ليس المطلوب أن يهزم المغرب فرنسا فقط… بل أن ينتصر على أعطابه الداخلية

عبد السلام بن احمد

قد ينجح المنتخب المغربي في إسقاط منتخب الديكة ويكتب صفحة جديدة من المجد الكروي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل يملك المغرب الشجاعة نفسها للانتصار في المباراة الأصعب، مباراة الإصلاح الحقيقي؟
لقد أثبت أسود الأطلس أن المستحيل يسقط عندما تتوفر الرؤية، ويختفي الفشل عندما تحضر الكفاءة، وتتحول الأحلام إلى إنجازات عندما يكون الإنسان في صلب المشروع. لم تكن النتائج التي حققها المنتخب الوطني معجزة، ولم تكن ضربة حظ، بل كانت ثمرة سنوات من التخطيط، والاستثمار، والتكوين، ومنح الثقة للكفاءات المغربية داخل الوطن وخارجه.


في المقابل، ما زالت قطاعات حيوية تعيش على إيقاع إصلاحات متعثرة. فالتعليم، رغم ما صرف عليه من مليارات، لا يزال عاجزا عن احتلال المكانة التي يستحقها، والصحة ما زالت تطرح أسئلة مؤلمة حول جودة الخدمات والعدالة في الولوج إليها، والإدارة لا تزال في كثير من الأحيان أسيرة التعقيد والبيروقراطية.


فرنسا التي سيواجهها المغرب في الملعب ليست مجرد منتخب عالمي، بل هي أيضا دولة بنت قوتها على مؤسسات مستقرة، وقضاء فاعل، وإدارة حديثة، ومدرسة عمومية قوية، وجامعات ومراكز بحث تنتج المعرفة، وآليات ديمقراطية تجعل المسؤولية مرتبطة بالمحاسبة. هذه المكتسبات لم تولد صدفة، بل جاءت نتيجة إصلاحات متراكمة وإرادة سياسية جعلت بناء الدولة أولوية دائمة.
أما المغرب، فقد أثبت أنه قادر على النجاح عندما تتوفر الإرادة. وإذا نجح في بناء مشروع كروي أصبح محل احترام العالم، فإنه قادر أيضا على بناء مشروع وطني أكبر، عنوانه مدرسة عمومية تصنع الكفاءات، ومستشفى يحفظ كرامة المواطن، وإدارة تخدم الاستثمار بدل أن تعرقله، وقضاء يعزز الثقة، ومؤسسات تكرس الديمقراطية وسيادة القانون.
المغاربة لا يريدون أن يبقى النجاح محصورا داخل المستطيل الأخضر. يريدون أن يروا الروح نفسها التي صنعت إنجازات المنتخب تنتقل إلى الوزارات والإدارات والمؤسسات العمومية. يريدون أن يصبح معيار الكفاءة هو أساس تحمل المسؤولية، وأن تختفي ثقافة الامتيازات والريع، وأن تتحول محاربة الفساد من شعار سياسي إلى ممارسة يومية لا تستثني أحدا.


الرهان الحقيقي ليس الفوز على فرنسا في مباراة قد تدوم تسعين دقيقة، بل الفوز على التأخر في التعليم، وعلى أعطاب المنظومة الصحية، وعلى البيروقراطية، وعلى الفساد، وعلى كل ما يعرقل بناء دولة المؤسسات. فهذه هي المباريات التي ستحدد مكانة المغرب خلال العقود المقبلة.
قد يفرح المغاربة إذا رفع أسود الأطلس راية الانتصار أمام منتخب الديكة، لكن الفرحة الأكبر ستكون يوم يصبح المغرب منافسا لفرنسا، ليس فقط في كرة القدم، بل في جودة التعليم، وقوة المؤسسات، واستقلال القضاء، ونجاعة الإدارة، واحترام القانون، والاستثمار في الإنسان.
حينها فقط سيكتمل معنى الانتصار، لأن الأمم العظيمة لا تصنعها الأهداف التي تسجل في الملاعب وحدها، بل تصنعها أيضا القرارات الجريئة التي تبني الإنسان، وتقوي المؤسسات، وتؤسس لدولة يسودها القانون والعدل وتكافؤ الفرص.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist