كأس العالم لكرة القدم 2026: فرصة نادرة لتعزيز المساواة بين الجنسين

ميامي: لطيف كاسيدي
من ميامي (الولايات المتحدة الأمريكية): لطيف كاسيدي
ترى هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن كأس العالم لكرة القدم 2026، بوصفه أحد أكثر الأحداث الرياضية متابعة في العالم، يمثل فرصة استثنائية لتحويل كرة القدم إلى منصة عالمية لدعم المساواة بين الجنسين، حيث تؤكد الهيئة أن اللعبة الأكثر شعبية في العالم لا تزال
تعكس، في جوهرها، أشكالاً عميقة من عدم المساواة، وأن كل نسخة من كأس العالم ينبغي أن تكون فرصة لتغيير هذا الواقع.
وتقول هيئة الأمم المتحدة للمرأة في بلاغ لها إن البطولة الحالية تجمع مليارات المشجعين عبر ثلاث دول مضيفة و16 مدينة، في أول نسخة تضم 48 منتخباً و104 مباريات. وتضيف أن هذا الحجم غير المسبوق من الاهتمام الجماهيري والقدرة التجارية يمنح كرة القدم فرصة فريدة لاستخدام نفوذها في دعم حقوق النساء والفتيات، لا سيما في مجالات المشاركة والقيادة والتمثيل والعدالة الاقتصادية
وقد قسم بلاغ الهيئة هذه الإهتمامات إلى عدة نقاط
كرة القدم كقوة للتغيير
تؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن الرياضة، ولا سيما كرة القدم، يمكن أن تكون من أسرع الطرق لبناء التضامن ودفع العمل من أجل المساواة. وفي نسخة 2026، ستمتد هذه القوة عبر ثلاث دول مضيفة وتصل إلى مليارات المشاهدين حول العالم، ما يجعل البطولة منصة غير مسبوقة للتأثير في الرأي العام والسلوك الثقافي
وترى المنظمة أن هذا الزخم يجب ألا يقتصر على الاحتفاء بالمنافسة داخل الملعب، بل أن يمتد إلى توسيع فرص النساء والفتيات في الرياضة وخارجها. وتلفت إلى أن كرة القدم أثبتت قدرتها على جذب الجماهير والاستثمارات، وهو ما يجعل استخدامها لتكريس المساواة خياراً عملياً لا
مجرد شعار

الطلب العالمي على الرياضة النسائية
وتأكد الهيئة إلى أن الاهتمام بالرياضة النسائية بلغ مستويات قياسية، ما يثبت أن المشكلة لا تكمن في نقص الجمهور، بل في ضعف الاستثمار والتمثيل. وتستند في ذلك إلى أرقام تُظهر أن كأس العالم للسيدات 2023 اقترب من ملياري مشاهد، بينما سجلت الرياضة النسائية في أسواق مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة مستويات مشاهدة غير مسبوقة في عام 2025
وتضيف أن هذا التوسع في الجمهور يوازيه نمو واضح في القيمة التجارية للرياضة النسائية، لكن هذا النمو لم يترجم بعد إلى فرص متكافئة أو حضور إعلامي عادل. ومن هنا، تدعو الهيئة إلى أن يكون كأس العالم للرجال لهذه السنة منصة تعترف بهذا التحول وتسهم في تسريعه
فجوة الأجور والتمثيل
وتقول الأمم المتحدة للمرأة إن إحدى أكبر مفارقات كرة القدم الحديثة تكمن في الفجوة بين الإيرادات الضخمة التي تحققها اللعبة وبين ما تحصل عليه اللاعبات. وتشير إلى أن جوائز كأس العالم للسيدات في 2023 كانت لا تزال أقل بكثير من جوائز الرجال، رغم الزيادة الكبيرة في قيمتها مقارنة بالسنوات السابقة
