في حبر نسائي نعمل على كشف العنف الرمزي وفجوة القوانين التي تحول المجالس المنتخبة إلى بيئات طاردة للنساء
في مقالنا السابق في “حبر نسائي” تتبعنا خيوط منظومة تستنزف جهد النساء في الاقتصاد غير المهيكل وحقول الهامش حيث يتحول العرق اليومي إلى قوة إنتاجية لا تقابل دائما بالاعتراف أو الحماية أو العدالة في توزيع الثروة. ازحنا الستار عن واقع وحقيقة مفادها أن النساء لسن غائبات عن الإنتاج بل حاضرات فيه بقوة لكن خارج دوائر التملك والقرار.
واليوم، نعود إلى المنطق نفسه لكن في ساحة أخرى ، “السياسة” حيث يبدو أن قواعد اللعبة لا تختلف كثيرا وإن تغيرت الواجهة والخطاب والأدوات. فكما يطلب من النساء في الاقتصاد أن ينتجن دون أن يملكن، يطلب منهن في السياسة أن يحضرن دون أن يقررن.
في مجتمعنا يتردد خطاب رسمي يؤكد تقدم التمثيلية النسائية وفتح المؤسسات أمام النساء، غير أن هذا الحضور الرقمي والمؤسساتي يخفي مفارقة أعمق؟؟ هل يتعلق الأمر بولوج فعلي إلى دوائر القرار أم مجرد حضور في الصورة الجماعية لتعزيز مشهد الديمقراطية؟
ففي الظاهر تبدو المؤسسات أكثر تنوعا واللوائح الانتخابية أكثر انفتاحا أحيانا ، وخطابات المناصفة أكثر حضورا. لكن خلف هذه الواجهة، تستمر ممارسات يومية تعيد إنتاج نفس التراتبية القديمة المتأصلة في اعراف الذكورية حيث يظل القرار الفعلي محكوما بعقلية تدبر وتفكر بصيغة المذكر، حتى داخل فضاءات يفترض أنها قامت على مبدأ المساواة.
إن النساء اللواتي يقتحمن المجال السياسي لا يدخلن تجربة مهنية او نضالية عادلة و عادية بل يجدن أنفسهن داخل فضاء مركب من الضغوط المتداخلة. فإلى جانب الإكراهات القانونية والسياسية، يواجهن بنية حزبية لا تزال في كثير من الأحيان أسيرة منطق الولاء والاصطفاف، ومجتمعا ما زال يتعامل مع السياسة باعتبارها مجالا شبه حصري للرجال.
وتزداد حدة هذا الوضع داخل عدد من التنظيمات الحزبية، حيث لا يتم التعامل مع النساء دائما كفاعلات سياسيات كاملات الأهلية، بل أحيانا كأرقام انتخابية أو عناصر “تأثيث” ضرورية لإضفاء صورة حداثية على المشهد السياسي. وفي مثل هذه السياقات، تصبح الكفاءة أقل حضورا من العلاقات، ويصبح الاستقلال في الموقف أكثر كلفة من التبعية.
لكن الوصول إلى المؤسسات ليس نهاية المعركة، بل بدايتها الفعلية. فداخل المجالس المنتخبة والفضاءات السياسية، تواجه العديد من النساء أشكالا متعددة من العنف الرمزي: من مقاطعة متكررة أثناء الحديث، إلى التبخيس الممنهج للأفكار، إلى التشكيك الدائم في الأهلية والكفاءة، وصولا إلى خطابات مباشرة أو ضمنية تقلل من قيمة الحضور النسائي في الفضاء العام.
و الامر الذي يثير تساؤلات متكررة أن هذه الممارسات كثيرا ما لا تقرأ كعنف بل تقدم كجزء “طبيعي” من الممارسة السياسية. وهنا تحديدا يتجلى العمق الحقيقي للمشكل حين يتحول التمييز إلى اعتياد والتهميش إلى قاعدة غير مكتوبة والصمت عن الإقصاء إلى شرط غير معلن للاستمرار داخل اللعبة السياسية.
إن ما يجمع بين المجال الاقتصادي والمجال السياسي ليس مجرد تشابه عابر بل بنية واحدة تعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة: في الاقتصاد، إنتاج بلا ملكية ، وفي السياسة حضور بلا تأثير. وفي الحالتين يبقى السؤال نفسه مطروحا حول معنى الاعتراف وحدود المشاركة وشروط العدالة.
ورغم كل الخطابات حول التمكين والمناصفة فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في فتح الأبواب، بل في ضمان القدرة على التأثير داخل الفضاءات التي تم الولوج إليها. فالديمقراطية لا تقاس بعدد المقاعد المخصصة للنساء بل بمدى قدرتهن على المساهمة في القرار دون وصاية أو تبخيس أو إقصاء رمزي.
إن استمرار هذا الوضع يجعل من الضروري إعادة طرح سؤال أعمق من التمثيلية: أي ديمقراطية نريد؟ ديمقراطية واجهة تزين المؤسسات أم ديمقراطية فعلية تعيد توزيع السلطة والاعتراف داخلها؟
في “حبر نسائي” لا نكتفي بوصف الواقع بل نحاول تفكيك بنياته الخفية لأن ما يبدو طبيعيا في الظاهر ليس بالضرورة عادلا في العمق.
في “حبر نسائي” نكتب اليوم الحقيقة… حتى لا تبقى الرواية ناقصة.
“حبر نسائي” لأن ما لا يقال في العلن هو أحيانا ما يصنع الواقع فعلا.
لذلك في “حبر نسائي” نكتب الحقيقة …حتى لاتبقى الرواية ناقصة .
“حبر نسائي ” حكايات وأسئلة لم تكتب بعد ومازال للحبر كلام .
مايكتب هنا ليس نهاية الحكاية بل أول أثر للحبر …