رؤى مغربية: حوار بصري بميامي بين الذاكرة والهوية في الفن التشكيلي المغربي المعاصر

من ميامي (الولايات المتحدة): لطيف كاسيدي

من ميامي (الولايات المتحدة): لطيف كاسيدي

في فضاء يزاوج بين الرصانة الجمالية الأندلسية والبعد الثقافي العابر للحدود، يستضيف رواق زاهنر لمتحف كورال غيبلز بمقاطعة ميامي دايد معرض “رؤى مغربية” بوصفه شهادة بصرية على حيوية الفن التشكيلي المغربي المعاصر، حيث تتجاور تجارب كل من البيضاوية سعاد بياض، و التطواني محمد الجعماطي، والقنيطري مصطفى النافي، والأغاديرية المقيمة بمدينة ميامي، حنان الحجاجي، ضمن معرض يفتح نوافذ متعددة على أسئلة اللون والشكل والهوية والذاكرة.


ويكتسب هذا الموعد التشكيلي أهميته من كونه لا يقدم الأعمال الفنية بوصفها منجزات معزولة، بل يضعها داخل سياق حضاري أوسع، في تعاون يجمع متحف كورال غيبلز بالقنصلية العامة للمملكة المغربية بميامي والجمعية المغربية الأميركية في جنوب فلوريدا، وذلك بمناسبة تخليد مرور 250 عاما على العلاقات المغربية الأمريكية، بما يمنح المعرض بعدا ثقافيا يتجاوز العرض إلى مساءلة الامتداد التاريخي لعلاقات المغرب الدولية.

محمد الجعماطي: ذاكرة تطوان بين الضوء والصمت.
يبرز حضور الفنان محمد الجعماطي بوصفه علامة دالة على العمق الجغرافي والرمزي للتجربة التشكيلية المغربية، إذ تمثل مشاركته امتدادا لمدينة تطوان، تلك الحاضرة التي ظلت على الدوام منارة من منارات التكوين الفني في المغرب، وفضاء خصبا لصياغة الحس الجمالي وتوارث الرؤية البصرية عبر الأجيال من خلال مدرسة الفنون الجميلة، المعروفة حاليا بإسم المعهد الوطني للفنون الجميلة، وهي أول مؤسسة أنشأت بالمغرب لتدريس الفنون التشكيلية سنة 1947 على يد الرسام الإسباني ماريانو برتوطشي
إذن فمشاركة الجعماطي لا تعدو أن تكون مجرد حضور فردي في معرض جماعي، بل هي استحضار لذاكرة مدينة كاملة، ولتقليد فني راسخ ظل يرفد المشهد المغربي بأصواته ورؤاه
الفنان محمد الجعماطي يرسم بلغة الذاكرة: تنساب أعماله بين الضوء والصمت، حيث تتجلى العمارة المغربية والمناظر الطبيعية والفضاءات الروحية كأصداء لشيء عيش يوما وما زال يستحضر بهدوء. تتنفس الخامات، وتتوهج الألوان الغامقة، ويبدو الزمن وكأنه يتوقف داخل كل لوحة. فأشكاله وشخصياته تخفي حكايات غير منطوقة
بالألوان المائية والأكريليك، يحول المألوف إلى حالة حالمة، رؤية حميمة تتشكل من الظل والنور من خلال أعمال تنقلك إلى أماكن زرتها أو استوحيت صورتها من أماكن موجودة بمدينة الحمامة البيضاء، حيث تكشف البساطة عن نبض روحي عميق سواء عبر البنايات الصامتة أو الحضور الإنساني الخافت، تاركا في الوقت نفسه مجالا لانبثاق الإحساس وذلك لأن فنه متجذر وأثيري في آن
اكتشف هذا الرسام المعاصر شغفه برسم المناظر الطبيعية والبورتريهات منذ طفولته، كما يحكي. ويتجلى هذا الشغف في أعماله التصويرية والتجريدية على حد سواء، وبفضل تدريبه الأكاديمي، لا يترك الجعماطي شيئا للصدفة، فكل شيء مخطط له بدقة متناهية، حتى أدق التفاصيل التي تكمل لوحته.

سعاد بياض: الجسد كلغة بين التشخيص والتجريد.
في زمنٍ يواصل فيه الفن التشكيلي المعاصر مساءلة موقع الجسد الإنساني وإعادة صياغة حضوره، تنخرط تجربة سعاد بياض في هذا الأفق برؤية تجمع بين الطموح والحساسية، حيث تشتغل أساسا بألوان مختلطة على سطح القماش، وتضع الجسد في صميم ممارستها، بوصفه مجالا للتجريب الشكلي والاستكشاف التعبيري
تتراوح أعمال بياض بين التشخيص والتجريد، حيث تتلاشى الحدود التقليدية التي تؤطر الهيئة الإنسانية. تتبدى شخوصها في حالات من التشظي المنظم، متشكلة عبر تراكب طبقات لونية وملمسية، بما يشي بتوتر دقيق بين البناء والتفكك لتنتج لغة بصرية آنية ومراوغة في آن واحد، تدعو إلى التأمل المطول بدل المشاهدة العابرة
يعمل اللون في أعمال سعاد بياض عنصرا مهيمنا وفاعلا بنيويا، إذ تحسن توظيفه بسخاء منضبط، حيث تسهم اختياراتها اللونية في بناء المناخ العاطفي والإطار التركيبي لكل عمل. وفي بعض الأحيان، قد يطغى هذا الاعتماد على اللون على وضوح البنية الشكلية، غير أن هذا الإفراط نفسه هو ما يمنح لوحاتها حيويتها وإلحاحها
ويبقى الثابت في أعمالها هو انشغالها بالجسد كلغة، فالحركة والتفكيك والكثافة اللونية تتحول إلى عناصر في نحو بصري تعبر من خلاله عن الحضور والهوية والعمق العاطفي.

مصطفى النافي: شعرية المادة بين الخشب والرمز.
يتجلى عمل مصطفى النافي عند تقاطع الحس المادي والتجريد الرمزي، حيث تنبثق الجمالية من العمق والاقتصاد في التعبير فلوحاته وتركيباته، المنجزة بمواد صديقة للبيئة كالأخشاب والأصباغ الطبيعية، تشكل لغة بصرية هادئة لكنها مشحونة بالدلالات
من خلال تداخل الألوان وانسيابية الأشكال، يبني عالما فنيا يدعو إلى التأمل، مقدما تكوينات تريح العين رغم أنها لا تكشف معانيها فورا فقاموسه التجريدي يرتكز على ثنائية الفراغ والامتلاء، مستندا إلى درجات الأسود الداكن الممزوج بلمسات حمراء تمنح الحياة لأشكال تتجاوز الحدود التقليدية
متجاوزا النحت التقليدي، يحول النافي الخشب إلى وسيط تعبيري حي: يقوم بتشكيل ونحت الدعامات الخشبية ليبتكر تكوينات متعددة الطبقات، تتخللها فراغات وبروزات تستكشف الحركة والإيقاع والحيز. وتستلهم أعماله من المشهد المغربي ورموزه الثقافية وإشاراته الصوفية بل حتى الروحية، حاملة عمقا تاريخيا واضحا مع حضور معاصر
في عالم النافي، لا يعد الخشب مجرد مادة، بل وعاء للذاكرة والتحول. تتناغم تجربته مع روح فن الأرض، حيث يستعيد الفن صلته بقوى الطبيعة الأولى.

حنان الحجاجي: هندسة نابضة بين الصرامة والانسياب.
لقد لفت إنتباهي عمل حنان الحجاجي التجريدي بفضل التفاعل اللافت بين الأشكال الهندسية والتكوينات العضوية، مما يدعو المشاهد إلى تجربة بصرية متقنة البناء، لكنها في الوقت نفسه انسيابية ومربكة
موضوع العمل على خلفية داكنة سوداء مرسومة بدقة ترسخ إحساسا منذ الوهلة الأولى بالعمق والتباين. فهذه الخلفية لا تؤدي دور المساحة السلبية فحسب، بل تعمل أيضا كمجال نشط يعزز حضور الألوان الشبه الفاتحة الموضوعة وسطها. ويتيح التقييد المتعمد في لوحة الألوان، التي تقتصر في غالبيتها على الأبيض والأصفر والأزرق، إبراز الملمس والبنية على حساب تعقيد الألوان
فبدلا من تقديم عمل مسطح، تملأ حنان لوحاتها بخطوط كثيفة ومتعرجة، مما يخلق انطباعا حسيا يكاد يكون حركيا، بل يوحي هذا التأثير بوجود حركة داخل حدود محددة، وكأن الشكل ينبض بالحياة ضمن إطاره الهندسي

التنوع المغربي
إذن فإن معرض “رؤى مغربية” يكشف عن تنوع غني في المقاربات الفنية والرؤى التعبيرية، حيث تتجاور الأساليب وتتقاطع الحساسيات داخل فضاء واحد، في قراءة تتيح للزائر أن يلمس ثراء التجربة التشكيلية المغربية وتحولاتها الجمالية. غير أن ما يمنح هذا المعرض فرادته هو ذلك الخيط الخفي الذي يربط بين الأصالة والانفتاح، بين الانتماء المحلي والامتداد الكوني، وبين الذاكرة المتجذرة والبحث المستمر عن أشكال جديدة للتعبير
ويستمر المعرض في متحف كورال غيبلز حتى 31 يوليو ليمنح للجمهور الأمريكي فرصة نادرة للوقوف أمام تجربة متعددة الأصوات، متماسكة الرؤية، وعميقة الجذور عبر أعمال تنتمي إلى أجيال واتجاهات مختلفة، لكنها تلتقي جميعا عند سؤال الهوية، وعمق الذاكرة، وجماليات التعبير المعاصر. إنها بالفعل رؤى مغربية

Comments 2

  1. حنان says:

    قرأت هذا المقال باهتمام كبير، وأعتبره أكثر من مجرد تغطية لمعرض فني، بل شهادة على حضور الثقافة المغربية في الفضاء الدولي، ودليل على أن الفن يظل أحد أنجع أدوات القوة الناعمة للمغرب.
    لقد نجح الأستاذ لطيف كاسيدي في تقديم قراءة نقدية وجمالية لمعرض “رؤى مغربية”، مبرزًا خصوصية التجارب الفنية للمشاركين، ومسلطا الضوء على العمق الحضاري الذي يحمله الفن التشكيلي المغربي. كما أن ربط المعرض بمرور 250 سنة على العلاقات المغربية الأمريكية منح الموضوع بعدا تاريخيا وثقافيا يتجاوز حدود العرض الفني.
    إن مثل هذه المبادرات تسهم في التعريف بالإبداع المغربي داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وتفتح جسورا للحوار الثقافي بين الشعوب، وتؤكد أن الفنان المغربي سفير لبلده بقيمه الجمالية وتراثه وهويته.
    كل التحية للفنانين المغاربة المشاركين، وللجهات المنظمة، وللأستاذ لطيف كاسيدي على هذا الجهد الإعلامي والثقافي الذي يوثق لحضور المغرب في المحافل الدولية، ويعزز صورة المملكة كبلد غني بتنوعه الثقافي وإبداعه الفني.

    • لطيف says:

      الأخت حنان .. أشكرك جزيل الشكر على قراءتك المتأنية وتفاعلك الراقي مع مضمون المقال، ويسعدني كثيرًا ما عبرت عنه من تقدير لرسالة المعرض ودوره في إبراز الحضور الثقافي المغربي دوليًا. كما أوافقك الرأي تمامًا بشأن أهمية تمثيل البلد أحسن تمثيل، فالفن بالفعل يظل من أنجع وسائل القوة الناعمة التي تعكس غنى الهوية المغربية وتنوعها، وتعزز جسور التواصل مع الآخر. إن مثل هذه المبادرات تكتسب قيمتها الحقيقية من وعي متلقي يدرك عمقها وأثرها، فلكم مني خالص الامتنان والتقدير. تحياتي ومودتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist