كأس العالم يحقق لاول مرة أرقاما قياسية في أمريكا الشمالية

من ميامي (الولايات المتحدة): لطيف كاسيدي

من ميامي (الولايات المتحدة الأمريكية):

لطيف كاسيدي

على عكس أوروبا وأفريقيا ومعظم دول أمريكا اللاتينية، حيث تعد كرة القدم الرياضة الأولى بلا منازع، لا تزال هذه اللعبة تحتل مكانة ثانوية في كل من الولايات المتحدة وكندا ضمن المشهد الرياضي العام. ففي هذين البلدين، يتركز اهتمام الجمهور ووسائل الإعلام بشكل أساسي على رياضات مثل كرة السلة، وكرة القاعدة (البيسبول)، وكرة القدم الأمريكية، وهوكي الجليد، وهي رياضات تُعد جزءا راسخا من الهوية الثقافية والرياضية المحلية
ويظهر هذا الواقع بوضوح في سوق البث التلفزيوني، حيث تستقطب هذه الرياضات أرقام مشاهدة ضخمة على القنوات الناطقة بالإنجليزية، في حين لم تنجح كرة القدم حتى الآن في تحقيق نفس الزخم الجماهيري عبر هذه القنوات، باستثناء القنوات الناطقة بالإسبانية التي تحقق أداء أقوى في نقل مباريات كرة القدم، مستفيدة من جمهور لاتيني أكثر ارتباطا تاريخيا بهذه الرياضة
ويعكس هذا التفاوت فجوة مستمرة بين الشعبية العالمية لكرة القدم ومكانتها الفعلية داخل السوق الرياضية في أمريكا الشمالية، رغم مؤشرات النمو التدريجي والاهتمام المتزايد


لكن هذه السنة، نظرا لمشاركة الفرق الوطنية لكندا والولايات لم تقتصر المباريات الافتتاحية لكأس العالم على تحقيق أرقام قياسية في نسب المشاهدة فحسب، بل أشارت أيضا إلى تحول هيكلي في مشهد الإعلام الرياضي العالمي، إذ يبرز أول تنظيم مشترك بين ثلاث دول القوة التجارية والثقافية لسوق أمريكية شمالية متكاملة
هذا وأفاد بلاغ للفيفا أنه قد  تابع أكثر من 54 مليون مشاهد في كندا والمكسيك والولايات المتحدة مباريات الافتتاح لمنتخبات الدول المضيفة، في مؤشر مبكر على قدرة البطولة على توحيد جماهير متفرقة عبر الحدود. أما بالنسبة لشبكات البث وحاملي الحقوق، تؤكد هذه الأرقام جدوى استراتيجية الفيفا في توسيع النطاق الجغرافي والتجاري للبطولة، على حد قولها
وقدّمت الولايات المتحدة المثال الأوضح على هذا التأثير التصاعدي، إذ استقطبت مباراة المنتخب الأمريكي الافتتاحية ضد باراغواي متوسط 27.5 مليون مشاهد عبر شبكتي فوكس الناطقة بالإنجليزية وطيليموندو الناطقة بالإسبانية، لتصبح المباراة الأكثر مشاهدة في تاريخ بث كأس العالم في الولايات المتحدة. والأهم أن هذا الرقم القياسي تحقق بفضل النجاح المتوازي في سوقي اللغة الإنجليزية والإسبانية، ما يعكس الأهمية المتزايدة للاستراتيجيات متعددة اللغات والثقافات في البث الرياضي، حسب الفيفا، على عكس ما هو عليه الأمر حاليا على الصعيد السياسي
أما المكسيك، فقد أكدت مجددا قوة كرة القدم كمنتج إعلامي وطني مهيمن، حيث جذبت مباراتها الافتتاحية ضد جنوب أفريقيا 23.4 مليون مشاهد، محققة حصة سوقية بلغت 72.1%  وهي نسبة استثنائية في عصر يتسم بتشتت الجمهور. كما اجتذبت المباراة نحو 20 مليون مشاهد إضافي في الولايات المتحدة، ما يبرز الطبيعة العابرة للحدود لاستهلاك المحتوى الرياضي باللغة الإسبانية، والأهمية التجارية لجماهير الجاليات المقيمة خرج أوطانها بالنسبة للمعلنين وشبكات البث
وفي كندا، ورغم صغر حجم السوق، برزت مؤشرات نمو واضحة في متابعة كرة القدم، إذ جذبت مباراة المنتخب الكندي الافتتاحية 3.1 مليون مشاهد، لتصنف ضمن أكثر مباريات المنتخب مشاهدة في القرن الحادي والعشرين. وتشير هذه الأرقام إلى توسع تدريجي ولكن ملموس في مكانة كرة القدم داخل سوق رياضية يهيمن عليها تقليديا الهوكي، خاصة عندما يكون المنتخب الوطني منافسا وعلى أرضه
:بصفة عامة، تعكس هذه الأرقام عدة اتجاهات في الصناعة الإعلامية
أولا، لا تزال الرياضات الحية، وخاصة الأحداث العالمية الكبرى مثل كأس العالم، من الرياضات القليلة القادرة على جذب جماهير ضخمة في الوقت الفعلي ضمن بيئة إعلامية تتجه نحو المشاهدة عند الطلب
ثانيا، أصبحت استراتيجيات التوزيع متعددة اللغات والمنصات ضرورية لتوصل الخبر والمعلومة، لا سيما في أسواق متنوعة مثل أمريكا الشمالية
ثالثا، يشير نجاح نموذج الاستضافة الموسع إلى أن الاتساع الجغرافي يمكن أن يتحول مباشرة إلى مكاسب تجارية، سواء من حيث عائدات الإعلانات أو قيمة حقوق البث
وقد ترافقت هذه النجاحات التلفزيونية مع حضور جماهيري كبير في الملاعب، حيث تجاوز عدد الحضور مليون متفرج حتى الآن. ويعزز هذا التفاعل المزدوج، الميداني والرقمي، مكانة كأس العالم كحدث حي ومنتج إعلامي عالمي في آن واحد
وفي معرض حديثه عن الأرقام القياسية، قال رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو: “ما نشهده هنا حدث تاريخي بكل معنى الكلمة”، ووصف هذه البداية بأنها تاريخية، مشددا على الدور الموحد للبطولة
وتابع قائلا أن هذه الأرقام تخبر  بكل شيء عن أهمية هذه البطولة لهذه الدول، وهذه القارة، والعالم أجمع. وأضاف أن الأمر لا يقتصر على الأرقام فحسب، بل يتعلق بملايين الأشخاص من كل أنحاء العالم، الذين إجتمعوا معا بفضل كرة القدم خالقين أجواء وطاقة و حماس رائع
وأكد بلاغ الفيفا أنه إذا استمرت الحالة على هذا الاتجاه، فإن كأس العالم لهذه السنة قد يشكل معيارا جديدا ليس فقط من حيث حجم الجمهور، بل أيضا في كيفية إنتاج وتوزيع وتحقيق الدخل من الأحداث الرياضية الكبرى في اقتصاد إعلامي عالمي متكامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist