استرايجية ” حبة السم” : اوعندما تغتال الديمقراطية نفسها (2)

محمد نجيب زغلول

تقديم:

تقوم الديمقراطية على منطق بسيط: أن يترجم الممثَّلون إرادة الشعب إلى قوانين لصالح الشعب والوطن. ومع ذلك، تُظهر مجموعة متنامية من الأبحاث الحديثة كيف يمكن لآليات الأنساق الديمقراطية نفسها – الانتخابات، والتدابير البرلمانية، والاستفتاءات – أن تُفرز نتائج تتناقض مع الإرادة الشعبية التي وُجدت أصلاً للتعبير عنها. وهذه ليست مسألة هامشية أو شكلية، بل هي خاصية بنيوية متأصلة في بعض المؤسسات القائمة على حكم الأغلبية، ويربطها الباحثون بشكل متزايد بموجة الشعبوية السياسية المتنامية والتي تعيد تشكيل حيز هام من السياسة الغربية.

—–الحلقة الثانية—–

الاستحواذ على المؤسسات : حين يتحوّل “حكم الأغلبية إلى حكم الأقلية المنظمة”.

تنطلق هذه الآلية من مفهوم علمي معروف في العلوم السياسية اسمه State Capture “الاستحواذ على الدولة” أو أحياناً Elite Capture “استحواذ النخب”، وهو ليس فقط “فساد عادي”، بل حالة يصبح فيها القرار العمومي موجهاً بشكل منهجي لصالح شبكة ضيقة من الفاعلين ، مما يساهم في تآكل المؤسسات تحت غطاء إجرائي موجه. وهكذا فان تحول حكم الأغلبية إلى حكم الأقلية لا تعني أن الأقلية تفوز بالانتخابات، بل تعني أن القرار الفعلي يصبح في يد شبكة صغيرة تمتلك النفوذ الإداري أو الاقتصادي أو السياسي أو هما معا، بينما تبقى المؤسسات المنتخبة مجرد آلية لإضفاء الشرعية والمصادقة “Validation ” على قراراتها، ويمكن اعتبار عبارة ، “تحول حكم الأغلبية إلى حكم أقلية منظمة”، اقرب مفاهيميا الى أفكار علماء مثل Robert Michels في “القانون الحديدي للأوليغارشية” وGaetano Mosca وVilfredo Pareto، الذين رأوا أن “النخب المنظمة” تميل غالباً إلى تركيز السلطة داخل أي نظام سياسي.

 ومن ثم فالملاحظ أن البرلمان كمؤسسة تشريعية تتآكل تدريجيا و تفقد وظيفتها وروحها الدستوري عندما تتحول الأغلبية البرلمانية إلى أداة للمصادقة ولجان البرلمان إلى محطات تسجيل. وبما أن النواب يصوتون وفق قرارات القيادات الحزبية دون نقاش فعلي ودون مراعاة الكتلة الناخبة التي من المفروض أن يتم الدفاع عن مصالحها من طرف الأغلبية التي تدافع عن مصالحها اولا وأخيرا، فيصبح القرار الحقيقي محصوراً بيد “أقلية منظمة” لهم مصالح خاصة غالبا ما تتناقض مع المصلحة العامة وتمارس استحواذا مزدوجا على الدولة ومؤسساتها وسنعطي في ما يلي بعض الأمثلة لمفهوم “الاستحواذ على الدولة”:

  • حالة جنوب افريقيا: تُعد بالفعل الحالة الأكثر شهرة في أدبيات العلوم السياسية الحديثة حول الاستحواذ على الدولة، خاصة خلال فترة رئاسة جاكوب زومبا Jacob Zuma وعلاقة السلطة بعائلة غوبتا. وقد رسّخ تقرير مكتب Public Protector سنة 2016 الاستخدام الرسمي للمصطلح. كثير من الباحثين يعتبرونها الحالة المرجعية المعاصرة لمفهوم “State Capture”.
  • حالة أنغولا خلال حكم José Eduardo dos Santos، تحدثت دراسات عديدة عن تركّز الثروة والريع النفطي داخل شبكات سياسية وعائلية ضيقة. غير أن بعض الباحثين يصفون الحالة أكثر بأنها نظام ريعي زبائني (Patrimonial/Rentier System)، وليس دائماً “استحواذاً على الدولة” بالمعنى الضيق للمفهوم.
  • حالة هنغاريا يصف عدد من الباحثين التحولات التي شهدتها المجر منذ وصول Viktor Orbán إلى السلطة بأنها انتقال نحو الديمقراطية غير الليبرالية (Illiberal Democracy) أو الاستحواذ القانوني على المؤسسات. الفكرة هنا أن إعادة تشكيل المؤسسات تتم غالباً عبر أدوات قانونية ودستورية، مما يجعل الحدود بين الإصلاح المؤسسي والاستحواذ موضع نقاش أكاديمي مستمر.
  • حالة روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ، أدت الخوصصة السريعة إلى ظهور طبقة أوليغارشية. كثير من الدراسات تشير إلى اندماج مصالح كبار رجال الأعمال مع السلطة السياسية، مع تغير لطبيعة العلاقة مع مرور الوقت؛ إذ يرى بعض الباحثين أن “الانقلاب السياسي الابيض” الذي حصل تدريجيا والذي مكن الدولة في عهد Vladimir Putin لتصبح لاحقا أكثر قدرة على إخضاع الأوليغارشية لسلطتها المركزية.
  • حالة سريلانكا تُربط أزمة 2022 في كثير من التحليلات بتركيز السلطة داخل عائلة راجاباكسا، إضافة إلى عوامل أخرى مثل تراكم الديون الخارجية، صدمات جائحة كوفيد، تراجع عائدات السياحة اضافة الى أخطاء في السياسات الاقتصادية والنقدية. لذلك، يُنظر إلى الاستحواذ المؤسساتي كأحد العوامل المهمة، وليس العامل الوحيد.

وعموما قد نتفق بنسبة كبيرة مع الفكرة التالية: ” انه لايكفي وجود انتخابات أو مؤسسات منتخبة للحكم على جودة النظام الديمقراطي الذي لا يمتلك اليات قانونية ودستورية كافية لتحصين نظامه ببناء متوازن يراعي كفتي ميزان دمقرطة الدولة والمجتمع؛ لأن الصيرورة السياسية وتعاقب النخب (باختلاف مرجعياتها الايديولوجية) قد تساهم في لحظات ما ، وفي ظل ظروف سياسية اواقتصادية ضاغطة في انزياح مراكز الثقل الديمقراطي الفعلي ( ارتكازا الى الديمقراطية الحقيقية) في ما يتعلق باتخاذ القرار السياسي لتنحرف النخب عن المسار الديمقراطي الحقيقي إلى مسار ديمقراطي مزيف تتحكم فيه “شبكات موازية و اوليغارشية ضيقة من النخب الاقتصادية أو العائلية الحاكمة” والتي يعبر عنها احيانا بمفهوم “الدولة العميقة” او “المخزن” وبالتالي تفقد النخب تمثيليتها الحقيقية (كممثل لمصالح الشعب) لتستبدلها بتمثيلية مزيفة (كممثل للاوليغارشية المالية والطبقة الحاكمة) . ولهذا يميز علماء السياسة بين الديمقراطية الانتخابية الشكلية كحالة المغرب، والديمقراطية التنافسية ذات الضوابط والتوازنات الفعالة كحالة الدول الاسكندنافية مثلا.

في المغرب، تُطرح عدة أمثلة التي ما يمكن أن أسميه هنا ب “الاستحواذ المزدوج للنخب على الدولة والمؤسسات” اي “State and Elite Captures ” وأبرز تجلياته نجده في تدبير ملف المحروقات ومحطة تكرير لاسامير والذي انعكس بصورة سلبية على القدرة الشرائية وكونه السبب الأساسي لارتفاع الأسعار ولموجات الاحتجاجات الشعبية الأخيرة لجيل “ز” لأن المحروقات هي المحرك الأساسي لسلاسل التوريد وطنيا ودوليا. ومع استمرار ارتفاع هوامش الربح بشكل مستمر في قطاع المحروقات دون مراعات لتقلبات السوق العالمية صعودا ونزولا لسنوات والذي تحتكره “أقلية منظمة” تمارس الأعمال وتتحكم في القرار السياسي على رأس ومن داخل وخارج الهيئة التنفيذية (الحكومة) مما يجعل السياسة العمومية تبدو في خدمة فئة ضيقة قادرة على لي ذراع الدولة والتي لحد الآن لم تستطع التدخل رغم الجدل الشعبي والبرلماني الحاد… ولازال الملف الثاني لدعم استيراد الأغنام أو ما يعرف بملف “الفراقشية” إعلاميا، والذي أثار جدلا إعلاميا طور التفاعل من خلال تشكيل لجنة التقصي التي لم ينخرط فيها الحزب الأغلبي لرئيس الحكومة… ومع اقتراب الانتخابات انقلب جزء من “الاقلية المنظمة” على بعضها كسبا للأصوات القادمة بمنطق تصفية حسابات انتخابوية وخوفا من العقاب الانتخابي وليس رغبة في الإصلاح أو ماشابه…. . لقد ادت هذه السياسة الى تركيز اقتصادي في يد “أقلية منظمة” مارست “الاستحواذ المزدوج” على الدولة والمؤسسات مما ساهم في ارتفاع سريع منذ 2021 لشريحة المليونيرات بما يناهز 800 الى 1000 مليونير في خمس سنوات الأخيرة أي بنسبة نمو مابين %12 الى 15%، وبالمقابل انهيار الطبقة الوسطى بارتفاع منسوب البطالة الى %13 ، وافلاس ما يزيد عن %90 من المقاولات الصغرى والصغيرة جدا.

خلاصة عامة

وإذا جُمعت خيوط “الاستحواذ المزدوج للنخب على الدولة والمؤسسات” اضافة الى “التحكم الإجرائي القبلي في التصويت” على عدة مستويات انطلاقا من قاعدة المعطيات والبيانات لمديرية التراب الوطني بوزارة الداخلية لكل ما يتعلق من معلومات بالشأن العام السياسي، و الدور المركزي لوزارة الداخلية أو”الحزب السري” حسب توصيف الصحفي البلغيثي، في التقطيع الانتخابي القبلي للدوائر الانتخابية، مع اضافة بدعة القاسم الانتخابي “كآلية فريدة في ديمقراطيات العالم المعاصر !!!” ورفض توسيع هامش المشاركة بالبطاقة الوطنية، قد نصل الى خلاصة مفادها ان التدهور التدريجي للكتلة الناخبة منذ التسعينيات الى اليوم، يعكس تآكل المؤسسات التشريعية والتنفيذية، ويضع الدولة في مجابهة مباشرة للغضب الشعبي في غياب أحزاب تمارس التأطير السياسي في غياب ديمقراطية حقيقية كحاضنة للفعل السياسي وكضامن لدمقرطة الدولة والمجتمع عوض خلق “اقلية منظمة” تمارس “الاستحواذ المزدوج” على الدولة والمؤسسات والمجتمع… لذا ومن باب الضرورة القصوى حفاظا على الوطن والمواطنين إرساء أسس ديمقراطية حقيقية بديلة تأسس لمرحلة انتقالية سلسة ضامنة لاستمرارية الدولة ومؤسساتها عوض رهنها لاوليغارشية لاوطنية تهمها مصالحها فقط وترهن البلاد والعباد للمؤسسات النقدية العالمية بدون أدنى وجع ضمير ولا هم يحزنون … إن استمرارية الدولة ومؤسساتها خلال اية مرحلة انتقالية للحكم تتطلب أساسا إخضاع الانتخابات إلى لجنة مستقلة تحت مراقبة خبراء مستقلين وطنيا ودوليا، ومحاربة أي شكل من اشكال استحواذ الائتلافات الاوليغارشية المالية (المخزن الاقتصادي) او “الاقليات المنظمة” على الدولة والمؤسسات والمجتمع بالعمل على محاربة افساد الانتخابات واللعبة الديمقراطية واغراقها بالمال الحرام لاعادة الاعتبار للانتخابات كآلية لردم الفجوة الأيديولوجية الموثَّقة تجريبياً بين النواب والناخبين حاليا، وفضح التواطئات الخفية لأدوات المخزن من قياد وعمال وولاة كديناميكية مجالية تخدم اجندة “الاقليات المنظمة” والتي يهمها فقط الحفاظ على المظهر الخارجي للديمقراطية حتى يمكن لبنية الديمقراطية الرسمية (الانتخابات، تصويت الأغلبية، الإجراءات البرلمانية) أن تُدار بطرق موجهة للتعزيز الاعلامي/الصوري ل”ديمقراطية الواجهة” من الناحية التقنية، بينما تُفرز بشكل منهجي نتائج خارج الارادة الشعبية واختيارات القاعدة الانتخابية تنفيذا لاجندة “الحزب السري” انطلاقا من”التحكم الإجرائي القبلي في التصويت” مرورا بالقاسم الانتخابي وتقليسص نسبة التسجيل الى التحكم المسبق في خريطة انتخابية قابلة للبلقنة والتوجيه لإعادة انتاج سياسة “الاستحواذ المزدوج للنخب على الدولة والمؤسسات” واستمرار حكم “الاقلية المنظمة” . إن اعادة انتاج واجهة دمقراطية للمؤسسات دون ديمقراطية حقيقية هي عملية استغلتها الحركات الشعبوية اليمينية في أوروبا وغيرها والاسلامية ايضا سابقا كالعدالة والتنمية التركية او نسختها المغربية في 20 فبراير، حيث قدّمت نفسها كقوى تصحيحية تريد وتتبنى محاربة الفساد قبل ان تقول “عفى الله عن ما سلف” للتماسيح واالعفاريت معا….

إن مواجهة هذا التراجع الديمقراطي تتطلب تجاوز الضوابط القانونية المضادة للأغلبية وحدها (كالمحاكم المالية والدستورية) وضرورة المراجعة الدستورية لارساء وتفعيل الرقابة القانونية واعادة النظر في آليات التمثيل الديمقراطي وانساق الانتخابات ولربما إلغاء مجلس المستشارين الذي عوض أن يكون رافدا قويا لتعزيز الديمقراطية ببرجوازية وطنية تساهم في التقدم والتحديث والحداثة، الا انه أصبح مرتعا لحماية مصالح “الاقلية المنظمة” ولوبي المال والاعمال ومرتعا أيضا لتضارب المصالح والانتهازية السياسية . اضافة الى تطوير آليات مؤسسية موازية بصلاحيات قانونية تُعزِّز فعلياً التداول والشفافية والاعتدال بعيدا عن “الحزب السري” وتحالفه مع “الاقلية المنظمة” لانه يبدو جليا بأن حكم الأغلبية وحده، دون رقابة قانونية وإرادة سياسية حقيقية، لا يكفي كضمانة للحد من تآكل المؤسسات في ظل”التدوير الديمقراطي” لديمقراطية الواجهة مما يستوجب حرص الديمقراطيين على حماية الديمقراطية كي لا تغتال نفسها استقبالا.

المراجع

  1. Condorcet paradox, Wikipedia (2026). https://en.wikipedia.org/wiki/Condorcet_paradox
  2. Guenther, L IDEAS/RePEc working paper (2026). “Political Representation Gaps and Populism,” https://ideas.repec.org/p/hal/wpaper/hal-05493259.html
  3. International IDEA, Designing Resistance: Democratic Institutions and the Threat of Backsliding. https://www.idea.int/publications/catalogue/designing-resistance-democratic-institutions-and-threat-backsliding
  4. “How Similar Are Elected Politicians and Their Constituents? Quantitative Evidence From Online Social Networks,” arXiv preprint. https://arxiv.org/pdf/2407.03255
  5. “Does populist voting rise where representative democracy is systemically failing?” ScienceDirect (2023).https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S026137942300080X
  6. Dionne, E.J. Jr. et al. “Europe’s fractured politics and what they reveal about democracy,” Brookings (2026). https://www.brookings.edu/articles/europes-fractured-politics-and-what-they-reveal-about-democracy/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist