فاطمة المرنيسي.. شهرزاد المغرب التي أعادت كتابة أسئلة المرأة والحداثة

نعيمة آيت إبراهيم

في سجل الفكر العربي المعاصر، تبرز فاطمة المرنيسي كواحدة من أكثر الشخصيات الفكرية تأثيرا وإثارة للنقاش، إذ جمعت بين البحث الأكاديمي الرصين والالتزام المجتمعي بقضايا المرأة والحرية والعدالة. فقد استطاعت هذه العالمة المغربية أن تترك بصمة عميقة في مجالات علم الاجتماع والدراسات النسوية والفكر الإسلامي، لتصبح مرجعاً عالمياً في تحليل أوضاع المرأة داخل المجتمعات الإسلامية.

ولدت فاطمة المرنيسي بمدينة فاس يوم 27 سبتمبر 1940، ونشأت في بيئة تقليدية شكلت جزءا من وعيها المبكر بأسئلة المرأة والسلطة والحدود الاجتماعية. تلقت تعليمها الأولي في مدرسة وطنية أسستها الحركة الوطنية المغربية، قبل أن تتابع دراستها العليا في العلوم السياسية بجامعة السوربون بباريس، ثم في جامعة برانديز بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث حصلت على الدكتوراه في علم الاجتماع سنة 1974.

بعد عودتها إلى المغرب، التحقت بجامعة محمد الخامس بالرباط أستاذة وباحثة، وكرست مسارها العلمي لدراسة قضايا المرأة والأسرة والتحولات الاجتماعية. ولم يقتصر عملها على التدريس والبحث الأكاديمي، بل انخرطت أيضا في العمل المدني والجمعوي، مدافعة عن المساواة وحقوق النساء، ومؤمنة بأن المعرفة قادرة على إحداث التغيير المجتمعي.

اشتهرت المرنيسي بقراءتها النقدية للعلاقة بين الإسلام والمرأة، حيث دافعت عن فكرة أن النصوص الإسلامية في جوهرها لا تنتقص من مكانة المرأة، وأن الإشكال يكمن في التأويلات التاريخية التي كرست هيمنة الفكر الذكوري وأقصت النساء عن أدوارهن الفاعلة. ومن هذا المنطلق، خاضت رحلة فكرية عميقة لإعادة قراءة التراث الإسلامي وإبراز الشخصيات النسائية التي ساهمت في صنع التاريخ الإسلامي.

ومن أبرز القضايا التي اشتغلت عليها مفهوم “الحريم”، الذي لم تنظر إليه باعتباره مجرد فضاء مغلق، بل اعتبرته رمزاً لحدود اجتماعية وثقافية فرضت على النساء عبر التاريخ. وقد سعت من خلال مؤلفاتها إلى تفكيك هذا المفهوم وإبراز قدرة المرأة على تجاوز القيود المفروضة عليها والمشاركة في بناء المجتمع.

وقد أثرت المكتبة العربية والعالمية بمجموعة من المؤلفات التي ترجمت إلى العديد من اللغات، من بينها “ما وراء الحجاب”، و”الحريم السياسي”، و”سلطانات منسيات”، و”نساء على أجنحة الحلم”، و”الإسلام والديمقراطية”، و”شهرزاد ترحل إلى الغرب”. وتحولت العديد من هذه الأعمال إلى مراجع أساسية في الجامعات ومراكز البحث عبر العالم.

وفي كتابها الشهير “سلطانات منسيات”، أعادت المرنيسي تسليط الضوء على نساء حكمن وأثرن في التاريخ الإسلامي، مؤكدة أن المرأة لم تكن غائبة عن مراكز القرار كما تروج بعض القراءات التقليدية. أما في “ما وراء الحجاب”، فقد قدمت دراسة رائدة حول العلاقات الاجتماعية بين الجنسين، وأصبحت أطروحاتها مرجعاً أساسياً في دراسات النوع الاجتماعي.

كما تميزت كتابات المرنيسي بقدرتها على الربط بين التراث والحداثة، وبين الواقع المحلي والأسئلة الكونية المرتبطة بالديمقراطية وحقوق الإنسان. وكانت ترى أن مستقبل المجتمعات العربية والإسلامية يمر عبر تمكين النساء وإشراكهن الكامل في التنمية وصنع القرار.

وقد حظيت بإشادة دولية واسعة، توجت سنة 2003 بحصولها على جائزة أمير أستورياس للأدب مناصفة مع الكاتبة الأمريكية سوزان سونتاغ، كما نالت جوائز وتكريمات عديدة تقديرا لإسهاماتها الفكرية والثقافية.

رحلت فاطمة المرنيسي في 30 نوفمبر 2015 بمدينة الرباط، لكنها تركت وراءها إرثا فكريا وإنسانيا ما يزال حاضرا بقوة في النقاشات الأكاديمية والثقافية حول المرأة والإسلام والحداثة. لقد كانت بحق “شهرزاد المغرب” التي لم تكتف بالحكي، بل جعلت من الكلمة أداة للمعرفة والتغيير، ومن البحث العلمي جسرا نحو مجتمع أكثر إنصافا ومساواة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist