استرايجية ” حبة السم” : اوعندما تغتال الديمقراطية نفسها(1)

محمد نجيب زغلول

تقديم:

تقوم الديمقراطية على منطق بسيط: أن يترجم الممثَّلون إرادة الشعب إلى قوانين لصالح الشعب والوطن. ومع ذلك، تُظهر مجموعة متنامية من الأبحاث الحديثة كيف يمكن لآليات الأنساق الديمقراطية نفسها – الانتخابات، والتدابير البرلمانية، والاستفتاءات – أن تُفرز نتائج تتناقض مع الإرادة الشعبية التي وُجدت أصلاً للتعبير عنها. وهذه ليست مسألة هامشية أو شكلية، بل هي خاصية بنيوية متأصلة في بعض المؤسسات القائمة على حكم الأغلبية، ويربطها الباحثون بشكل متزايد بموجة الشعبوية السياسية المتنامية والتي تعيد تشكيل حيز هام من السياسة الغربية.

—–الحلقة الأولى—–

حين تصوت أغلبية ممثلي الأمة ضدا على إرادة كتلتها الناخبة:

تعود الصيغة الإجرائية لهذا الاشكال/التناقض ما بين الأنساق الديمقراطية والنتائج إلى القرن الثامن عشر و تعرف بمفارقة كوندورسيه “Condorcet paradox” ، والتي تُبيّن أن حكم الأغلبية متناقض في جوهره: فمن المستحيل منطقياً لأي نظام تصويت أن يضمن فوز خيار يحظى بدعم الأغلبية، لأن الأغلبية قد تُفضّل الخيار “أ” على “ب”، و”ب” على “ج”، ثم تُفضّل “ج” على “أ” في الوقت نفسه. النتيجة: “أ” يهزم “ب” بطريقة ديمقراطية، و”ب” يهزم “ج” بطريقة ديمقراطية ، لكن “ج” يهزم “أ” و أيضا بطريقة ديمقراطية! وهكذا ندور في دائرة مغلقة بلا فائز واضح تماماً كلعبة “حجر- ورقة-مقص”، حيث كل خيار يهزم خياراً ، ويُهزم من طرف خيار آخر. هذا يعني أن الأغلبية، كمجموع تفضيلات، يمكن أن تكون “غير متسقة” “intransitive” أي كمصدر فعل ديمقراطي ينتهي عند الفاعل. ولأن هذا ممكن نظرياً، فيمكن التلاعب بترتيب التصويت على التعديلات ومشروعات القوانين (مثلاً في البرلمان) أن يحدد النتيجة النهائية للوصول إلى نتيجة محددة سلفًا؛ وهي الفكرة التي يعبر عنها ب “حبة السم” “Poison Pill“.

وعلى مستوى الممارسة البرلمانية، حيث تُستغل هذه الاستراتيجية عمداً لإسقاط أي مشروع قانون لا يتوافق مع مصالح الاغلبية المستحوذة على البرلمان وذلك باعتماد «تعديل سام» “Poison Pill Ammendement” والذي بمقتضاه يتم إفشال مشروع قانون يحظى بشعبية واسعة لدى الكتلة الناخبة من خلال إقرار تعديل يحظى هو الآخر بشعبية “ممثلي” الأمة ضدا على ارادة الناخبين الذين يمثلونهم، وهو تناقض منطقي يشكل الأساس المتعمد لما يُعرف بـ “التعديل السام”، والذي يُستخدم لإسقاط تشريعات كان من الممكن أن تُعتمد. وما حصل في مجلس المستشارين في لاما يتعلق بمشروع قانون المحروقات وتأميم لاسامير خلال الشهر الجاري خير دليل .

وعموما فالمفارقة تكشف أن “إرادة الأغلبية” ليست بالضرورة كياناً واحداً متسقاً يمكن قياسه بسهولة مما يفتح الباب للتلاعبات الإجرائية في البرلمان كما ان التعديلات البرلمانية “السامة” تُستَخدم لإسقاط تشريعات لا تراعي مصلحة اللوبيات البرلمانية والتي تدافع عن مصالحها الضيقة عوض أن تدافع عن المصلحة العامة للمواطنين الذين صوتوا عليهم. وبعبارة أخرى، يمكن للبرلمانات أن تُصوّت ضد ما يريده الشعب فتنتج الديمقراطية نقيضها بأدوات ديمقراطية وقانونية ، وذلك عبر التصويت بالأغلبية في الجلسات العامة أو من خلال التحكم في ترتيب التصويت – وهي حيلة إجرائية تبدو ديمقراطية تُفرز نتيجة مناقضة للديمقراطية.

التمثيلية المزورة والفجوة الأيديولوجية بين الناخبين وممثّليهم:

أبرز النتائج التجريبية الموثَّقة حديثاً تتعلق بفجوة أيديولوجية منهجية بين الناخبين وممثّليهم – لا كظاهرة إجرائية عابرة-، بل كنمط بنيوي مستمر يعكسه العزوف المتنامي للناخبين عن صناديق الاقتراع واكتشاف زيف اللعبة الديمقراطية التي تؤطرها “ديمقراطية” صناديق الاقتراع والتي تفرز ناخبين مزيفين يقوضون أسس الديمقراطية الحقيقية ويشرعون قوانين ويصادقون على سياسات عمومية تناقض الإرادة الشعبية ويتموقعون طبقيا مع الاوليغارشية الحاكمة ولوبيات المال والأعمال ضدا على ما يصبوا إليه وما كان يطمح إليه الشعب، ما يجعلنا أمام مفارقة تنتج الديمقراطية بموجبها نقيضها عبر أدوات قانونية ومن داخل المؤسسات التي من المفروض أن تكون حامية للديمقراطية عوض تقويضها وسن قوانين تحمي الفساد وتدعم دعما سياسيا وقانونيا وماليا الطبقة البرجوازية المتحكمة في القرار السياسي في غياب/حياد سلبي متزايد للدولة وتراجعها عن لعب دورها في خلق التوازن المطلوب بين المؤسسات التشريعية والتنفيذية ودور التحكيم في كل ما يتعلق بكل اشكال الشطط الناتج عن الهيئة التنفيذية والسياسات العمومية الصادرة عنها. ولقد سبب تراجع الدولة وحيادها السلبي تنامي الفجوة بين الشعب وممثليه في المؤسسات التي أضحت صورية وتآكلت مصداقيتها ما دامت لا تعبر عن مطالب الشعب وطموحاته الاقتصادية والسياسية.

كما أن هذه الفجوة لا يمكن تفسيرها فقط بالاختلافات الديمغرافية بين الناخبين والنواب كصراع أجيال، ولا بنقص المعرفة السياسية لدى الناخبين والعامة. وتُظهر عدة دراسات أن الأحزاب الشعبوية اليمينية منها واليسارية والإسلامية تسعى جادة لملء هذه الفجوة في التمثيل الديمقراطي وهو ما يعني أن “الانفصال” البرلماني عن هموم الشعب وقضاياه هو ما يُولِّد الطلب على أحزاب شعبوية تتقن الركوب على موجة الاستياء الشعبي، في غياب معارضة حقيقية متكتلة وفاعلة في المجتمع تسعى إلى استعادة الإرادة الشعبية المغيبة والإنصات لاحتياجاتها كلما حل زمن الخصوبة السياسي. وتشير بعض الدراسات والاستطلاعات في المغرب إلى وجود فجوة بالنسبة للتمثيلية السياسية تتمثل اساسا في انخفاض الثقة بالمؤسسات المنتخبة، وشعور فئات من المواطنين، خاصة الشباب، بأن أولوياتهم لا تنعكس بصورة كافية في السياسات العمومية كما عبروا عنها سواء خلال 20 فبراير أو في حراك الريف وانتفاضات جيل “ز”. ومن الملاحظ تنامي هذه الفجوة التمثيلية بين المواطنين/الناخبين والنواب/الممثلين في اغلب القضايا الاجتماعية الأساسية التي تتفاداها النخب البرلمانية إما بالغياب أو الامتناع أو التصويت ضدها أحيانا (كالتصويت ضد تسقيف أسعار المحروقات مثلا).

واشارت بعض الدراسات الاستطلاعية حول مؤشرات الثقة الصادرة عن باحثين ومراكز مغربية إلى تدني مستويات الثقة في المؤسسات التمثيلية من طرف المواطنين وخصوصا الشباب وهو ما يُفسَّر غالباً بوجود قناعة أن المنتخبين لا يدافعون عن أولويات المواطنين بينما يدافعون عن مصالحهم أساسا. وكل المعطيات الحديثة تشير، أيضا، إلى استشراء الفساد بالمؤسسات ، اذ يكفي مثالا أن يقبع ما يعادل تقريبا فريقا برلمانيا من ممثلي الأمة بمختلف السجون المغربية… وما تبقى من النواب تحت القبة كانوا ولازالوا يتفادون أساسا إثارة الملفات الحساسة، او تلك التي تمس مصالح رجال المال والأعمال الذين لهم نفوذ واسع وأياد طولى في الهيئة التنفيذية والتشريعية. مما يجعل العديد من القضايا الجوهرية التي تهم المعيش اليومي للمواطنين دون تبن من طرف ممثلي الامة بالبرلمان، كتسقيف أسعار المحروقات، او دعم مالي محترم يحفظ كرامة العائلات المعوزة، أو تخفيض أسعار المواد الغذائية أو سن سياسة تشغيل تقلص تنامي البطالة لدى الشباب وخريجي الجامعات وغيرها من السياسات الاجتماعية كغائب رئيسي في برنامج ما سمي ب”الدولة الاجتماعية” للحكومة الحالية، إلا أن عكس ذلك هو ما حصل في العديد من القضايا مما أدى إلى سياسات عمومية تجاهلت ارتفاع أسعار المحروقات، وتقلصت بها مناصب الشغل ، وتجاهلت الغلاء الفاحش للأسعار، واعرضت عن إصلاح أنظمة التقاعد، و دعمت بملايير الدراهم كبار الإقطاعيين لتصدير خيرات المغرب ، كما دعمت دعما ماليا مباشرا وضريبيا لكبار الملاكين ورجال الأعمال لاستيراد الأغنام واللحوم، وسحبت قانون الاثراء وجرمت التبليغ عن المفسدين وعدلت السياسات الضريبية لفائدة رجال المال والأعمال وبالموازاة تشير التقارير إلى منحى تصاعدي لإفلاس المقاولات الصغرى والمتوسطة منذ 2022 والتي تتجاوز 12 ألف إلى أكثر من 14 ألف حالة سنوياً في السنوات الأخيرة مع ضغط قوي على المقاولات الصغيرة جداً والصغرى و التي تجاوزت نسبة إفلاسها، حسب انفو ريسك Inforisk، 90% خلال ولاية الحكومة الحالية.

وغالباً ما تظهر استطلاعات الرأي أو النقاشات العامة مستويات عالية من الاستياء الشعبي في ما يتعلق بهذه الملفات، بينما تتبنى الحكومة وأغلبيتها البرلمانية خيارات التغاضي والتجاهل دفاعا عن مصالحها وضدا على ارادة الناخبين مما يثبت تلقائياً وجود “استحواذ مزدوج للنخب” على الهيئتين التشريعية والتنفيذية في غياب معارضة شعبية وازنة وحقيقية تغلب ميزان القوى لصالح المصلحة العامة ولتفعيل الارادة الشعبية عبر ديمقراطية حقيقية. وإضافة إلى الضعف التنظيمي الذي تتسم به المعارضة الحقيقية والذي لا يؤهلها لصناعة آلة انتخابية تمكنها من التغلغل داخل المؤسسات، نلاحظ غياب دعم مادي من الدولة للأحزاب الصغرى سواء من اليمين أو اليسار وعدم تبني الدولة للصرامة الزجرية للتصدي خلال الانتخابات لمحاربة الرشوة وإفساد اللعبة الانتخابية مما يفاقم الفجوة التمثيلية كما نعهدها.

——يتبع——

المراجع:

1. Condorcet paradox, Wikipedia (2026). https://en.wikipedia.org/wiki/Condorcet_paradox
2. Guenther, L IDEAS/RePEc working paper (2026). “Political Representation Gaps and Populism,” https://ideas.repec.org/p/hal/wpaper/hal-05493259.html
3. International IDEA, Designing Resistance: Democratic Institutions and the Threat of Backsliding. https://www.idea.int/publications/catalogue/designing-resistance-democratic-institutions-and-threat-backsliding
4. “How Similar Are Elected Politicians and Their Constituents? Quantitative Evidence From Online Social Networks,” arXiv preprint. https://arxiv.org/pdf/2407.03255
5. “Does populist voting rise where representative democracy is systemically failing?” ScienceDirect (2023).https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S026137942300080X
6. Dionne, E.J. Jr. et al. “Europe’s fractured politics and what they reveal about democracy,” Brookings (2026). https://www.brookings.edu/articles/europes-fractured-politics-and-what-they-reveal-about-democracy/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist