العقوبات البديلة بين إعادة الإدماج والإفلات من العقاب

بن سليمان: بنصباحية يوسف

من الطبيعي أن نستلهم التجارب المتقدمة في التعامل مع العقوبات الناجمة عن الجرائم، فالعالم اليوم يتجه نحو مقاربات إصلاحية تتجاوز منطق الردع بالسجن وحده. لكن من الضروري قبل إسقاط أي تجربة أن تكون لدينا معطيات ودراسات دقيقة عن طبيعة الشريحة الاجتماعية التي نريد تطبيقها عليها. فالمجتمع ليس معملاً للتجارب، وأي خلل في التنزيل قد يحول فكرة الإصلاح إلى باب خلفي للإفلات من العقاب.

1- السياق المغربي: من العقوبة السالبة للحرية إلى البدائل

بدأت محاكم المملكة المغربية تطبيق العقوبات البديلة كخيار تشريعي وقضائي بموجب القانون رقم 43.22. والهدف معلن وواضح وهو تخفيف الضغط على المؤسسات السجنية، تقليص كلفة الاعتقال، وإعادة إدماج المحكوم عليهم بدل عزلهم، ومن بين هذه البدائل يأتي العمل لأجل المنفعة العامة، الغرامات اليومية، تقييد بعض الحقوق، والمراقبة الإلكترونية.

هذا التوجه ينسجم مع التوصيات الدولية، لكن نجاحه يرتبط بمدى ملاءمته للواقع المغربي، لا بنقل النموذج الغربي كما هو.

2- إشكالية الحرية مقابل الخدمة: متى تتحول إلى تساهل؟

تمتيع مجرم بالحرية مقابل خدمات يقدمها للدولة فكرة نبيلة في ظاهرها. المجرم يعوض المجتمع بدل أن يكون عبئاً عليه داخل السجن. لكن هذا الامتياز يجب أن تراعى فيه شروط صارمة، أبرزها:

طبيعة الجرم

لا يستوي من سرق خبزة ليأكل مع من اختلس ملايين الدراهم من المال العام. ولا يمكن أن يتساوى من ارتكب عنفاً عائلياً تحت تأثير لحظة غضب مع من مارس النصب والاحتيال بشكل منظم. العقوبات البديلة تصلح للجنح البسيطة، للجرائم غير العمدية، وللحالات التي لا تشكل خطورة إجرامية. أما جرائم الأموال، الفساد، الاتجار بالمخدرات، والاعتداءات الجسيمة، فإن تطبيق البدائل عليها يرسل رسالة خطيرة مفادها أن الغني يشتري حريته بالخدمة، والفقير يدفع الثمن سجناً.

شخصية المجرم

القاضي لا يحاكم الفعل فقط، بل يحاكم الفاعل. هل نحن أمام مجرم بالصدفة، ساقته الظروف الاجتماعية لخطأ معزول؟ أم أمام شخصية إجرامية متمرسة، تعتبر القانون مجرد حساب للربح والخسارة؟ إسقاط العقوبة البديلة على النوع الثاني هو تشجيع صريح على الجريمة. فالمحترف سيحسبها أقصى ما يمكن أن يحدث هو بضعة أشهر من العمل التطوعي.

3- غياب المعطيات: الخطر الأكبر

المعضلة الأساسية في المغرب اليوم هي أننا ننزل العقوبات البديلة دون أن نمتلك دراسات سوسيولوجية وإجرامية كافية. من هي الشريحة التي ترتكب أغلب الجنح المعنية؟ ما هي نسبة العود لديها؟ ما هو تأثير البيئة الأسرية، البطالة، والمستوى التعليمي على سلوكها؟ ما هي نظرة المجتمع للمجرم الذي يعود لحيه وهو حر ويشتغل في إحدى الحدائق أو المقاطعات؟ وما تأثير ذلك على محيطه؟

بدون أجوبة رقمية واضحة على هذه الأسئلة، نحن نخاطر بتحويل العدالة إلى نظام ذي سرعتين: سجن للهامشيين، وخدمة مجتمعية مريحة لذوي النفوذ أو لمن يجيدون تكييف ملفاتهم.

4 شروط النجاح: حتى لا تصبح الحرية مكافأة

لكي لا تتحول العقوبات البديلة من أداة إصلاح إلى محفز على الجريمة، لا بد من ضوابط:

1. التقييم الفردي الإلزامي: قبل النطق بالعقوبة البديلة، يجب إخضاع المتهم لخبرة نفسية واجتماعية تحدد مدى خطورته ومدى قابليته للإصلاح.
2. الاستثناء الصريح: منع تطبيقها في جرائم الفساد المالي، والعنف ضد الأصول والنساء والأطفال، والاتجار في البشر والمخدرات، مهما كانت مدة الحبس.
3. المتابعة الصارمة: الحرية المقيدة يجب أن تكون أشد في الرقابة من السجن. أي إخلال بالالتزامات يجب أن يؤدي إلى السجن النافذ فوراً دون تأخير.
4. الشفافية المجتمعية: نشر إحصائيات دورية عن نوع الجرائم التي طُبقت عليها البدائل، ونسبة نجاح الإدماج، ونسبة العود، لأن الرأي العام شريك أساسي وإحساسه بالأمان جزء من الردع.

في الختام

العقوبات البديلة ليست شراً ولا خيراً مطلقاً. هي أداة. وكأي أداة، قيمتها في يد من يستعملها. إذا طُبقت بدراسة، وبتفريق واضح بين من يستحق فرصة ثانية ومن يستغل الفرص، ستكون ربحاً للدولة والمجتمع. أما إذا تحولت إلى صك غفران يُمنح بناء على ظروف الملف لا ظروف المجرم، فإننا سنكون قد استبدلنا سجن الجدران بسجن أوسع وهو سجن فقدان الثقة في العدالة. لأن الثقة إذا كُسرت، فلا عقوبة أصلية ولا بديلة ستردع المجرم القادم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist