تقديم
يعتبر هذا النص جزءا من كتاب “توسعنا الاستعماري في أفريقيا من 1870 إلى يومنا هذا” لبول غافاريل (1918)، وتحديدا الفصل الثالث منه والمعنون في الكتاب بـ”الحماية الفرنسية في المغرب”. عموما يستحيل فهم كتاب “توسّعنا الاستعماري في أفريقيا” دون استيعاب الشخصية الفكرية والسياسية لمؤلفه بول غافاريل. فهو ليس مجرد مؤرخ أكاديمي بالمعنى المتعارف عليه، بل هو نموذج بالغ الدلالة لما يمكن تسميته بـ”المثقف العضوي الاستعماري”، وكمؤرخ خرّيج المدرسة العليا للأساتذة بباريس، وعضو في جمعية الجغرافيا، ومدافع متحمس عن مبدأ التوسع الاستعماري في المنابر السياسية والأكاديمية على حد سواء. وقد وصفه معاصروه بأن أيديولوجيته السياسية تجمع بين “الجمهورية ومناهضة الملكية والاستعمارية ومعاداة حقوق العمال”، وهو توصيف يكشف عن التوترات الداخلية في الفكر الجمهوري الفرنسي في مرحلة توسعه الإمبريالي.
يستعرض هذا النص تاريخ العلاقات الفرنسية-المغربية على مدى قرون، من علاقات تجارية في القرن الثاني عشر إلى فرض الحماية الكاملة مطلع القرن العشرين. بدأت الصلات بين فرنسا والمغرب منذ العصور الوسطى عبر التبادل التجاري، وتوطّدت تدريجياً بمعاهدات وبعثات دبلوماسية، أبرزها بعثة بيير دو بيتون عام 1531 التي أرست أول تواصل رسمي بين البلاطين. غير أن الحروب والقرصنة والتنافسات الأوروبية أعاقت استمرار هذه العلاقة وجعلتها متقطعة ومتقلبة بين الانجذاب والنفور.
شكّل احتلال الجزائر عام 1830 منعطفا حاسما أشعل فتيل ما بات يُعرف في الأدبيات الدبلوماسية بـ”المسألة المغربية”، إذ أصبح المغرب جاراً مباشرا لفرنسا، مما أوجد توترات متصاعدة أفضت إلى حرب 1844 وما أعقبها من معاهدات إشكالية، لا سيما معاهدة 1845 التي أثارت نزاعات حدودية مستمرة حول مناطق كفجيج وما جاورها من أقاليم التوات، التي ظلت بؤرة مقاومة ومركزاً للتحريض ضد الوجود الفرنسي لعقود طويلة. وقد بلغت المسألة المغربية ذروتها على الصعيد الدولي مع مطلع القرن العشرين، إذ تحوّل المغرب إلى ساحة تنافس مكشوف بين القوى الكبرى: إسبانيا تطالب بحقوق تاريخية، وإنجلترا تعارض أي توسع فرنسي، وإيطاليا تسعى للانتقام من إخفاقها في تونس، وألمانيا تهدد بالتدخل العسكري كما جلت أزمة أكادير 1911. فعبر مفاوضات محكمة أبرمت فرنسا اتفاقيات مع هذه القوى: تنازلت لإنجلترا عن مصر مقابل الاعتراف بنفوذها في المغرب عام 1904، وحدّدت مع إسبانيا مناطق النفوذ، بينما دفعت لألمانيا ثمناً استعماريا باهظا في الكونغو لحسم المسألة نهائياً. وعلى الأرض، جاء تعيين الجنرال ليوطي مقيما عاما عام 1912 بالمغرب ليسدل الستار على “المسألة المغربية” بمعناها الدولي، ويوحد القيادة ويرسّخ الحضور الفرنسي رغم مقاومة القبائل وانتفاضة فاس. وبسلسلة من العمليات العسكرية امتدت حتى سوس جنوباً وتازة شرقا، تحكّمت فرنسا تدريجيا في معظم التراب المغربي، ليختم الكاتب نصه بنبرة تفاؤلية معلنا أن المغرب بات “جوهرة التاج الاستعماري الفرنسي”.
الحلقة الثانية
************
II – معاهدة عام 1845
في عهد الجمهورية الأولى لا شيء يستحق الذكر. وفي عهد الإمبراطورية أضرّت معركة ترافالغارBataille de Trafalgar [1]بموقفنا. وفي عام 1807 جاء وفد مغربي ليُحَيي نابليون الأول في سان كلو Saint-Cloud ، غير أن الكابتن بوريل حين أرسله لاستمالة المغرب إلى تحالف ضد إنجلترا لم تُسفر البعثة عن شيء.
وفي عامي 1824 و1827 جدّدت اتفاقيتان جديدتان معاهدة 1767. وكان في عام 1830، بعد احتلال الجزائر حين أصبحنا الجيران المباشرين للمغرب، أن اتخذت علاقاتنا طابعاً مختلفاً فوراً. إذ ساورَ الأشراف الريبُ من نجاحاتنا وحرّضهم خصوم غير أمناء، فضلاً عن تعصّب رعاياهم وأتباعهم الخائفين من هؤلاء المحاربين المكسوين بالأحمر الذين بشّرت بهم نبوءات قديمة، فلم يعودوا يُخفون عدائهم. ظل توجههم دهراً القائمَ على مقاومة توسع القوى الأوروبية، وقد نجحوا في ذلك بإيقاع بعضهم ببعض ولا سيما باستخدام أساليب التسويف وإرضائهم بمجاملات شكلية، أي باختصار استنزاف صبرهم. وكان على وصول الفرنسيين أن يُغيّر هذا الأسلوب حتماً.
حاول الشريف الحاكم عبد الرحمن[2] في البداية الاستفادة من الظروف لتثبيت سلطته على تلمسان، فأرسل عملاء حتى إلى المدية والمليانة لنشر هيمنته بين القبائل الجزائرية، لكن محاولاته باءت بالفشل. فانتهى إلى الانضمام ضمنياً إلى كل انتفاضة ضدنا، وحين لجأ أشد خصومنا عبد القادر – بعد أن هزمناه – إلى المغرب، انحاز عبد الرحمن إلى جانبه علناً وأعلن علينا الحرب عام 1844 [3] . وهذه الحرب، وما أعقبها من انتصارات خاطفة لجنودنا بقيادة بوغو، ومعركة إيسلي، والعمليات البحرية للأمير دو جوانفيل prince de Joinville على الساحل – لسنا بصدد سردها هنا؛ يكفينا أن نذكر أن سلاماً متسرعاً أنهاها وأن معاهدة لم تُحكم بنودها بما يكفي وضعت حداً للنزاع.
نصّت المادة الرابعة من تلك المعاهدة على أن للإمبراطوريتين حرية ممارسة حقوقهما الكاملة على رعاياهما المعنيين في الصحراء، وأنه إذا اضطر أحد الطرفين إلى التحرك ضد رعاياه حين يكونون مختلطين برعايا الطرف الآخر، فله أن يتصرف كيفما شاء مع احترام رعايا الحكومة الأخرى. كان ذلك فتح الباب على مصراعيه أمام كل أنواع التعدي والمهاترات وإرساء حالة دائمة من الحرب. وكان هذا النص العجيب في الواقع متعذر التطبيق من اليوم الذي يدخل فيه الفرنسيون إلى الأراضي المغربية. واعتدنا منذ ذلك الحين على إغراق شريف المغرب بمطالبنا، وكان يقبل في نهاية المطاف بدفع التعويضات لكنه بذلك كرّس سلطة هشة ظلت حتى تلك اللحظة صورية على قبائل الحدود. وفي واقع الأمر، كنا نصنع أسلحةً ضد أنفسنا، ونضع عقباتٍ صار من الصعب تجاوزها لاحقاً.
كان قادتنا المكلّفون بضمان النظام في إقليم وهران يتوقون إلى تحديد حدود ثابتة وتوزيع القبائل توزيعاً نهائياً؛ لكن هل كان بالمستطاع رسم خط فاصل دقيق في هذه الأراضي الشاسعة والاصطدام باعراف وتقاليد تعود الى قرون مضت وعادات يرتكز جلّها على الطبيعة الفطرية أو البيئة الجغرافية والاجتماعية نفسها؟ وثمة أمر آخر: أفي ترسيم حدود ما ألا نتخلى عن حق التعقب، أي إمكانية ملاحقة المتمردين الى داخل المغرب؟ وهو بالفعل ما لم نتردد في فعله حين تحرك الجنرال دو مارتانبري de Martimprey عام 1859 ضد بني يزناسن. وبعد انتصاره في عين تافوغالت (27 أكتوبر) دُعي الجنرال من وزير الحرب راندون Randon إلى توسيع الحدود الفرنسية إذا رأى ضرورة لذلك حتى الملوية. فأجاب بالرفض. كانت فرصة ضائعة. كان المغرب يتخبط آنذاك في غموض عهد جديد، إذ حلّ سيدي محمد محل عبد الرحمن[4]، وكانت إسبانيا قد أعلنت عليه الحرب. لم يكن علينا إلا مد اليد لوضع حد لمصلحتنا لهذا الجدال الشائك والخطير للحدود. غير أن كل شيء بات مطلوباً أن يبدأ من الصفر.
لم يكن الدافع وراء دفعنا للأمام شرهاً لا يُشبع، بل كانت ضرورة ملحّة. فمستقبل ممتلكاتنا في شمال أفريقيا كان رهيناً بالمغرب. لم يكن في وسعنا أن ندع الجزائر رهينة عدوان مغربي محتمل، وإذا وقع المغرب في يد قوة تُحرّض على فرنسا العالم الإسلامي بات وضعنا في الجزائر في خطر. كان لزاماً علينا إذن إما أن نتوسع على حساب جارنا المضطرب ونمنع أي تدخل أوروبي، وإما أن نُذعن للعمليات المتواترة للشرطة على الحدود. وهو ما حدث عام 1870 حين اضطر الجنرال دو فانبفن Wimpfen ، بعد إرغام أولاد سيدي الشيخ المتمردين على التراجع، إلى ملاحقة القبائل المغربية التي كانت تساندهم – بني كيل وأولاد الجريد و ذوي منيع – داخل الأراضي المغربية.
غادر الفيلق الاستكشافي في التاسع والعشرين من مارس منطلقاً من عين بركه جنوب الشطوط؛ ودخل في الأول من أبريل إلى المغرب، وفي الثالث عشر من الشهر وبعد سير شاق وصل إلى هضبة البهانات أمام وادي غير، فوجد بانتظاره جيشاً حقيقياً يبلغ نحو ثمانية آلاف رجل متحصنين خلف قنوات للري. وكانوا على يقين تام بالنصر حتى إنهم نصحوا وانبفن بالفرار على الفور. وفي الخامس عشر عُبر وادي غير خوضاً، وعلى الرغم من مقاومة قبيلة “ذوي منيع” [5]Doui-Menia تمكن جيش الزواف[6] Zouaves بقيادة شنزي ودو كولومب من اقتحام المواقع. وأسرع الفيلق المنتصر نحو الشمال لمعاقبة بني كيل المتحصنين في واحتهم بعين الشعير فدُحروا واضطروا إلى طلب الأمان والتعهد بعدم مساعدة الصحراويين الخاضعين لسلطتنا.
III – مسألة فجيج
شيئاً فشيئاً، ولا سيما في تلك المنطقة الحدودية التي تتجاذبها القوتان المجاورتان، تكاثرت الحوادث خاصة بعد الحرب المشؤومة عام 1870. فتواصلت الغارات والاختراقات، ولم يتردد جنودنا في ملاحقة المتمردين حتى عمق الأراضي المغربية. وكانت الخطورة الكبرى لهذا الغموض أن القبائل المغربية، مرعوبة من جوارنا، لاذت بالشريف الذي لم تكن سلطته حتى ذلك الحين سوى اسم. فكلما تقدمنا جنوباً أبدى سكان الواحات مزيداً من الخضوع للسيد الذي اتخذوا منه ملجأً للفكاك من قبضة فرنسا. وكانت واحة فجيج البؤرة الأشد حدة في هذه المقاومة. تقع فجيج عند ملتقى أهم ممرات جبل عمور، قريباً من وادَي سوسفانة وساورة، عند تقاطع طرق الجنوب والغرب. إنها كأنها حصن يرابط على خاصرة وهران. لذا كان الساخطون والمتمردون وأتباع الزوايا الدينية – أعتى خصومنا وأخطرهم – يبحثون عن ملجأ في فجيج. وكانت مركزاً حقيقياً لنشر الدعاية المضادة للمسيحية والكراهية لفرنسا. وكان قادتنا ومن بين حكام الجزائر من كانوا يدركون الخطر قد اقترحوا شنّ حملة على الواحة، لكن أي طلقة تنطلق في هذا الاتجاه كانت تجد صداها أوروبياً. فسفارتا إسبانيا وإنجلترا كانتا تحتجّان مسبقاً على أي ضم محتمل، وكان ضباطنا مُلزمين بالحذر التام.
عام 1882، في أعقاب انتفاضة بوعمامة، اقترح الجنرال سوسييه والحاكم تيرمان مجدداً على الحكومة الاستيلاء على فجيج إدراكاً منهما لضرورة توجيه ضربة حاسمة، غير أن الخشية من تعقيدات دبلوماسية حالت دون ذلك، وظلت الواحة مستمرة في دورها كقاعدة عسكرية وملجأ لجميع أعدائنا. في أحسن الأحوال حاولنا شلّ فاعليتها بإنشاء عدد من المراكز في جبل عمور، وبالدفع جنوباً بالخط الحديدي الذي بلغ عين الصفراء. غير أننا لم نملك ما يُمكن تسميته بشجاعة قناعتنا، إذ هُجر المركز المحصن في جنيان بورزق الذي أنشأه عام 1885 الجنرال دو ليبيك لاحتواء غزوات فجيج، وذلك استجابةً لطلب الشريف، ولم يُعَد بناء حصن جديد إلا عام 1888. أما الخط الحديدي فقد مضت أعمال إنشائه بتمهل شديد حتى إن خط عين الصفراء – جنيان بو رزق الذي بدأت أعماله عام 1892 لم يكتمل إلا عام 1900. ثمانية أعوام لإنجاز ثمانية وثمانين كيلومتراً من السكة الحديدية!…
خلاصة القول أن فرنسا كانت حتى ذلك الحين تُردّ دائماً على أعقابها من قِبَل أهل فجيج. فمن 1845 إلى 1900 لم نتقدم خطوة واحدة. لم ننل سوى نتيجة واحدة: ألا نفتح المسألة المغربية قبل أوانها ولا نستثير انتقامات كانت يمكن أن تتخذ ذريعة لتدخل أجنبي. وكانت أيدينا إذن حرة، لكن الساعة كانت تقترب لاستبدال المفاوضات بالأفعال، والضعف الظاهر باحتجاجات حازمة. ولعلنا أخطأنا بالاكتفاء بضمانات مبهمة بالصداقة. الصداقة والتعاون مع البلاط المغربي جيد، لكن دون إغفال النشاط المتحكم الذي يجب أن يكون نتيجة طبيعية لذلك. وكان هذا النهج الرصين قد تعرض لانتهاكات جسيمة كثيرة: لقد حان وقت تعديله.
IV – سياسة الوحدة
في العشرين من يوليو 1901 وُقّعت في باريس على يد سفيرين مغربيَّين – عبد الكريم والكبّاص[7] – معاهدة تُكمّل معاهدة 1845 وتُصادق عليها. وأسندت إلى فرنسا مهمة حفظ النظام في الأراضي الواقعة بين وادي الغير ووادي سوسفانة. وأصبح أولاد المنيا وأولاد الجريد من رعايانا. وستعقد لجنة مشتركة في عين المكان لتسوية النزاعات وحوادث الحدود. وحُفظ حق التعقب المتبادل المنصوص عليه في اتفاقيات 1845، أي بقينا نحتفظ بحق ملاحقة النهابين والمتمردين حتى داخل المغرب ومعاقبتهم. وكانت هذه المعاهدة ستُمثّل مرحلة جديدة في تاريخ علاقاتنا بالمغرب.
شرعت اللجنة المشتركة في عملها فوراً. كانت تقودها من الجانب الفرنسي قيادة الجنرال كوشميز ومن الجانب المغربي الكبّاص. وفي العاشر من أبريل 1902، بحراسة مهيبة فرنسية-مغربية مشتركة، دخلت واحات فجيج وقوبلت بحسن استقبال. وأُنجزت تحت أعينها أشغال الخط الحديدي والتلغرافي من دوفييريه Duveyrier [8] إلى بني ونيف، وجرى تنصيب قائد مغربي. وفي الخامس من مارس انطلق المفوضون نحو بشار وكنادسة، غير أن سكان هذين القصور، حين طُلب إليهم الاختيار بين فرنسا والمغرب، أعلنوا رغبتهم في البقاء مستقلين. وكان ذلك إخفاقاً، فسارع معارضو اللجنة إلى الإعلان أن عملها صار مهدداً، كأن الأمر كان ممكناً من أول وهلة انتزاع خضوع قبائل شديدة التعلق باستقلالها والقضاء تدريجياً على كل أعمال النهب في منطقة شاسعة يسكنها لاجئون ومجهولوا النسب.
الأهم كان ضمان نتائج معاهدة باريس. فوُقّعت حينئذٍ وثائق دبلوماسية جديدة في الجزائر (20 أبريل 1903) تُرسي برنامجاً للتعاون الاقتصادي بين فرنسا والمغرب. وكان مقرراً أن يُقدّم الحكومتان لبعضيهما العون ضد المتمردين، وأن تُنشأ مراكز حراسة دائمة وأسواق على جانبَي الحدود، وأن تُحدد اتفاقية تجارية الرسوم المستحقة لصالح البلدين. وهكذا أصبحنا دون انتهاك للمعاهدات السابقة أسياد المنطقة بأسرها الواقعة بين الملوية ووادي الغير، وانفتح المغرب أمام اختراقنا السلمي.
لكن الأمر كان يستدعي ترجمة هذه المكاسب إلى واقع، وهنا بدأت الصعوبات. إذ أثار سكان المنطقة الحدودية متاعب. فلم يستسيغوا فكرة الخضوع لسلطة سواء كانت فرنسية أو مغربية. وسرعان ما أصبح الوضع لا يُطاق: رفض طاعة وهجمات متزايدة على امتداد الحدود وتعنّت جلي. لذا اصبح القمع أمراً لا مفر منه. فقُرر إرسال فيلقين: أحدهما إلى بشار والآخر إلى بني سمير، وبهدف القيام بضربة قاصمة ،ان قصف زناكة أكبر واحات فجيج التي كانت تعتبر قلعة الصحراء المنيعة والتي لا تُقهر. وأراد جونار Jonnart حاكم الجزائر، وأوكونور O’Connor الجنرال القائد العسكري في وهران أن يستطلعا الوضع بأنفسيهما. فانطلقا بحراسة نحو ثلاثين من رجال الصباهي [9] لاستكشاف مداخل الواحة. فاغتنم أهل زناقة الفرصة وشنوا عليهم هجوماً غادراً. وما أن أشرق صباح الثامن من يونيو 1903 حتى انهمرت قذائف مُدمِّرة على المدينة العاصية. وأمطرت على أسوارها القديمة وبات الفرار المذعور وحده مصير السكان. وأحدث هذا القصف وقعاً بالغاً في فرنسا والجزائر، ولا سيما أن انتصارات جديدة أُعلنت قريباً.
وفي التاسع عشر من يونيو غادر العقيد دو إيه d’Eu بني ونيف متجهاً إلى بشار، وزار كنادسة اجتاحت القوات الفرنسية مركز “بو معير” عُنْوَةً وبقوة السلاح، مكرسةً بذلك هيبة النفوذ الفرنسي (السطوة الفرنسية) في سائر الفجاج والمناطق الواقعة بين وادي غِير ووادي زوزفانة. وفي الوقت ذاته جاب العقيد بيرون Pierron منطلقاً من المشرية عبر جبال بني سمير وطهّر المنطقة الممتدة بين المشرية وفجيج من المتمردين. غير أن اللعبة لم تكن قد حُسمت بعد، وأفاد البلاغ الرسمي بحكمة وهو يُعلن النصر أن غارات منفردة قد تتجدد على هذه الحدود الشاسعة. وبالفعل ففي العاشر من يونيو اقتيد قطيع على بوابات زناكة ذاتها وقُتل الراعي. وفي يوليو حاول أولاد الجريد تدمير السكة الحديدية في حجرات المغيل. وفي السادس عشر من يوليو شنّت فرقة من البرابر هجوماً على قافلة. وفي التاسع عشر من أغسطس انقضّت فرقة harka أخرى على موقع تاغيت الذي أنقذه بصعوبة صمود النقيب دو سوسبيل Susbielle de الباسل. وفي الثاني من سبتمبر أُوقع بمركز المنقار مباغتةً وقُتل ضابطان وعدد كبير من الجنود. والحق أن البلاد كانت مشتعلة برمّتها، ومما زاد الوضع تعقيداً أن أوروبا بدأت تقلق، وأن أربع قوى – إنجلترا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا – ترفع مطالب غير متوقعة وتتأهب للتدخل عند الاقتضاء.
V – التدخل الأوروبي
من بين هذه القوى كانت ثمة واحدة تمتلك حقوقاً فعلية هي إسبانيا. فهي الجارة المباشرة للمغرب وقد حاولت غير مرة فتحه، وكانت تملك فيه بالفعل مواقع محاصرة: سبتة، ومليلية، والحسيمة، حجرة بادس Penon de Yelez والجزر الجعفرية، التي كان يمكن اعتبارها حجارة الأساس لسيطرة مستقبلية. فلم تكن إذن لتتابع تقدم فرنسا في المغرب الذي اعتادت النظر إليه كامتداد إقليمي مستقبلي لها إلا بضيق، وأعلنت أنه في حال احتلال فرنسي فإنها لن تُقصى من الاقتسام.
أما إنجلترا فكانت أسبابها للريبة مختلفة. فقد كان من مبادئ السياسة البريطانية الراسخة معارضة أي توسع استعماري فرنسي. وبصعوبة بالغة كان ديوان سانت جيمس (السلطة التنفيذية في بريطانيا) cabinet de Saint-James قد قبل احتلالنا للجزائر. وتذرعاً بمصالح اقتصادية تستوجب الصون، أعلنت عزمها حماية المغرب من الجميع، وكان عملاؤها البارعون المثابرون يرصدون أدنى خطواتنا.
كانت إيطاليا تسعى إلى الانتشار في أفريقيا وترى في المغرب فرصة ثمينة للنيل. ولم تنسَ فضلاً عن ذلك خيبتها في تونس وكانت تأمل في إيجاد فرصة للانتقام. أما ألمانيا فكانت تنتهج سياستها في التوسع الاستعماري أو بالأحرى التجاري الرامية إلى بثّ مواطنيها في أرجاء العالم وإيجاد أسواق لمنتجاتها الصناعية. والمغرب كان أرضاً بكراً تقريباً حيث لم يكن عليها إلا اتخاذ موطئ قدم لتكوين عملاء موثوقين. لذا كانت تخشى المنافسة الفرنسية المحتملة.
وجدت فرنسا نفسها بين مطرقة مطالب إنجلترا وتحيزات إسبانيا وأحقاد إيطاليا ومنافسات ألمانيا الاقتصادية من جهة، وضرورة الاستمرار في سياسة التفاهم والوحدة مع البلاط الشريف من جهة أخرى. وكان دورها بالغ الدقة. غير أنها نجحت في الخروج بشرفها من موقف يبدو متشعباً لا حل له. كان الأمر أولاً يقتضي، لتحرير الساحة، إبعاد القوى التي كان بإمكانها عرقلة تحركنا المباشر أو بالأحرى تحييدها. ففتحت مفاوضات ماهرة أتاحت لنا تسويات مجدية مع إنجلترا وإسبانيا.
كانت إنجلترا تفكر آنذاك في بسط يدها على مصر حيث كانت لنا حقوق ومصالح. وحتى لا تُعرقَل في مساعيها كانت مستعدة للتخلي عن المغرب. فباتفاقية التاسع من أبريل 1904 اعترفت بأن فرنسا “بوصفها قوة مجاورة للمغرب على امتداد واسع معنية بضمان الأمن في هذا البلد وتقديم العون له في شتى الإصلاحات الإدارية والمالية والعسكرية التي يحتاجها”. فضلاً عن ذلك ضُمن مبدأ حرية التجارة، وضماناً لحرية المرور في مضيق جبل طارق نصّ الاتفاق على ألا تُقام أي منشآت عسكرية على الساحل المغربي. وفي المقابل تركنا إنجلترا حرة للتصرف كما تشاء في مصر. كان الأمر يشبه تبادلاً للحقوق والطموحات: تنازلنا عن مصر لكن حمايتنا على المغرب باتت مقبولة سلفاً.
وفي أعقاب الاتفاق الأنجلو- فرنسي مباشرة، وقّعت إسبانيا في الثالث من أكتوبر 1904 اتفاقية ثانية أكدتها معاهدات سرية في الأول من سبتمبر 1905 والثالث والعشرين من فبراير 1907، حدّدت بموجبها القوتان مناطق نفوذهما المحتملة وفق أسس كانت ستُشكّل الإطار لاقتسام لاحق، وتوافقتا على مراقبة الموانئ وقمع التهريب والجمارك والعملة والأشغال العامة التي ستُنجز بالتنسيق. وكانت بذلك حريتنا في التصرف محفوظة. وإيطاليا من جهتها أعلنت منذ عام 1903 أنها تتخلى عن أي مطالبة أو تدخل في المغرب شرط أن تتركها فرنسا حرة في تحركاتها تجاه طرابلس التي كانت تتوق إلى امتلاكها.
وفيما يتعلق بألمانيا، فقد كانت في بادئ الأمر قد أبدت تأييدها للاتفاقيات المُبرمة، بل اعترفت بأن مهمة فرنسا في إرساء النظام بالمغرب لا يمكن إلا أن تخدم مصالحها التجارية. لكن منذ عام 1905 راح القائم بأعمال ألمانيا في طنجة يشكو من أن بلاده استُبعدت بصورة ممنهجة، وأنها “لا تعتبر نفسها ملزمة بأي شيء فيما يخص هذه القضية”. وبعد أيام قليلة، في الحادي والثلاثين من مارس 1905، في واحدة من إيماءاته المسرحية المعهودة، نزل الإمبراطور غيوم إلى البر في طنجة، وأعلن بعد كلمات ذات مغزى عن المنافسة الحرة بين جميع الأمم، إصراره على التفاوض مباشرة مع الشريف (السلطان) في مصالح مواطنيه. وطالب في الوقت ذاته بعقد مؤتمر دولي للبث في جميع نقاط الخلاف. وقبلت الحكومة الفرنسية روح التوافق هذا المؤتمر، لكن بعد مفاوضات أسفرت عن إعلان ممثل ألمانيا أنه “لا يسعى إلى أي هدف يمسّ المصالح المشروعة لفرنسا في المغرب أو يتعارض مع حقوقها النابعة من معاهداتها أو ترتيباتها”.
انعقد المؤتمر في الجزيرة الخضراء. ولم يُسفر عن النتائج التي ربما كانت ألمانيا ترجوها وتأمل فيها، إذ خرجت حقوقنا ومصالحنا سليمة. ظل مبدأ الحرية التجارية دون تمييز مُقرَّراً، لكن تقدمنا على الحدود بقي خارج أي نقاش أو مراجعة. وأُوكل إلينا وإلى إسبانيا منفردَين دور بارز في تأسيس بنك الدولة، كما خُوّلنا دون سواهما مساعدة الشريف على تنظيم قوى الشرطة. كانت ألمانيا تأمل في أكثر من ذلك. فقد راهنت على أن تلعب دوراً محورياً، فانقلبت عليها سائر الدول الأوروبية الحذرة من طموحاتها المتنامية. كان ذلك إخفاقاً مراً. فلم تسامحنا عليه وراحت منذ ذلك الحين تدأب على إيقاع الضرر بنا إما بافتعال مشاكل تافهة وإما بتشجيع الفوضى في المغرب وإبقائها ذريعة معقولة للتدخل.
وبالفعل ففي مايو 1906 اغتيل فرنسي على شاطئ طنجة ذاته ولم ننل الاعتذار إلا بعد إرسال أسطول. وكان قاطع طريق يمكن تسميته رسمياً، الريسوني El Raissouli [10] الشهير سيئ الصيت، يبثّ الرعب في ضواحي طنجة. وفي مارس 1907 اغتيل الدكتور موشامب في مراكش. وبعد أيام قتل في الدار البيضاء ثلاثة فرنسيين وثلاثة إيطاليين وإسبانيان على يد حشود هائجة ونُهبت المدينة من قبائل مجاورة. وحين رسا “الغاليليه” Galilée في الميناء لحماية الأجانب استُقبل فريق الإنزال بالرصاص وتعرضت القنصليات للهجوم ونُهبت المباني التي تحصّن فيها الأوروبيون. وكان الرد لا مفر منه. وبعد عمليات موفقة ضد القبائل الثائرة أحكم الجنرال داماد Damade قبضته على الدار البيضاء وتمكّن من السيطرة على السهل الخصيب المحيط بها، الشاوية، في خريف 1907. ومن جهة وهران احتللنا وجدة رهينةً، وجاب الجنرال ليوطي منتصراً شتاء 1907 جبال بني يزناسن.
يتبــع
****************
عركة ترافلغار (Bataille de Trafalgar)، أو ما تُعرف في المراجع العربية باسم “معركة الطرف الأغر”، هي واحدة من أهم وأشهر المعارك البحرية في التاريخ الحديث. دارت رحاها في 21 أكتوبر 1805 بين الأسطول الملكي البريطاني من جهة، والأسطول المشترك لفرنسا وإسبانيا من جهة أخرى (للتحالف الفرنسي-الإسباني بـ 33 سفينة حربية مقابل 27 سفينة بريطانية). واحرز الانجليز نصرا ساحقا في معركة الطرف الاغر حيث دمر الأسطول البريطاني سفن العدو بالكامل دون أن يفقد سفينة بريطانية واحدة. حيث استولى الإنجليز على 17 سفينة فرنسية وإسبانية وأغرقوا 4 أخرى.
[1] المقصود ب“الشريف عبد الرحمن“ في هذا السياق هو السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام [1.2]، وهو من سلاطين الدولة العلوية (الموصوفة في النص بالشريفة لنسبها الممتد إلى آل البيت) [1.2]، وحكم المغرب لفترة طويلة امتدت من 1822 إلى 1859
[1] محاولة ضم تلمسان: بعد الغزو الفرنسي للجزائر وسقوط نظام الإيالة عام 1830، بادر سكان تلمسان (نظراً لقربهم الجغرافي والروحي من المغرب) إلى مبايعة السلطان المولى عبد الرحمن لحمايتهم. أرسل السلطان بالفعل قوات ووكلاء إلى تلمسان وحتى مشارقها، لكن المحاولة فشلت أمام الضغط العسكري الفرنسي الصارم. بعد اشتداد الضربات الفرنسية على المقاومة الجزائرية، لجأ قائد المقاومة الأمير عبد القادر الجزائري إلى الأراضي المغربية (المنطقة الشرقية) للاحتماء وإعادة تنظيم صفوفه، مستفيداً من الدعم الشعبي والقبلي المغربي الكبير. اعتبرت فرنسا إيواء السلطان للأمير عبد القادر خرقاً سافراً لسيادتها وتحدياً مباشراً لها، مما دفعها لإعلان الحرب على المغرب عام 1844. وتجلى هذا الصدام في قصف الأسطول الفرنسي لمدينتي طنجة والصويرة، ووقوع معركة إسلي الشهيرة (14 أغسطس 1844) قرب وجدة، والتي انتهت بهزيمة الجيش المغربي واضطرار السلطان لتوقيع معاهدة طنجة والتخلي عن دعم الأمير عبد القادر.
[1]: توفي السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام في أغسطس 1859 في مكناس بعد فترة حكم طويلة وصعبة دامت 37 عاماً واجه فيها ضغوطاً استعمارية كبرى (مثل معركة إسلي) وتولي سيدي محمد (المعروف بمحمد الرابع): كان سيدي محمد بن عبد الرحمن يشتغل نائباً لوالده وقائداً للجيش. بمجرد وفاة والده في أغسطس 1859، بويع سفيراً وسلطاناً جديداً للمغرب تحت اسم السلطان محمد الرابع (والذي يشار إليه في النصوص الفرنسية بـ (Sidi-Mohammed)
[1] قبيلة ذوي منيع هم قبيلة بدوية ومحاربة قوية تنتشر في مناطق الواحات والصحراء على طول حوض وادي “غير” والمناطق الحدودية في الجنوب الشرقي (نواحي بودنيب، بوعرفة، وكولومب بشار لاحقاً)
[1] المقصود بـ Zouaves هم قوات “الزواف” التابعة للجيش الاستعماري الفرنسي (جيش إفريقيا).طبيعتهم وسياقهم: هم في الأصل فيالق مشاة خفيفة أنشأتها فرنسا في الجزائر بعد غزوها عام 1830. بدأت هذه الفرق عبر تجنيد محاربين محليين من قبائل “زواوة” الأمازيغية في منطقة القبائل، ولكن مع مرور الوقت وتحديداً بحلول عهد الإمبراطورية الثانية (فترة هذا النص 1870)، تحولت فرق “الزواف” لتصبح فيالق مكونة من جنود فرنسيين أوروبيين بالكامل، يرتدون زياً مميزاً مستوحى من اللباس المغاربي التقليدي (السروال الفضفاض والسترة المطرزة مع الطربوش) وعُرفوا بشراستهم في القتال بالمقدمة
[1] السفيران المغربيان اللذان وقعا على هذه المعاهدة في باريس يوم 20 يوليو 1901 هما من كبار رجال الدولة والمخزن في عهد السلطان مولاي عبد العزيز، وهما :
-
عبد الكريم بنسليمان (Abd-el-Krim)هو سيدي عبد الكريم بنسليمان، وزير الخارجية المغربي في تلك الفترة (رئيس المشاورين)، وكان هو رئيس البعثة الدبلوماسية المغربية الرسمية (السفارة) المرسلة إلى باريس وسانت بطرسبرغ، وقد وقع مباشرة على بروتوكول 20 يوليو 1901 إلى جانب وزير الخارجية الفرنسي “ثيوفيل ديلكاسي”
-
محمد الجباس (El Guebbas)هو الفقيه سيدي محمد بن محمد الجباس (المعروف في المراجع بـ امحمد الجباس).ولقد شارك في هذه السفارة بصفته نائباً ومساعداً لوزير الحربية المغربي (خليفة وزير الدفاع) وخبيراً شؤون الحدودولقد تولى لاحقاً منصب وزير الحربية ، ثم أصبح الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) للمملكة المغربية بين عامي 1913 و1917. كما قاد اللجنة المختلطة التي صاغت اتفاقية التطبيق التكميلية (اتفاقية كوشميز-الجباس) في الجزائر عام 1902.
[1] توجد Duveyrier بصفتها الموقع الجغرافي والعسكري المذكور في تقارير مطلع القرن العشرين في الجنوب الغربي للجزائر ضمن ولاية بشار حالياً.الاسم يُطلق تحديداً على محطة قطار وموقع عسكري محصن أنشأه الجيش الفرنسي عام 1901،. تقع حاليا في بلدة “الزوبية” (Zoubia) التابعة إدارياً لبلدية بني ونيف (Beni Ounif) في ولاية بشار. في الجنوب الشرقي للجزائر.
[1] لسباهي (Spahis) هم فيالق من الخيالة (سلاح الفرسان الخفيف) أنشأهم الجيش الفرنسي في شمال إفريقيا عام 1834، ولعبوا دوراً محورياً كقوات صدمة وتأمين في الحروب الاستعمارية بالجزائر، والمغرب، وتونس، وصولاً إلى الحروب العالمية في أوروبا.ان اصل الكلمة مشتق من اللفظة الفارسية “سپاهي” (Sepahi) والتي تعني “جندي”، وهو نفس أصل مصطلح “السيپوي” في الهند، ومصطلح “السباهية” في الجيش العثماني. وتاريخيا بعد غزو الجزائر عام 1830، واجه الجيش الفرنسي صعوبة كبيرة في ملاحقة القبائل البدوية والمقاومين في التضاريس الصحراوية والوعرة باستخدام المشاة الأوروبيين. فقرر الجنرال “يوسف” (مملوك فرنسي سابق) إنشاء وحدات فرسان محلية سريعة الحركة تعتمد على أسلوب القتال المغاربي التقليدي.