كما تسلط الضوء على غياب النساء عن قوائم الرياضيين الأعلى دخلاً، وعلى ضعف تمثيلهن في مواقع صنع القرار داخل المؤسسات الرياضية الدولية. ووفقاً لما تذكره الهيئة، فإن النساء يشغلن نحو ثلث المناصب التنفيذية فقط في الاتحادات الرياضية الدولية، في حين لا تتجاوز نسبة المدربات المسجلات في كرة القدم العالمية نحو 5 في المئة. وتعتبر المنظمة أن هذه الهوة تعني أن القرارات المتعلقة بأكبر بطولة كروية في العالم تُتخذ غالباً من دون تمثيل حقيقي لخبرات النساء ومصالحهن
السلامة والعنف
لا تقتصر رسالة الهيئة على العدالة الاقتصادية والتمثيل، بل تمتد أيضاً إلى قضايا السلامة والعنف ضد النساء والفتيات. وتشير إلى أن بعض الدراسات ربطت بين الأحداث الرياضية الكبرى وارتفاع مخاطر العنف المنزلي أو الاعتداءات ضد النساء، مع وجود أدلة من البرازيل والولايات المتحدة وإنجلترا واسكتلندا
وتحذر الهيئة كذلك من أن المنظمات العاملة على مكافحة العنف ضد النساء تواجه ضغوطاً مالية كبيرة، ما أدى إلى توقف بعض البرامج أو تقليصها. وفي هذا السياق، تدعو إلى تعزيز آليات الحماية، وتفعيل سياسات الإبلاغ، وضمان التحقيق المستقل، حتى لا تتحول الشعبية الواسعة لكرة القدم إلى بيئة أكثر خطراً على النساء
الفتيات ومستقبل اللعبة
تشدد الأمم المتحدة للمرأة على أن خسارة الفتيات من الرياضة ليست مشكلة رياضية فقط، بل خسارة اجتماعية وتنموية أيضاً. وتذكر المقالة أن الفتيات دون سن 14 ينسحبن من الرياضة بمعدل يعادل ضعف معدل الأولاد، بسبب الفقر، والأنماط النمطية، ومخاوف السلامة، وغياب النماذج الملهمة. وتعرض هيئة الأمم المتحدة للمرأة الرياضة بوصفها طريقاً نحو التعليم والقيادة والفرص الاقتصادية لاحقاً، معتبرة أن كل فتاة تترك اللعبة هي خسارة لقائدة ومبتكرة وصانعة تغيير محتملة ومواطنة فاعلة. وتستشهد ببرامجها في أمريكا اللاتينية، ومنها مبادرات مكّنت آلاف الفتيات من تطوير مهاراتهن القيادية عبر الرياضة
جدير بالذكر أن هذه الدعوة تكتسب أهمية مضاعفة لأن بطولة 2026 ستجذب اهتماماً إعلامياً ومالياً هائلاً. وتشير التقديرات الواردة في المقالة إلى أن الإيرادات المرتبطة بكأس العالم قد تصل إلى نحو 9 مليارات دولار في عام 2026، بينما قد تبلغ إيرادات الدورة التجارية الأوسع نحو 13 مليار دولار، مع توقعات بأن تتجاوز إيرادات الرعاية 2.8 مليار دولار، ما يجعلها أكثر نسخة ربحية وتأثيراً في تاريخ كأس العالم
وفي المقابل، ترى الأمم المتحدة للمرأة أن هذه اللحظة يجب أن تُستخدم لتوسيع الاستثمار في الرياضة النسائية، وإصلاح الفجوات في الأجور، وزيادة حضور النساء في القيادة، وتبنّي سياسات أكثر صرامة لمكافحة العنف والتمييز. وبذلك، لا تكون كأس العالم 2026 مجرد حدث رياضي ضخم، بل نقطة تحول في الطريقة التي تنظر بها كرة القدم إلى النساء والفتيات
ومن بين أبرز ما تقترحه هيئة الأمم المتحدة للمرأة في سياق كأس العالم 2026 هو حزمة مبادرات عملية تجعل البطولة منصة فعلية للمساواة، لا مجرد حدث جماهيري. ويمكن تلخيصها في خمس نقاط رئيسية
استخدام البطولة لرفع رسالة المساواة بين الجنسين على أكبر منصة كروية في العالم، بحيث تصبح البطولة مساحة لتأكيد أن المساواة حق أساسي وليست مطلباً ثانوياً
مكافحة العنف ضد النساء والفتيات عبر توسيع الوعي، وتعزيز الحماية، وتحسين آليات الإبلاغ والتحقيق، مع استثمار الزخم الإعلامي للبطولة في دعم هذه الرسالة
زيادة حضور النساء في القيادة وصنع القرار الرياضي، لأن الهيئة ترى أن القرارات الخاصة بالبطولة تُتخذ غالباً في بيئات لا تمثل النساء بالشكل الكافي
دعم مشاركة الفتيات في الرياضة والاحتفاظ بهن داخل اللعبة عبر برامج القيادة والتمكين، مثل برنامج “من فوز إلى آخر” الذي  عمل مع أكثر من 3,200 فتاة في البرازيل والأرجنتين
استثمار الاهتمام العالمي بكرة القدم لتعزيز الرياضة النسائية من خلال تحسين الظهور الإعلامي، وتوسيع الاستثمار، وإبراز أن الطلب على الرياضة النسائية موجود وينمو بسرعة
وتشير المقالة إلى أن الفكرة الأوسع هنا لا تتعلق ببطولة واحدة فقط، بل بإرساء سابقة. فمع استضافة البرازيل لكأس العالم للسيدات 2027، ترى المقالة أن عام 2026 يمكن أن يساعد في وضع نموذج أكثر عدالة لمستقبل كرة القدم
والرسالة النهائية هي أن أكبر حدث رياضي في العالم يجب ألا يكتفي بعكس الواقع، بل أن يساهم في تغييره
تعتبر الفيفا أنه يمكن للاتحادات الرياضية الوطنية أن تتحول من مجرد جهات تنظيمية إلى أدوات تنفيذ عملية لتوصيات هيئة الأمم المتحدة للمرأة، لأن لديها القدرة على التأثير في اللاعبين والمدربين والأندية والجماهير والسياسات المحلية معاً. وتوضح الأمثلة الأممية والرياضية أن التنفيذ الفعلي يبدأ من الحوكمة، مروراً بالحماية، وصولاً إلى توسيع مشاركة النساء والفتيات في كل مستويات اللعبة
كما ترى هيئة الأمم المتحدة أنه يجب دمج المساواة في السياسات الداخلية، بحيث تصبح معايير التعيين والترقية والتمويل والتمثيل أكثر إنصافاً، مع أهداف واضحة لزيادة حضور النساء في المناصب القيادية والتنفيذية
وقد ذكرت جاياثما ويكراماناياكي، مستشارة السياسات المعنية بالشراكات الرياضية في هيئة الأمم المتحدة للمرأة، خلال منتدى “كرة القدم من أجل أهداف التنمية المستدامة” جمع مسؤولين أمميين رفيعي المستوى وبعض أبرز الأصوات قبيل اليوم العالمي لكرة القدم في 25 ماي، إن التقدم في الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة والمتعلق بسد الفجوة بين الجنسين بطيئ، بل أنه في تراجع مستمر في بعض المناطق.وذكرت المسؤولة أن ذلك يعود إلى حد كبير إلى استمرار الأعراف الاجتماعية والمواقف والسلوكيات القبلية
وطالبت المؤسسة الدولية بتوسيع فرص مشاركة الفتيات عبر برامج مدرسية ومجتمعية ومسارات تنافسية واضحة، لأن الاحتفاظ بالفتيات في الرياضة يتطلب إزالة العوائق المالية والاجتماعية والأمنية
وتضيف الفيفا قائلة أنه يمكن للاتحادات الوطنية أن تضع خطة سنوية مرتبطة بأهداف قابلة للقياس، مثل زيادة نسبة المدربات، وعدد البرامج المخصصة للفتيات، وحجم التمويل الموجه للرياضة النسائية. كما يمكنها أن تشترط على الأندية التابعة لها وجود سياسات حماية وتبليغ وتدريب إلزامية، حتى لا تبقى الحماية مجرد إعلان شكلي
ومن المهم أيضاً أن تعمل الاتحادات مع المدارس والبلديات ووسائل الإعلام والرعاة، لأن توصيات هيئة الأمم المتحدة للمرأة لا تنجح داخل الملعب فقط، بل تحتاج إلى بيئة داعمة خارجه أيضاً. وعندما تُربط هذه الجهود ببطولات كبرى مثل كأس العالم 2026، يصبح للرسالة أثر أوسع على الرأي العام والسلوك المؤسسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist