مقدمة
في ظل الحديث العالمي المتزايد عن الانتقال الطاقي والاعتماد على الطاقات المتجددة، تشير تقارير حديثة إلى أن النفط سيظل يشكل حوالي ثلث الطاقة العالمية إلى غاية سنة 2050. وفي هذا السياق، يستهلك المغرب اليوم عشرات الملايين من الأطنان من المحروقات، ما يفرض ضرورة التفكير في كيفية تأمين هذه الحاجيات على المدى المتوسط والبعيد. غير أن الوضع الحالي يتسم بما يمكن تسميته بـ”الهشاشة الطاقية”، حيث أصبح المغرب يعتمد بشكل شبه كلي على السوق الدولية، مما يجعله عرضة لتقلبات الأسعار وعدم وضوح الرؤية المستقبلية في هذا المجال.
___الحلقة الرابعة والأخيرة___
الأبعاد الاقتصادية والقانونية و الجدل الحالي حول إعادة تشغيل سامير:
دخل ملف سامير في مسار قضائي معقد، خاصة بعد تراكم ديون ضخمة على الشركة. وتتحمل عدة أطراف مسؤولية هذه الوضعية، سواء بسبب قرار الخوصصة أو ضعف المراقبة أو عدم احترام الالتزامات التعاقدية.وفي المقابل، ما تزال الكفاءات المغربية التي اشتغلت في المصفاة حاضرة، رغم خطر ضياع خبرات تراكمت لأكثر من ستة عقود .لا يزال ملف سامير يثير نقاشاً واسعاً، بين من يعتبر إعادة تشغيلها ضرورة وطنية لضمان الأمن الطاقي، ومن يرى أن كلفة إعادة التشغيل مرتفعة ويجب البحث عن بدائل أخرى. وفي هذا السياق، تشير المعطيات إلى أن إعادة تشغيل المصفاة ممكنة باستثمار إضافي يُقدّر بحوالي ملياري درهم، بعد اقتناء أصولها. كما يُؤكد بعض الفاعلين أن استمرار توقفها يخدم مصالح لوبيات تتحكم في سوق المحروقات، حيث تهيمن بضع شركات كبرى على نسبة كبيرة من السوق. كما أن تشغيل سامير كان من شأنه تقليل أسعار المحروقات، نظراً لاعتمادها على استيراد النفط الخام وتكريره محلياً.
واليوم، تعيش الشركة وضعية التصفية القضائية حيث صدر حكم بالتصفية القضائية سنة 2016. وتهدف التصفية القضائية إلى بيع أصول شركة سامير من أجل تسديد الديون، وليس بيع الديون نفسها. وتُقدّر قيمة أصولها بحوالي 21 مليار درهم. بمعنى أنه إذا كان هناك من يملك هذا المبلغ، يمكنه شراء أصول الشركة. ولو لم تكن هناك أرباح فاحشة في السوق، لكان بالإمكان شراء سامير مرتين. فإذا توفّر مبلغ 21 مليار درهم، يمكن شراء أصول سامير، أما الديون فلا علاقة للمشتري بها قانوناً.
أما بخصوص سامير، فإن شراء أصولها بقيمة 21 مليار درهم يعني اقتناءها خالية من الديون والرهون .وباستثمار إضافي يُقدّر بحوالي ملياري درهم، يمكن إعادة تشغيلها لتصبح قادرة على الإنتاج. ولو كانت سامير تشتغل سنة 2022، لحققت أرباحاً صافية تُقدّر بمليار دولار، أي عشرات المليارات من الدراهم. لكن هذه الأرباح لا تُذكر، بل يتم التقليل من أهميتها ضربا بعرض الحائط تدهور القدرة الشرائية للمواطنين ، وتأزيم الوضع بارتفاع الاسعار. وهنا أطرح تساؤلاً: نحن اليوم نشاهد ثروة وطنية تُقدّر بـ21 مليار درهم تضيع يوماً بعد يوم، في وقت يحتاج فيه المغرب بشدة إلى هذه المنشأة. كما أن ذلك يضر بالتوازنات الطاقية للبلاد. فهل ننتظر حكماً قضائياً قد يكون ضدنا، لنجد أنفسنا ملزمين بأداء 15 مليار درهم كغرامات، إضافة إلى ضياع أصول الشركة؟ وهكذا سنكون أمام ثلاث خسائر: ضياع الأصول، والغرامات، وخسارة سنوات من الإنتاج. لذلك، أؤكد أن على السيد وزير العدل مراجعة موقفه، وأدعوه للاطلاع على تقرير مفصل يتضمن كل المعطيات والأرقام المتعلقة بالملف. أما العاملون في سامير، فهم ما زالوا يحضرون يومياً، ويُسجّلون حضورهم صباحاً ومساءً، ومن يتغيب يُخصم من أجره. وهذا يدل على أن الكفاءات المغربية لا تزال موجودة، وهي جزء أساسي من حل المشكلة. لكننا نخسر يوماً بعد يوم هذه الكفاءات البشرية التي لا تُقدّر بثمن، والتي تكوّنت على مدى 62 سنة،
تمثل قضية سامير نموذجاً واضحاً لأهمية التخطيط الاستراتيجي في القطاعات الحيوية، وضرورة تحقيق التوازن بين دور الدولة والاستثمار الخاص. وفي ظل التحديات الطاقية العالمية، يبقى إيجاد حل لهذا الملف أمراً ضرورياً لحماية الأمن الطاقي للمغرب، وتقليل التبعية للأسواق الدولية، خاصة في ظل تزايد الأزمات والتقلبات الاقتصادية.
النقاش السياسي حول سامير داخل مجلس المستشارين:
انتقل ملف سامير وأسعار المحروقات، في يونيو 2026، إلى قلب النقاش البرلماني، حين تمكنت مكونات المعارضة والنقابات بلجنة المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية بمجلس المستشارين، يوم 9 يونيو، من تمرير مقترحي قانونين كانا مجمدين منذ سنة 2022. يهدف المقترح الأول إلى تنظيم أسعار المحروقات عبر إخراجها من لائحة المواد المحررة الأسعار وتسقيفها، بينما يرمي المقترح الثاني إلى تفويت جميع أصول وممتلكات شركة “سامير” لفائدة الدولة، مطهرة من الديون والرهون والضمانات، تمهيداً لإعادة تشغيل المصفاة. وقد مرّ المقترحان داخل اللجنة في جلسة شهدت غياباً لافتاً لأغلبية مستشاري الفرق الحكومية، باستثناء رئيس اللجنة المنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة، في حين دعمتهما بقوة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل التي تقدمت بهما أصلاً.
غير أن هذا التمرير “اللجنوي” أحدث ما وصفه بعض المتتبعين بـ“الزلزال”، فتحركت الحكومة وفرق أغلبيتها، إلى جانب الاتحاد العام لمقاولات المغرب، لمواجهة المقترحين في الجلسة العامة التي انعقدت يوم 16 يونيو 2026. و التي انتهت بالتصويت برفض المقترحين بأغلبية 29 صوتاً مقابل 10 أصوات فقط، وامتناع مستشار واحد عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وتوزعت الأصوات المؤيدة بين ثلاثة مستشارين عن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وثلاثة عن الاتحاد المغربي للشغل، وثلاثة عن حزب الحركة الشعبية، ومستشار واحد عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، في حين صوتت ضدهما فرق الأغلبية الحكومية مجتمعة، إلى جانب الاتحاد العام للشغالين بالمغرب.
خلف هذا التصويت ردود فعل سياسية متباينة. فمن جهة، اعتبر الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز، أن سقوط المقترحين يكشف “حكومة تضارب المصالح” وأحزاب أغلبية تناصر “اللوبيات المتحكمة في الاقتصاد الوطني” على حساب القدرة الشرائية للمواطنين. ومن جهة موازية، عبّرت أصوات معارضة، من بينها النائبة فاطمة التامني، عن استنكارها لما اعتبرته إسقاطاً “فاضحاً” لمقترحين يخدمان المواطنين أمام “لوبيات الريع والاحتكار”، بينما رأى قياديون في حزب العدالة والتنمية أن نتيجة التصويت تؤكد أن الأغلبية البرلمانية تسير في الاتجاه المعارض لخفض الأسعار وإعادة تشغيل سامير وتعزيز السيادة الطاقية.
في المقابل، حاول حزب الاستقلال، الذي كان قد تقدم في الولاية التشريعية السابقة بمقترحات مماثلة لتسقيف الأرباح وإرجاع أصول سامير للدولة، تبرير موقفه بالقول إن معارضته للمقترحين لا تعني رفضاً لخفض الأسعار أو تجاهلاً للقدرة الشرائية، بل تنبع من رؤية تعتبر أن حماية المستهلك ينبغي أن تتم دون استنزاف المال العام، وأن معالجة اختلالات السوق تكون عبر مراقبة الأرباح المفرطة ومحاربة الاحتكار، لا عبر العودة إلى نظام الدعم الشامل أو التسقيف المباشر. ويرى مراقبون أن هذا الموقف وضع الحزب، الذي يدعو أمينه العام نزار بركة إلى محاربة “تضارب المصالح”، كشف عن عورة الحزب السياسية لتموقعه مع اللوبيات وتبني خطاب سياسي انتخابوي لجلب اصوات الناخبين مما ورط الحزب في موقف محرج بعد تصويته إلى جانب الأغلبية في أول امتحان فعلي لهذا الخطاب المزيف داخل قبة البرلمان.
ويخلص متتبعون لأشغال الغرفة الثانية إلى أن حادثة التصويت تعكس مفارقتين أساسيتين: أولاهما هشاشة الأغلبية الحكومية التي لم يُنبهها إلا غياب مستشاريها في اللجنة، وثانيهما عجز المعارضة عن تحويل تماسكها “اللجنوي” إلى مكسب سياسي/تشريعي فعلي في الجلسة العامة. وتشير بعض الدراسات الاقتصادية، من بينها تقرير لمؤسسة “فيفاي كابيتال”، إلى أن الخسائر التراكمية المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن توقف مصفاة سامير منذ غشت 2015 وإلى متم النصف الأول من سنة 2026 تُقدَّر بنحو 197 مليار درهم، وهو رقم يغذي النقاش حول كلفة استمرار تعطيل هذه المنشأة الاستراتيجية.
خلاصة عامة:
يكشف مسار ملف سامير، منذ تأسيس المصفاة سنة 1959 وإلى يومنا هذا، أن القضية تجاوزت منذ زمن طويل البعد التقني المحض لتتحول إلى مرآة تعكس طبيعة العلاقة بين السلطة السياسية ومنطق السوق في المغرب. فقرار الخوصصة سنة 1996، وما تبعه من تراكم للديون وتوقف نهائي للإنتاج سنة 2015، لم يكن مجرد حادث اقتصادي عابر، بل أفرز واقعاً جديداً قوامه اعتماد شبه كلي على استيراد المحروقات المكررة، وهشاشة طاقية تتقاسم المسؤولية عنها عدة أطراف، من القرار السياسي الأصلي بالخوصصة إلى ضعف المراقبة اللاحقة.
وما أكده النقاش الأخير داخل مجلس المستشارين هو أن الإرادة السياسية لمعالجة هذا الملف تبقى موضع تجاذب حاد بين تيارين: تيار يدفع نحو تدخل الدولة لاسترجاع الأصول وتسقيف الأسعار باعتبار الطاقة قطاعاً سيادياً لا يمكن تركه بالكامل لمنطق السوق، وتيار آخر، تتبناه الحكومة وأغلبيتها، يفضل الإبقاء على آليات السوق الحر والتعويل على الحوار مع المتدخلين الاقتصاديين عوضاً عن التدخل التشريعي المباشر. وقد أظهر التصويت أن موازين القوى داخل الغرفة الثانية تميل حالياً لصالح هذا التيار الثاني، دون أن يعني ذلك إغلاق الملف، بل استمرار تجدده في كل محطة يشهد فيها السوق الدولي ارتفاعاً جديداً في أسعار النفط.
في النهاية، يبدو أن أي حل دائم لمعضلة سامير وأسعار المحروقات يتطلب أمرين متكاملين: أولاً، إرادة سياسية واضحة من طرف الدولة تحسم الخيار بين إعادة تشغيل المصفاة كأداة لاسترجاع السيادة الطاقية ومحاصرة اللوبيات النافذة في دواليب المؤسسات وأجهزة الدولة وتقليم أظافر المخزن الاقتصادي والذي هدد الدولة مباشرة بصيغة مبطنة ومباشرة من داخل قبة البرلمان بشل الاقتصاد الوطني عبر تحريض الفاعلين الاقتصاديين ورجال الأعمال الموالين له…. كما أن تعطيل البحث الجاد عن بدائل هيكلية أخرى لحل مشكلة لاسمير، بدل ترك الملف معلقاً بين القضاء والبرلمان لسنوات متتالية؛ يخدم مصالح هذه اللوبيات مما يتطلب قرارا سياسيا وسياديا على أعلى مستوى لهرم الدولة من اجل إعادة التوازن ،واسترداد السيادة الطاقية ونزع فتيل انفجار شعبي شديد الاحتمال إن استمرت الأوضاع المعيشية في تدهورها وانجراف المؤسستين التشريعيتين الى خدمة هذه اللوبيات حجفاظا على مصالحها،مما يشكل خطرا على الديمقراطية -ولو بشكلها الصوري- التي اصبحت تنتج نقيضها من داخل الدولة والمؤسسات ومعلوم ان تفكك المؤسسات قد يسبب انهيار أسس الدولة برمتها مما يستوجب اخذ الموضوع بجدية حفاظا ليس فقط على الأمن الطاقي والغذائي بل حفاظا أيضا وأساسا على الامن القومي للوطن ككل. ومن هنا تبدو جليا اهمية مراجعة ملف المحروقات بصفة شمولية وانية مستعجلة معززا بآليات الرقابة على السوق ومحاربة الريع وغلاء الاسعار والاحتكار بشكل فعلي على كل المستويات من اصغر المقاولات إلى المقاولات التي تعبث بالملايير على حساب القدرة الشرائية للمواطنين، وأيضا بما يضمن أن أي تحرير للأسعار في السوق يجب على الدولة أن تواكبه من موقع مسؤوليتها كدولة بإرساء ضمانات سياسية وقانونية حقيقية من خلال الحكومة لفائدة المستهلك المغربي عبر تسقيف معقول وضبط لشركات المحروقات المتحكمة والمحتكرة للسوق وإلزامها بتطبيق القانون والانضباط له، حتى لا يتكرر النقاش نفسه كلما ارتفعت أسعار النفط في السوق العالمي.
