“​سن اليأس”… جناية اللفظ وعنف التسمية في معجم الذكورية

كوثر المقدمي

مجموعة من ​الكلمات في مجتمعاتنا ليست بريئة إنها أسلحة تصاغ بعناية في مختبرات العقلية الذكورية لإحكام السيطرة وتسييج الكينونة النسائية وحين نقف مليا أمام مصطلح “سن اليأس” فإننا لا نواجه توصيفا بيولوجيا أو طبيا عاديا بل نحن أمام أحد أبشع أشكال العنف الرمزي واللفظي الذي شرعن بقوة العرف واللغة وتواطأ المجتمع على اعتباره حقيقة مطلقة إن من صنع هذا الاسم تعمد أن يصك حكما بالإعدام المعنوي والنفسي على المرأة معلنا انتهاء مدة صلاحيتها بمجرد أن يتوقف عداد خصوبتها البيولوجية وكأن وجودها الإنساني بأكمله وعقلها ونضجها كان مجرد وظيفة إنتاجية مؤقتة تنتهي بانتهاء مدة الصلاحية المعترف بها مجتمعيا


​المفارقة الصارخة التي تعري عورات هذه المنظومة أن هذا المعجم اللغوي والمجتمعي المأزوم الذي يقبر المرأة وهي على قيد الحياة باسم اليأس يمنح للرجل صكوك خلود أزلية وحصانة أبدية من خط الزمن فالرجل في ثقافتنا لا يملك سن يأس تجاعيده تقرأ وقارا وشيبه يترجم حكمة وخبرة تمنحه تذكرة عبور دائمة لفتح صفحات جديدة في الحياة يحق له أن يمارس مراهقته المتأخرة ولو بلغ المئة من عمره وأن يتزوج بمن هي في عمر حفيداته تحت تصفيق مجتمع يرى في ذكوريته امتدادا لا ينطفئ بينما يطالب المرأة التي تمر بنفس المرحلة العمرية بأن تواري جسدها وعاطفتها وحلمها في الظل وأن تجلس في قاعة انتظار طويلة وباردة لا تؤدي إلا إلى المقبرة


​إن هذا التمييز القائم على تداخل النوع الاجتماعي والتقدم في السن يعكس نظرة نفعية بدائية ترى في المرأة بضاعة تنتهي قيمتها بنفاذ مخزونها البيولوجي فبعد عقود من كفاح النساء واستنزاف طاقاتهن وأجسادهن في البناء والتربية والرعاية وصناعة ثروات البيوت والمجتمعات بلا أجر أو اعتراف مالي تجد المرأة نفسها مستبعدة عاطفيا وجسديا يتحول التغير الطبيعي لجسدها إلى مبرر مريح للتخلي الزوجي والاجتماعي حيث يسارع الشريك إلى ترميم نرجسيته بالبحث عن بديل مستقويا بآليات مجتمعية تسلب المرأة المسنة تقاعدها الوجودي والوجداني وتتركها دون شبكات حماية قانونية أو اجتماعية تضمن كرامتها كذات مستقلة لا تابعة لرضى أحد
​إن العنف الحقيقي يكمن في تحول هذا التمييز إلى اعتياد حيث يمارس المجتمع وصايته الأخلاقية لفرض قبر اجتماعي صامت على المرأة فإذا ما تجرأت على إبداء رغبة في الحياة أو الفرح أو الاهتمام بذاتها جوبهت بعبارات التبخيس والتهكم والوصم.
في حبر نسائي نكتب اليوم لنقول إن النساء بعد هذه المرحلة لا ييأسن بل يدخلن زمن الاكتمال والحكمة والنضج الفكري والعاطفي الذي يستحق الاحتفاء لا الإقصاء كرامة النساء لا تسقط بالتقادم وحق المرأة في الوجود والاعتراف ممتد من الصرخة الأولى إلى الأنفاس الأخيرة ولن يسمح حبرنا بأن تبقى الرواية ناقصة أو مسجونة في معجم ذكوري متهالك
​حبر نسائي حكايات وأسئلة لم تكتب بعد وما زال للحبر كلام
ما يكتب هنا ليس نهاية الحكاية بل أول أثر للحبر…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist