في عالم اليوم، لم تعد مستودعات الملابس فضاءات مغلقة مخصصة للمدربين واللاعبين فقط، بل تحولت إلى مسرح لرسائل سياسية ودبلوماسية محسوبة. لذلك، لم تقرأ زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمستودع ملابس المنتخب المغربي عقب نهاية نصف نهائي كأس العالم 2022 باعتبارها مجرد لفتة رياضية أو إنسانية، بل اعتبرها كثيرون رسالة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
كان المغرب قد خطف أنظار العالم، ليس فقط بنتائجه، بل أيضا بالزخم الشعبي والسياسي الذي رافق مسيرته التاريخية. وأمام هذا المشهد، بدا أن الرئيس الفرنسي أدرك أن تجاهل الإنجاز المغربي سيكون خطأ في لحظة كانت فيها أنظار الملايين متجهة نحو “أسود الأطلس”.

غير أن تلك المباراة لم تخل من جدل تحكيمي لا يزال حاضرا في ذاكرة الجماهير المغربية. فقد اعتبر كثير من المتابعين وعدد من المحللين أن المنتخب المغربي حرم من ركلة جزاء واضحة بعد تدخل داخل منطقة الجزاء، وهي اللقطة التي أثارت نقاشا واسعا بين خبراء التحكيم ووسائل الإعلام الدولية. ورغم أن النتيجة بقيت محسومة على أرض الملعب، فإن ذلك الجدل ترك لدى شريحة واسعة من المغاربة شعورا بأن منتخبهم لم ينل حقه كاملا في مباراة كانت على بعد خطوة واحدة من صناعة تاريخ غير مسبوق. لذلك، فإن زيارة ماكرون إلى مستودع الملابس جاءت في سياق مشحون، اختلطت فيه مرارة الإقصاء بفخر الإنجاز.

وقد انقسمت القراءات بشأن تلك الزيارة. فبينما رأى البعض أنها تعكس روحا رياضية ولفتة تحمل رسائل احترام وتحفيز للاعبين بعد المشوار التاريخي الذي قدموه في المونديال، اعتبر آخرون أنها لم تكن مجرد تصرف بروتوكولي، بل حملت في طياتها أبعادا سياسية ورسائل مبطنة يصعب فصلها عن طبيعة العلاقات المغربية الفرنسية وسياقها الإقليمي. وبين هاتين القراءتين، يبقى المؤكد أن مثل هذه الزيارات لم تعد تقرأ بمنظار الرياضة وحدها، بل أصبحت جزءا من دبلوماسية الصورة والقوة الناعمة.
زيارة ماكرون حملت في ظاهرها كلمات احترام وإشادة، لكنها في بعدها الرمزي بدت محاولة لإظهار فرنسا في موقع الدولة التي تعترف بالنجاح المغربي وتحتضنه، خصوصا في ظل العلاقات التاريخية المعقدة بين البلدين، والتنافس المتزايد على النفوذ في إفريقيا والفضاء الفرنكوفوني.
فالسياسة تدرك جيدا أن الصورة أصبحت أقوى من البيان الرسمي. صورة رئيس دولة يدخل إلى مستودع منتخب منافس ليصافح لاعبيه يمكن أن تحقق مكاسب رمزية لا تقل أهمية عن لقاء دبلوماسي رسمي. إنها صورة تخاطب الرأي العام، وتبعث برسائل مفادها أن فرنسا لا تنظر إلى المغرب كمنافس رياضي فحسب، بل كشريك إقليمي بات يمتلك وزنا متزايدا على مختلف المستويات.
واليوم، ومع اقتراب المواجهة الجديدة بين المغرب وفرنسا، يعود ذلك المشهد إلى الواجهة، ويطرح أسئلة تتجاوز كرة القدم. هل سيكون الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حاضرا في المدرجات؟ وإذا حضر، فهل سيعيد زيارة مستودع ملابس المنتخب المغربي كما فعل في مونديال قطر؟
الإجابة لن تكون مجرد تفصيل بروتوكولي، لأن مثل هذه المشاهد أصبحت جزءا من دبلوماسية الصورة. فإذا كرر ماكرون الزيارة، فستقرأ على أنها رسالة سياسية تؤكد أن باريس حريصة على الحفاظ على جسور التقارب مع الرباط، وتعترف بالمكانة التي باتت تحتلها الكرة المغربية كإحدى أدوات القوة الناعمة للمملكة. أما إذا غابت تلك الزيارة، فستبقى المقارنات حاضرة، لأن السياسة لا تقاس بالتصريحات وحدها، بل أيضا بالرموز والإشارات.
في زمن أصبحت فيه كرة القدم امتدادا للصراع على النفوذ وكسب العقول والقلوب، لن تتجه الأنظار إلى نتيجة المباراة فقط، بل أيضا إلى ما سيحدث بعد صافرة النهاية. فهل يطرق ماكرون باب مستودع “أسود الأطلس” مرة أخرى؟ وهل سيبعث برسالة جديدة تؤكد أن الرياضة ما زالت جسرا للدبلوماسية؟ أم أن حسابات السياسة ستفرض مشهدا مختلفا هذه المرة؟
مهما تكن الإجابة، فإن الدرس الذي رسخه المغرب منذ مونديال قطر ما زال قائما: كرة القدم لم تعد مجرد تسعين دقيقة، بل أصبحت ورقة من أوراق القوة الناعمة، ومجالا تتقاطع فيه الرياضة مع السياسة والدبلوماسية والمصالح الدولية. وما يحدث داخل مستودع الملابس قد يكون، أحيانا، أكثر دلالة مما يحدث فوق أرضية الملعب.