والرمزي في الفضاء السياسي هو الوجه الآخر للتمكين المبتور والسيطرة الاقتصادية الصامتة.
في “حبر نسائي” نكتب اليوم لنفكك خيوط هذه السيطرة ولنقول إن كرامة النساء لا تتجزأ تبدأ من حماية عرقها وجهدها وتمر عبر تطهير الخطاب السياسي من التمييز والتبخيس. ولأن هذا التداخل بين التهميش الاقتصادي والإقصاء السياسي يستحق وقفة أعمق، سيكون لـ “حبر نسائي” كلمة قريبة وتفكيك خاص لمضامين أوجه العنف السياسي ضد النساء في مجتمعنا الذي تقوده عقلية تمييزية رغم الخطابات والشعارات المنمقة سياسيا .
لذلك في حبر نسائي نكتب الحقيقة… حتى لا تبقى الرواية ناقصة.
“حبر نسائي” حكايات وأسئلة لم تكتب بعد وما زال للحبر كلام.
ما يكتب هنا ليس نهاية الحكاية بل أول أثر للحبر…