من ميامي (الولايات المتحدة): لطيف كاسيدي
ما كان يفترض أن يكون حدثًا من شأنه جمع قوى ثلاث دول عظمى لتنظيم بطولة كرة قدم كاملة لمدة 39 يومًا تحول في الواقع إلى مشهد من التجاذب و الانقسامات العميقة. كأس العالم 2026 لكرة القدم الذي تنظمه ثلاثة دول جارات في أمريكا الشمالية وهما كندا والولايات المتحدة والمكسيك، كشف بشكل صارخ عن اختلافات جوهرية بين هذه الدول، مما صادق على علاقة متوترة تتجاوز حدود الرياضة بكثير
الحدث الذي كان يرمز إلى الوحدة الناطقة بين الدول المجاورة، انتهى كمثال واضح على التجاذب السياسي والاقتصادي واللوجستي الذي يعمر بين الثلاثة بالإضافة إلى عدم التوازن. الولايات المتحدة، التي تستضيف 78 مباراة، أي 75% من إجمالي المباريات، حيث تهيمن بشكل كامل على البطولة وتستضيف جميع مباريات الإقصاء المباشر من ربع النهائي وحتى النهائي. في المقابل، كندا والمكسيك، رغم كونهما مشتركتين رسميتين في التنظيم، فقد إنفردا ب 13 مبارة فقط لكل منهما، مما يجعلهما تقريبا وكانهم منظمين صامتين أو مجرد مساندين في هذه البطولة

كندا تواجه كأس العالم بمستوى منخفض، بعيدًا عن الدور السياسي والإعلامي الذي كان يتوقع منها. فالبلد يعاني من عجز فندقي كبير يبلغ 70 ألف ليلة إقامة في فانكوفر، مع خسائر تصل إلى 45 مليون دولار كندي. الفنادق في تورونتو وفانكوفر ممتلئة تمامًا، والأسعار تتضاعف ثلاث مرات بالقرب من الملاعب. بالإضافة إلى ذلك ليس هناك ولا مدينة كندية ستستقبل ربع النهائي وما بعده، مما يجعل دورها في البطولة ثانويًا بشكل واضح
المكسيك، رغم استضافة مباريات في ثلاثة مدن رئيسية، تعاني من تأخيرات في أعمال البنية التحتية للنقل والاتصال للوصول إلى الملاعب. نظام النقل في مدينة المكسيك حرج للغاية، مع مشاكل في المترو وباقي وسائل المواصلات. هناك مشاكل في إمدادات المياه والصرف الصحي، وحالة الطرق ليست بالمستوى المطلوب. بالإضافة إلى ذلك أصبح الأمن أحد الموضوعات الرئيسية بسبب الإضرابات والمظاهرات اليومية قرب الملاعب أو على الطرق المؤدية إليها، مما يثير قلقًا كبيرًا لدى المشجعين والمنظمين

الولايات المتحدة، رغم احتلالها المكانة المهيمنة، تواجه مشاكلها الخاصة بعدما قررت الفيفا خفض الميزانية التشغيلية بأكثر من 100 مليون دولار، مما أثر بشكل كبير على الأمن واللوجستيات والقدرة على الوصول إلى التذاكر حيث أصبحت هاته باهظة الثمن بأرقام خيالية تفوق ألاف الدولارات، بينما تذاكر الفئة المنخفضة للنهائي تصل إلى 8,680 دولار، وهو أربعة أضعاف أسعار كأس العالم في قطر 2022. مواقف السيارات أيضًا باهظة، حيث تتراوح بين 225 دولار في ملعب ميتلايف بنيوجرسي إلى 300 دولار في ملعب صوفي بانجيلوود القريبة من لوس انجليس بكاليفورنيا
بالإضافة إلى ذلك تشكل الهجرة والتأشيرات الخلاف الأكثر سياسة في الولايات المتحدة حيث لم تنشئ نظام تأشيرات مؤقت للزوار، مما عقد تنظيم الرحلات، ناهيك عن قيام ضباط إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية بعمليات تفتيش واسعة بين الزوار وترحيل بعضهم بمجرد ظن أو اعتقاد الضابط بأن الشخص قد يشكل تهديداً للأمن القومي
تجدر الإشارة إلى أن العلاقات بين الدول الثلاث المنظمة كانت متوترة منذ أن احتل ترامب المكتب التنفيذي. كندا والمكسيك كانت أوائل الدول المتأثرة بالحرب التجارية التي بدأت بعد قليل من تولي ترامب الرئاسة. فقد أطلقت حكومة ترامب حرب تجارية مع تعريفات على كلتا الجارتين مثلها مثل باقي دول العالم، وهو ما أثر بشكل كبير على الاقتصاد الإقليمي. اتفاق التجارة الحرة الذي حافظت عليه الدول الثلاث منذ 1994 تم تغييره في أول رئاسة لترامب، والولايات المتحدة تهدد بخرقه، وإعادة المفاوضات جارية حتى خلال إجراء البطولة
يمكن القول أن الرئيس ترامب هزم جيرانه بشكل مفتوح، حيث ينكر سيادة كندا ويهدف لتحويلها إلى ولاية أمريكية أخرى. في المقابل، يقوم بالضغط على المكسيك بذريعة محاربة الاتجار بالمخدرات بعد أن صنفت حكومته شبكات مكسيكية كجماعات إرهابية، مع اتهامات القضاء الأمريكي لمسؤولين كبار في الدولة المجاورة بارتباطات مع الاتجار بالمخدرات
وبالرغم من هذا كله فإن كأس العالم 2026 لم يخفف التوتر بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا بالرغم من أهمية الحدث، فالمشهد الجيوسياسي يظهر مشهدا معقدا مع مناقشات مفتوحة وعلاقة متوترة. فترامب، الذي لا يخفي رؤيته للولايات المتحدة كقوة مهيمنة في القارة، يعيد إشعال النزاعات التاريخية حول التجارة والاتجار بالمخدرات والهجرة، مما يفقد علاقة الإتحاد الإقليمي الذي كان ضعيفا بالفعل حتى قبل بدء كأس العالم
إذن، ما كان يجب أن تكون بطولة توحيد جيران تحولت، بشكل مفارق، إلى المرآة الأكثر وضوحا لاختلافاتها، وكرة القدم، الرياضة العالمية، لم تتمكن من تجاوز الشقوق السياسية والاقتصادية واللوجستية التي تفصل بينهما
كأس العالم 2026 سيكون أحد أكثر البطولات السياسية في التاريخ، ولن يكون إرثا فقط للأهداف التي ستسجل خلال المباريات، لكنه تذكير لكيف يمكن لكرة القدم كشف، أكثر من جمع، المجتمعات التي تنظمها، بنفس الطريقة التي رأيناها سابقا في كاس إفريقيا حيث وقفت أغلب الدول الإفريقية والعربية ضد المغرب عندما استشعروا أنه استبقهم لوجستيا وتنظيميا وفضح الهوة بينه وبين باقي الدول خاصة في البنية التحتية
إذن، فكيف يمكن للمغرب وإسبانيا والبرتغال أن يستفيدو من هذه الدورة لإقامة حدث ناجح؟
تجربة أمريكا الشمالية هذه تقدم دروسا حاسمة للمغرب وإسبانيا والبرتغال في تنظيمها لكأس العالم 2030، وهو الأول الذي يقام في قارتين ضمن تنظيم ثلاثى
تجربة أمريكا الشمالية تظهر بوضوح أن التنظيم المشترك دون حوكمة قوية وتعاون حقيقي يمكن أن يتحول إلى مرآة للتوترات الجيوسياسية: الاختلافات في توزيع المباريات، البنية التحتية، الأسعار، الأمن، وسياسات الهجرة
إسبانيا والمغرب والبرتغال لديهم فرصة تاريخية لإظهار عكس ذلك، خاصة أنهم اتخذوا خطوات وقائية مهمة: في 9 أبريل 2026، وقعت الدول الثلاث في الرباط مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون القضائي استعدادا لكأس العالم 2030، وكان أول لقاء ثلاثي رسمي بين الدول المنظمة. هذا الاتفاق، الفعال بين 2026 و2030، يهدف إلى إنشاء إطار مشترك لمواجهة التحديات القانونية والتشغيلية للبطولة، ويحدد سبعة مجالات للتعاون تشمل المساعدة القضائية المتبادلة، التنسيق المباشر بين السلطات المركزية، دفع العدالة الرقمية، وتعزيز مكافحة الجريمة والجريمة الإلكترونية
لتجنب صراعات أمريكا الشمالية، يجب على الدول الثلاث المنظمة أن تنشئ هيكل حوكمة مشتركة قوي وكما ذكرت برويكتوم، وهي مؤسسة متعددة الجنسيات متخصصة في إدارة المشاريع، والابتكار، وإدارة التغيير، وغيرها من المجالات ذات الصلة أن التنظيم متعدد الدول يتطلب منهجيات هجينة بين التخطيط التنبؤي مع المنهجيات التكيفية، مما يسمح برد سريع على التغيرات السياسية، المناخية، الاقتصادية أو الصحية
وتضيف المؤسسة أن الفرق المسؤولة يجب أن تعمل تحت هياكل تشمل إدارة دولية للمنظمين، تحليل مخاطر متعدد دولي، دمج تكنولوجي بين المواقع، تنسيق موردين عالميين، تخطيط مالي متعدد حكومي، وإدارة الأزمات مع استمرارية التشغيل
إذن كل هذا يحتم على المنظمين إنشاء لجان مشتركة وإجراءات استعاضة لمعالجة المواقف الحرجة، وتصميم برنامج تنفيذي تحت رعاية وتسيير قضاة ومحامين من الدول الثلاث
الخطأ الأكثر وضوحا في دورة 2026 كان التوزيع غير المتوازن: الولايات المتحدة تستضيف 78 مباراة (75% من الإجمالي) مع جميع الأدوار ربع النهائي، نصف النهائي والنهائي، بينما كندا والمكسيك فقط 13 مباراة لكل منهما (12.5%) مع فقط مرحلة المجموعات. إذن يجب على إسبانيا والمغرب والبرتغال أن يتجنبوا هذه التراتبية التي تولد الاستياء
التوزيع يجب أن يكون متوازنًا من البداية، مما يضمن أن كل دولة لديها عدد مهم من المباريات المهمة، بما في ذلك احتمال ربع النهائي، نصف النهائي وحتى النهائي في إحدى الدول الثلاث. هذا يمنع أن تشعر دولة بأنها ثانوية أو منظمة صامتة، كما ذكرنا سابقا
البنية التحتية واللوجستيات يجب أن تكون بتنسيق بين الدول الثلاث، مع تقييمات مشتركة قبل 2028، تنسيق أنظمة النقل بين الحدود، وصندوق مشترك لأعمال البنية التحتية المشتركة
الأمن يجب أن تكون تكاليفه مشتركة، وليس فردية كما يحدث في مونديال هذه السنة. يجب إنشاء صندوق أمني ثلاثي مشترك، تنسيق السلطات الشرطية بين الحدود، وإجراءات أمن موحدة. كما يجب عليهم التفاوض مع الفيفا للمشاركة على الأقل بجزء من التكاليف
أما سياسات الهجرة والتأشيرات يجب أن تكون متناسقة، وذلك عبر إنشاء نظام تأشيرات موحد، إقامة اتفاقات حرية تنقل مؤقتة للمشجعين، وتناسق سياسات الدخول من جميع الدول
يجب توقيع اتفاق تعترف فيه كل دولة صراحة بالسيادة الكاملة للآخرين، تجنب أي لغة تشير إلى هيمنة أو تبعية، وإقامة تنظيم متساوي وليس تراتبي. كما يجب منع القادة من الإدلاء بتصريحات سياسية خلال إقامة كأس العالم، تجنب استخدام البطولة للترويج لأجندات وطنية متضاربة، وإنشاء لجنة حياد سياسي تراقب الخطابات الرسمية
أظهرت بطولة كأس العالم 2026 أن التنظيم المشترك دون حوكمة رشيدة، وعدالة حقيقية، وتعاون حقيقي، قد يتحول إلى انعكاس للانقسامات الجيوسياسية
إذن أمام المغرب وإسبانيا والبرتغال فرصة تاريخية لإثبات عكس ذلك: أن ثلاث دول ذات ثقافات وأنظمة سياسية وقارات مختلفة قادرة على استضافة كأس عالم ناجح بشكل مشترك دون نزاعات على السيادة أو الوطنية
الدول الثلاث تملك فرصة لتحويل خطأ أمريكا الشمالية إلى مثال يحتذى به في الوحدة الأوروبية الأفريقية، مبرهنة أن كرة القدم، عندما تنظم بنزاهة واحترام متبادل، يمكن أن تكون جسراً حقيقياً بين الثقافات، لا انعكاساً للانقسامات