د. أشرف بولمقوس – باحث في العلوم السياسية
لم يعد سؤال “عودة الدولة البوليسية” إلى تونس مجرد سجال حقوقي أو معارضة سياسية ظرفية، بل أصبح سؤالًا وجوديًا يهم معنى الدولة نفسها بعد أكثر من عقد على ثورة الياسمين. فالمشهد التونسي اليوم، من خلال متابعة المدونين والنشطاء والصحفيين، ومن خلال الأحكام الثقيلة في قضايا رأي، و عودة الخوف التدريجي إلى المجال العام، يطرح بإلحاح سؤالًا أعمق وأكثر إزعاجًا: هل عادت الدولة البوليسية فعلًا ؟ أم أنها لم تغادر أصلًا؟، ام انها أعادت ترتيب نفسها بصبر داخل مؤسسات الدولة إلى أن تهيأت الظروف للعودة الكاملة؟
في العلوم السياسية، لا تُقاس الدولة البوليسية فقط بحجم القمع المباشر، بل بقدرتها على جعل الأمن مركز الحياة السياسية، وتحويل المجال العمومي إلى فضاء مراقب، تصبح فيه السلطة الأمنية أعلى من السياسة وأحيانًا أعلى من القانون ذاته. وهي ليست مجرد جهاز شرطة قوي، بل منظومة ذهنية وثقافية ترى في المجتمع موضوعًا للضبط لا شريكًا في الحكم، وترى في الحرية خطرًا محتملاً يجب تطويقه باستمرار.
وقد كانت تونس منذ دولة الاستقلال، واحدة من أكثر النماذج بالمنطقة تجسيدًا لفكرة “الدولة الأمنية الحديثة”. فمنذ عهد الحبيب بورقيبة ثم بشكل أكثر وضوحًا في عهد زين العابدين بن علي، تشكلت وزارة الداخلية باعتبارها القلب الحقيقي للدولة، لا باعتبارها جهازًا إداريًا فقط، بل باعتبارها مؤسسة سيادية تمتلك نفوذًا يتجاوز الأمن نحو السياسة والإعلام والإدارة والحياة اليومية للمواطنين.
لذلك لم تكن الثورة التونسية سنة 2011 مجرد احتجاج اجتماعي ضد البطالة أو الفقر، بل كانت أيضًا تمردًا عميقًا ضد البنية الأمنية للدولة. لم يكن شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” منفصلًا عن “وزارة الداخلية”، لأن جزء كبير من الوعي الثوري التونسي كان يعتبر أن جوهر الاستبداد يتمثل تحديدًا في تغول المؤسسة الأمنية وتحولها إلى سلطة فوق المجتمع.
لكن ما حدث بعد الثورة كان أكثر تعقيدًا مما تصوره كثيرون. فقد نجحت تونس سياسيًا في بناء تجربة تعددية ودستورية اعتبرتها فئات واسعة من الجماعة العلمية نموذجًا استثنائيًا داخل المجال “العربي” . فدستور 2014، بما تضمنه من منظومة حقوق وحريات ومنطق فصل السلط والهيئات الدستورية والرقابة القضائية، خلق حالة انبهار حقيقية لدى الباحثين والجامعات ومراكز الدراسات المقارنة، حتى جرى تقديم تونس بوصفها “المختبر الديمقراطي العربي الوحيد”.
غير أن هذا البناء الدستوري والسياسي ظل في جانب كبير منه هشًا أمام البنية العميقة للدولة. فالثورات قد تُسقط الرؤوس، لكنها لا تُسقط بالضرورة الأجهزة والثقافات والمؤسسات المتجذرة. وهنا بدأ الحديث تدريجيًا داخل الأوساط الفكرية عن “الثورة المضادة”، ليس فقط بوصفها مؤامرة سياسية تقليدية، بل باعتبارها أيضًا دينامية داخلية لإعادة إنتاج الدولة القديمة بأدوات جديدة.
في هذا السياق، يطرح سؤال بالغ الحساسية: هل مارست المؤسسة الأمنية نوعًا من “المهادنة التكتيكية” بعد 2011؟ بمعنى هل قبلت مؤقتًا بالتراجع تحت ضغط الشارع والسياق الدولي، إلى أن تتغير موازين القوى ويضعف الزخم الثوري، فتستعيد تدريجيًا موقعها المركزي داخل الدولة؟
يصعب الجزم بذلك بصورة قطعية، لكن ما يمكن ملاحظته أن مسار ما بعد الثورة عرف تدريجيًا عودة واضحة لمنطق أولوية الأمن على الحرية. ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتراجع الثقة في الأحزاب، وانهيار جزء كبير من الطبقة السياسية، بدأت قطاعات واسعة من المجتمع نفسه تميل إلى خطاب “الدولة القوية”، حتى وإن كان ذلك على حساب بعض المكتسبات الديمقراطية.
هذا الخطاب و في هذا السياق رسم المشهد الأخير لتونس، و الذي يجسد قيس سعيد بشكل او باخر صورته الرسمية،التي قد تبدو في شكل شعبوية او شيئ من هذا القبيل.
وهنا تكمن المفارقة الخطيرة: فالثورة المضادة لا تنتصر دائمًا بالقوة وحدها، بل أحيانًا عبر إنهاك المجتمع وجعله يبحث عن الاستقرار بأي ثمن. حينها تتحول الحرية من مطلب جماهيري إلى عبء في نظر البعض، ويتحول النقد إلى “تهديد للدولة”، وتصبح القبضة الأمنية مطلبًا شعبيًا لا مجرد خيار سلطوي.
إن متابعة المدونين والنشطاء اليوم في تونس، واستعمال نصوص فضفاضة لتجريم التعبير، وتنامي الخوف داخل المجال العام، ليست مجرد أحداث معزولة، بل مؤشرات على تحوّل أعمق في فلسفة الحكم. فالدولة البوليسية لا تعود فجأة عبر دبابة في الشارع، بل تعود تدريجيًا حين يصبح الأمن هو اللغة الوحيدة لإدارة السياسة، وحين تتآكل الضمانات الدستورية بصمت، وحين يصبح الاستثناء قاعدة يومية.
وما يجعل الحالة التونسية أكثر مأساوية أن الأمر لا يتعلق فقط بفشل تجربة سياسية عابرة، بل بتراجع تجربة دستورية ألهمت جزءًا مهمًا من النخب بالمنطقة. فالكثير من الباحثين رأوا في تونس نموذجًا لإمكانية التوفيق بين الإسلام والديمقراطية مثلا، بين الدولة المدنية والهوية العربية، بين الحرية والاستقرار، يجدون أنفسهم اليوم أمام مشهد مختلف تمامًا؛ مشهد تعود فيه السلطوية لتبتلع المجال العام تدريجيًا، فيما تتراجع المؤسسات الرقابية والسياسية والمدنية.
ان رصد عودة الدولة البوليسية لا يمكن للباحث و المتخصص وحده رصده، عبر كل ما سلف ذكره، لكنه اصبح واضحا للعيان عند زيارة تونس، و عند الاطلاع عما يجري هناك، اخرها مثلا متابعة ناشط على اثر تدوينة نشرت معها صورة لسيارة الامن التونسي سقطت عليها شجرة، اعتبر فيها صاحب التدوينة ان ذلك من العدالة الإلهية .
ومع ذلك، فإن اختزال ما يحدث فقط في “عودة الدولة البوليسية” قد يكون تبسيطًا مخلًا. فالأزمة التونسية أعمق من مجرد صراع بين الحرية والأمن؛ إنها أزمة انتقال ديمقراطي كامل لم ينجح في تفكيك الدولة القديمة، كما لم ينجح أيضًا في بناء عقد اجتماعي جديد قادر على حماية الديمقراطية اقتصاديًا واجتماعيًا ومؤسساتيًا.
لقد أثبتت التجربة التونسية أن إسقاط الاستبداد أسهل بكثير من بناء الديمقراطية، وأن أخطر ما يمكن أن تواجهه الثورات ليس القمع المباشر فقط، بل عودة المنظومة القديمة من داخل تعب المجتمع نفسه.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: هل عادت الدولة البوليسية إلى تونس؟ بل ربما: هل امتلكت الثورة التونسية أصلًا المقومات و الوقت الكافي لتفكيكها؟