بقلم: دافني بوساداس
ترجمة: لطيف كاسيدي
تعد بطولة كأس العالم 2026 واحدة للتاريخ لأنها بطولة مليئة بالسوابق: فهي الأولى التي تقام في ثلاث دول مختلفة (الولايات المتحدة والمكسيك وكندا)، والأولى التي تضم 48 منتخبا، والأولى التي تستضيف فيها دولة (وهي المكسيك) كأس العالم ثلاث مرات، والأولى التي يفتتح فيها ملعب واحد (وهو ملعب أزتيكا) البطولة للمرة الثالثة، والأولى التي ستتضمن عرضا موسيقيا في الاستراحة بين الشوطين (على شاكلة الألعاب الأمريكية)، وكذلك الأولى التي لم تبن فيها ملاعب مخصصة للمناسبة منذ دورة الولايات المتحدة 1994. وبالرغم من أن هناك العديد من القصص التي تستحق التغطية خلال كأس العالم، دعنا نتحدث عن الملاعب.

تواجه بطولات كأس العالم، مثلها مثل كثير من المنافسات الكبرى، انتقادات بسبب اعتمادها الكبير على التمويل الحكومي، إذ بعد مغادرة الجماهير والأنصار، يبقى المواطن هو من يتحمل التكلفة.
ففي معظم هذه البطولات الدولية، يكون النموذج هو بناء الملاعب أولا لغرض الاستضافة، ثم التفكير لاحقا في كيفية استخدامها، وهنا يذهب الجزء الأكبر من التمويل: فقد بنت جنوب أفريقيا ملعب كيب تاون من الصفر عام 2010، وهو بالكاد يصمد اليوم، تحت اسم جديد هو ملعب دي أش إيل، يستعمل كموقع لمباريات الكرة المستطيلة و بعض الحفلات الموسيقية؛ أما البرازيل، التي إستضافت الكأس سنة 2014، فقد أنفقت أكثر من 3 مليارات دولار على 12 ملعبا، وختمت الأمر ببناء أغلى ملعب وهو ملعب ماني غارينشا في برازيليا، التي لا تتوفر على ناد كبير، ليتم استعماله حاليا كموقف للحافلات.

لكن هذه المرة، لم يبن أي ملعب خصيصا للمناسبة، فجميع الملاعب كانت موجودة: ملاعب دوري كرة القدم الأمريكية في الولايات المتحدة، وملاعب كرة القدم في المكسيك، ومرافق متعددة الاستخدام في كندا ليبدو الأمر وكأنها النسخة الأكثر مسؤولية. ولو أنه يبدو أن نسخة 2026 قد كسرت هذا النمط، على الأقل مؤقتا، فإن بطولتي 2030 و2034 القادمتين قد بدأتا بالفعل في التحضير، وتشملان بناء ملاعب جديدة.
ومع كل هذا فإن الاستضافة لا تزال مكلفة، حتى بدون بناء ملاعب. خذ مثلا مونتيري، حيث الملعب مملوك للقطاع الخاص وتم تجديده بواسطة شركة التنمية الاقتصادية المكسيكية، شركة مساهمة عامة ذات رأسمال متغير تعرف اختصارا بفيمسا؛ وبالرغم من كل هذا صرفت الأموال العامة في أماكن أخرى.

فقد أنفقت إدارة حاكم ولاية نويفو ليون، صمويل غارسيا، مليارات البيزو على مترو المدينة (25 مليار بيزو) لإنشاء ثلاثة خطوط جديدة لنقل الجماهير من المطار إلى الملعب، لكنها لن تكتمل قبل عام 2027، أي بعد عام من مغادرة الجماهير. وقبيل انطلاق البطولة بأسابيع، أقامت الحكومة جدرانا على طول الطرق التي سيسلكها السياح لإخفاء الأحياء الفقيرة، مما دفع بالسكان المحليون أن يطلقوا عليها اسم “جدران العار”. إنها صورة مصغرة لمنطق البطولة بأكمله: إخفاء ما لا ترغب في أن يراه العالم. وهذا ليس جديدا؛ فإخفاء الفقراء قبل وصول الحشود الدولية عادة قديمة في الألعاب الأولمبية.
من جهة أخرى، يفترض كثيرون أن تمويل الملاعب يأتي من المال الخاص كون معظمها اليوم تحمل أسماء شركات، لكن الأمر ليس كذلك البتة. فمعظم ملاعب الولايات المتحدة المستضيفة لكأس العالم مملوكة للقطاع العام، وكذا الملاعب الكندية عامة، فقط الملاعب الثلاثة في المكسيك خاصة. للتوضيح، فمن بين الثلاثون ملعبا الذي يستضيف عادة فرق دوري كرة القدم الأمريكية، فقط ثلاثة منهم بنيت بأموال خاصة، أما البقية فقد حصلت على دعم حكومي، رغم الأسماء التجارية التي تحملها هذا النموذج لم يكن دائما هكذا، فعلى مدى جزء كبير من القرن الماضي، كانت الملاعب تبنى وتدار من طرف الأموال الخاصة، وكان تمويلها من القطاع العام أمرا يكاد لا يتصور، لذلك فإن هذا التحول حديث نسبيا. وكما يوضح المؤرخ فرانك أندري غوريدي في كتابه “الملعب”، فإن الملاعب التي كانت تحمل أسماء الأماكن والقصص المحلية أصبحت لوحات إعلانية للشركات. وغالبا ما يعزى هذا التحول إلى عام 1985، عندما باع المطور غريغ لوكنبيل من ساكرامنتو حقوق تسمية ملعب فريق كينغز الجديد لشركة أتلانتيك ريتشفيلد، ليصبح بعد ذلك ملعب آركو، هذا بالرغم من أن فكرة حقوق التسمية تعود إلى ما قبل ذلك، إلى ملعب ريتش في بوفالو عام 1973. أما اليوم فيكاد لا يخلو ملعب من راع تجاري.

سؤالنا هنا، إذا كانت الملاعب تحمل أسماء الشركات، فلماذا لا نراها خلال كأس العالم؟ لأن الفيفا تحتم إخفائها لمدة ستة أسابيع حيث لا يسمح لأي ملعب باستخدام اسمه التجاري خلال البطولة. هكذا يصبح ملعب ميت لايف ملعب نيويورك/نيوجيرسي، و صوفي يتحول إلى ملعب لوس أنجليس، وأي تي أن تي يتحول إلى ملعب دالاس، وليفايس في سانتا كلارا يصبح ملعب منطقة خليج سان فرانسيسكو (رغم أنه يبعد عن المدينة بنحو 45 دقيقة)، وجيليت يسمى ملعب بوسطن، أما في ملعب أتلانتا، فقد أخفت الفيفا شعارات مرسيدس بنز لكنها سمحت باستثناء واحد وهو ترك النجمة العملاقة في وسط السقف القابل للفتح، إذ إن إزالتها قد تعرض الهيكل للخطر
ربما لاحظتم مدى إبداع فرق التسويق في إخفاء العلامات التجارية. هذه هي سياسة “الملاعب النظيفة” لدى الفيفا، التي تمنع أي إعلان غير مرتبط بشركاء الفيفا الرسميين، حتى لا تزاحم رعاة المباني رعاة البطولة. لذلك انسحبت بعض المدن من الاستضافة بدلا من قبول هذه الشروط، مثل مينيابوليس وشيكاغو وغلينديل. أما المدن التي بقيت، فقد راهنت على الفوائد الموعودة، حتى عندما تقع التكلفة على دافعي الضرائب أو المستثمرين
لنتحدث عن ملعب أزتيكا الأسطوري، أو كما سيسمى خلال الأسابيع الستة: ملعب مكسيكو سيتي
استضافت المكسيك كأس العالم في 1970 و1986 و2026، وخلال الدورات الثلاث افتتحت البطولة هناك، غير أن سجل أزتيكا يمتد إلى أبعد من ذلك. فقبل أول كأس عالم بعامين، استضاف بطولة كرة القدم في أولمبياد 1968 وهي أول دورة أولمبية تقام في أمريكا اللاتينية
في هذا الملعب، خلال ربع نهائي 1986 ضد إنجلترا، سجل دييغو مارادونا هدف ما سمي ب “يد الإله” أو”هدف القرن”، وفازت الأرجنتين 2-1 حيث لم تكن المباراة مجرد كرة قدم، بل لحظة سياسية، إذ كانت الأرجنتين قد خسرت حرب جزر فوكلاند قبل أربع سنوات، وكانت المباراة مشحونة بالمشاعر. ورغم خسارة الجزر، فإن هدف مارادونا بيده، الذي كان سيلغى اليوم بتقنية الفيديو، قاد الفريق إلى الفوز، ثم إلى إحراز اللقب على حساب ألمانيا الغربية
وشهد ملعب أزتيكا أيضا الأسطورة بيليه، المهاجم البرازيلي الذي فاز بثلاث بطولات كأس عالم ويعتبر على نطاق واسع الأفضل في التاريخ، وهو يرفع الكأس عام 1970. كانت تلك آخر مرة تسمى فيها الكأس “جول ريميه”، نسبة إلى رئيس الفيفا الذي أسس البطولة. وخلال تلك البطولة احتفظت البرازيل بالكأس للأبد، قبل أن تسرق منه لاحقا في ريو ولا تستعاد المبنى نفسه الذي صنع مجد بيليه ومارادونا تم تمويله في منتصف الستينيات جزئيا عبر بيع مقصورات خاصة بعقود تمتد 99 عاما، تضمن لأصحابها حضور كل المباريات والفعاليات حتى عام 2065 وهناك ما يقارب 800 عائلة تملك هذه الحقوق. وعندما سلم الاتحاد المكسيكي ملعبا “نظيفا” للفيفا، كان في الواقع يسلم حقوقا سبق بيعها قبل عقود، ومن أجل ذلك دفع مالك الملعب، مجموعة أولاماني، 62.4 مليون دولار للفيفا لإبقاء أصحاب المقصورات في أماكنهم، لكن ذلك لم يكن كافيا، فقبل انطلاق البطولة بأيام، حكم قاض فدرالي لصالح الفيفا وعلق مطالب المالكين
ولمدة ستة أسابيع، اضطر أصحاب حقوق الملكية إلى شراء حق الدخول من جديد وفق شروط الفيفا، في انتهاك كامل لحقوقهم، وكان من يقود نضالهم هو مانويل نيغريتي، الذي سجل في 15 يونيو 1986 هدفا مقصيا شهيرا في نفس الملعب؛ لكنه بعد 40 عاما، وجد نفسه يقف عند البوابة طالبا الدخول
لكن ليس كل شيء سلبي بالنسبة للمدن المضيفة، ففي أتلانتا، مثلا، أفادت الشرطة بانخفاض الجريمة بنسبة 8% خلال الأسبوع الأول من البطولة، خلافا للزيادة المعتادة في الصيف. ملعب أتلانتا في ملك ولاية جورجيا ويديره آرثر بلانك، أحد مؤسسي مخازن هوم ديبوت ومالك فريقي فالكونز وأتلانتا يونايتد، والذي اشتهر بالحفاظ على أسعار المأكولات منخفضة داخل الملعب. وقد اكتست المدينة باللون الأحمر عندما لعبت إسبانيا مباراتين فيها، وكان ركوب قطار مارطا إلى المباراة تجربة حماسية، مع جماهير تهتف لـ “لا روخا” أي الحمراء وهو لون الفريق الإسباني
في 15 يونيو، بعد 40 عاما بالضبط من هدف نيغريتي، كان المشجعون مستعدين لمشاهدة إسبانيا تسجل أهدافا كثيرة ضد الرأس الأخضر، وهي دولة من عشر جزر يقل عدد سكانها عن منطقة أتلانتا الكبرى، وتشارك لأول مرة في كأس العالم. لكن ما حدث هو أن حارس مرمى يبلغ 40 عاما يعرف باسم “فوزينيا” تصدى ببراعة وأجبر أبطال أوروبا على التعادل، وصنع تاريخه الخاص وبعد ستة أيام، سجلت إسبانيا أربعة أهداف في مرمى السعودية على نفس الملعب، وأرضت الجماهير أخيرا، عندما سجل النجم الشاب لامين جمال أول أهدافه في كأس العالم
من داخل ملعب أتلانتا، يبدو المشهد مثاليا: الموسيقى، الهتافات، العشب الأخضر، الجماهير من كل أنحاء العالم، والتاريخ الكروي
الذي يصنع أمامك. كل ذلك يجعلك تنسى الجدل والفاتورة التي ستواجهها لاحقا.