“ليست الطرق ما نسلكه، بل ما تتركه فينا”
نواصل تتبع أثر الخطى، لنصل أخيرا إلى قمة الجبل.
-3- قلعة الخروب، أطلال فوق بحر الزقاق:
في قمة الجبل، ينتصب أمامك الضريح شامخا، كشيخ هادئ يرحب بك في حضرته، تلفه الأشجار، وتحيط به الأسرار.

كانت زيارتي الأولى للمكان في فصل الشتاء، ذات أحد ممطر غارق في الضباب، مما منح المكان هيبة غريبة، لم تكسرها إلا ضحكاتنا ومشاغباتنا رفقة فريقي للرياضات الجبلية وتسلق الجبال. تجولنا في القمة التي تحكي تاريخ منطقة بأكملها، عبر قرون. تتعدد الشواهد وتختلف ازمنتها، هنا ضريح عمره قرون، وهنا لافتة تعرف بالقمة وارتفاعها لهواة تسلق الجبال “قمة سيدي حبيب، 915 متر فوق سطح البحر”

وهنا أيضا حكاية أخرى، ففي هذا المكان كانت تنتصب قلعة الخروب، التي بنيت في القرون الهجرية الأولى، حسب رواية البكري في “المسالك والممالك”، والذي سماها “قلعة إبن خروب” هذه القلعة التي كان أهلها حسب نفس الرواية من كتامة، كانت بمثابة برج مراقبة، فبحر الزقاق “التسمية القديمة لمضيق جبل طارق” يقع تحت ناظريها، حيث استمرت أهمية هذه القلعة حتى عهد الأمير صالح بن صالح، آخر حكام سبتة العزفيين قبل سقوطها، لتصبح القلعة بعد ذلك تابعة لبني راشد، أمراء الشاون، ومن بعدهم للسيدة الحرة، أميرة تطوان التي ولت خالها “فرناندو مرتين” قائدا على جبل الحبيب، قبل نقله إلى مصب واد مرتين الذي سمي بإسمه، حيث تولى الديوانة المشهورة فيه، ليستمر الحال في جبل الحبيب حتى خروج البرتغاليين من أصيلا ليصبح تابعا لها ولحكامها العروسيين، في الوقت الذي تضاءلت فيه أهمية قلعة الخروب حتى اندثرت نهائيا ولم يبق منها سوى حطام الحجارة القريب من ضريح سيدي حبيب.

نستيقظ من سفرنا في الزمان، لا المكان، فنحن لا زلنا في حضرة الجبل، لكننا نضطر إلى العودة، فالطريق طويلة، والمسارات متعددة. نغادر الجبل نزولا حتى نصل إلى “سيوانة”، وعلى طول الطريق نستذكر تاريخ المنطقة المنسي والمغيب، تاريخ منطقة الشمال الممتد من عهد الامازيغ، الفينيقيين، الرومان، مرورا بالعهد الإسلامي، والممالك المتعاقبة وصولا الى الحماية الإسبانية والاستقلال وما بعد الاستقلال، تاريخ يشكل هويتنا التي مهما غيبت، لا يمكن محوها ولا تجاوزها.
“بعض الجبال لا ترتفع فوق الأرض فقط، بل ترتفع فوق الزمن، بعض الجبال تحمل في صخورها ما عجزت الكتب عن حفظه”