لم يتوقع أحد أن تبرز مسيرة منتخب الرأس الأخضر في كأس العالم على هذا النحو، لا في المرحلة الأولى، ولا بهذا المستوى من المنافسة، وبالتأكيد لا أحد كان يظن أنه سيصل إلى الأدوار الإقصائية. ومع ذلك، وبإصرار هادئ وانضباط دقيق أصبح الأمر واقعا حيث يواصل المنتخب الملقب بـ”أسماك القرش الزرقاء” حضوره اللافت في هذه الكأس
وكان التعادل السلبي أمام المنتخب السعودي كافيا لضمان التأهل إلى دور الـ32، ليتوج مسيرة في دور المجموعات تحولت إلى إحدى أبرز مفاجآت بطولة كأس العالم 2026، خاصة وأن المنتخب يحتل المركز السابع والستين في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم، ليتجاوز بهذا الإنجاز حدود التوقعات التقليدية لكل من المختصين والمهتمين
وقد ارتكز هذا النجاح على الصلابة الدفاعية والانضباط التكتيكي كما رأينا، إذ لفت منتخب الرأس الأخضر الأنظار لأول مرة إثر تحقيق نتيجة مفاجئة أمام إسبانيا، في مباراة برز فيها الحارس المخضرم فوزينيا، البالغ من العمر 39 عاما ، بشكل استثنائي. فقد قدم أداء رفيع المستوى، تصدى خلاله لعدة محاولات خطيرة، مستفيدا من خبرته الطويلة وقدرته على الحفاظ على هدوء الفريق في اللحظات الحاسمة
وينحدر فوزينيا، وإسمه الكامل خوسيمار خوسيه إيفورا دياس، من مدينة مينديلو بجزيرة ساو فيسنتي، ويعد من أبرز الأسماء في تاريخ كرة القدم في بلاده بعد مسيرة احترافية شملت أندية في أنغولا ومولدوفا والبرتغال وقبرص وسلوفاكيا. وتمثل قيادته عنصر توازن داخل الفريق، حيث يجمع بين الخبرة والانضباط والقدرة على توجيه زملائه في المواقف الدقيقة
تجدر الإشارة أن والدا فوزينيا كانا يرغبان في تسميته فالدانو تيمنا بلاعب الأرجنتين خورخي فالدانو، لكن سلطات الرأس الأخضر لم تسمح بذلك، فأُطلق عليه جده، وهو من رباه، إسم جوسيمار، تيمنا بجوسيمار هيجينو بيريرا، الظهير الأيمن لمنتخب البرازيل في كأس العالم لكرة القدم 1986، وهو الإسم الذي ظل يستعمل إلى أن انتقل إلى أنغولا، واضطر إلى تغييره حيث كان هناك حارس مرمى آخر يدعى أيضا جوسيمار
وتواصل الأداء المتميز للرأس الأخضر في التعادل 2-2 أمام الأوروغواي، وهي نتيجة أكدت أن حضوره في البطولة ليس رمزيا فقط، بل قائم على أسس فنية واضحة وجهد كبير من طرف طاقم الفريق برمته
وفي الخط الخلفي من الملعب، يبرز المدافع ستيفن موريرا، لاعب نادي كولومبوس كرو بالولايات المتحدة، الذي شكل عنصرا محوريا في التنظيم الدفاعي ولعب دورا أساسيا في تماسك الفريق. وقد شارك موريرا، البالغ من العمر 31 عامًا، في جميع دقائق المباريات حتى الآن، مقدما أداء يتسم بالانضباط والصلابة. وعلى الرغم من ولادته في فرنسا، فإنه يمثل الرأس الأخضر دوليا، وقد تجاوزت عدد مشاركاته الدولية العشرين مباراة
وتعكس مساهمات موريرا وفوزينيا معا هوية المنتخب، القائمة على التنظيم والقدرة على مجاراة خصوم أكثر تصنيفا
غير أن مشوار الفريق غير المتوقعة بقدر ما هي لامعة تبدو صعبة جدا حيث سيواجه منتخب الرأس الأخضر في دور الـ32 تحديا كبيرا، حين يلتقي مع منتخب الأرجنتين، حامل اللقب، بقيادة نجمه ليونيل ميسي، وذلك في الثالث من يوليو بمدينة ميامي بفلوريدا. ورغم الفوارق الفعلية والنظرية بين المنتخبين، فإن فريق الرأس الأخضر يتجاوز التوقعات ولا يعبأ بالسيناريوهات المسبقة، لانه قد فاز مسبقا بوصوله إلى هذا الدور في أول مشاركة دولية له
بعيدا عن الملعب، يتردد صدى هذا الإنجاز بقوة في الرأس الأخضر، وهي دولة جزرية تقع قبالة الساحل الشمالي الغربي لأفريقيا، وتتكون من أرخبيل مؤلف من عشر جزر بركانية في وسط المحيط الأطلسي. في هذه الجزر التي يبلغ عدد سكانها ما يزيد قليلا عن نصف مليون نسمة تسير الحياة بإيقاع مختلف، تشكله أمواج الأطلسي وتعيش على الخدمات مثل التجارة والسياحة نظرا لإنعدام الموارد الطبيعية، وروح مجتمعية قوية تمتد عبر جالية واسعة من السكان الدين يعيشون في السنغال والبرازيل
وتبقى كرة القدم اللغة التي توحد الجميع مثلها مثل باقي دول العالم الثالث. فمن ملاعب الأحياء البسيطة إلى التجمعات المزدحمة لمتابعة المباريات، تعد اللعبة متنفسا وتعبيرا عن الرغبة الوطنية بالرغم من محدودية الإمكانيات وانعدام البنية التحتية. وقد انضم إلى الاتحاد الأفريقي لكرة القدم عام 1986، ثم إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 2001. وحسب اتحاد الرأس الأخضر لكرة القدم، ينقسم دوري كرة القدم بالرأس الأخضر إلى أحد عشر قسما، سبعة منها تضم كل منها جزيرة واحدة، واثنان يضم كل منهما جزيرتين
اذن، بالنسبة لدولة بهذا الحجم، فإن مجرد التأهل يعتبر إنجازا تاريخيا، أما بلوغ الأدوار الإقصائية فقد حول هذا التاريخ إلى ما يشبه الأسطورة
ومع استعداد أسماك القرش الزرقاء لمواجهة الأرجنتين، فإنهم لا يحملون معهم الشغف و الإصرار فقط، بل يحملون آمال أمة تجاوزت كل التوقعات، وربما لم تقل كلمتها الأخيرة بعد خاصة بعدما رأينا خروج عمالقة كرة القدم مثل هولندا المصنفة السابعة عالمياً من قبل الفيفا، وألمانيا المصنفة الثانية عشرة


