أصبح التحكيم السيئ للمباريات أحد أبرز قصص كأس العالم 2026، مع شكاوى تمتد من دور المجموعات إلى خسارة مصر المثيرة للجدل 3-2 أمام الأرجنتين في دور الـ16. وأوضح نمط متكرر هو عدم الاتساق، فتدخلات تقنية الفيديو في بعض المباريات، والتغاضي عنها في مباريات أخرى، وعدة قرارات جعلت الفرق المتضررة أن تقول بإنها غيرت النتائج بدلا من مجرد تفسيرها.
على مدار البطولة، تركزت الشكاوى الرئيسية على معايير تدخل تقنية الفيديو المساعد للحكم (الفار)، وقرارات التسلل، واحتساب ركلات الجزاء، والتفاوت في تطبيق قواعد الاحتكاك قبل تسجيل الأهداف. وأفادت رويترز بأن مدرب مصر حسام حسن قال إنه لن يشاهد ما تبقى من كأس العالم بسبب أخطاء التحكيم، بينما وصف المدرب الألماني توماس توخيل التحكيم بأنه “متقلب” و“غير متسق” بعد مباراة إنجلترا الإقصائية.

كما وثقت قناة الجزيرة عدة جدالات بارزة في دور المجموعات، بما في ذلك أهداف ألغيت، وركلات جزاء لم تحتسب، وأهداف احتسبت رغم ادعاءات بوجود مخالفات سابقة.
تقول الجزيرة أن أحد أكثر اللحظات إيلاما جاءت في مباراة إيران أمام مصر، عندما اعتقد شجاع خلیل زاده أنه سجل هدفا قاتلا في الوقت بدل الضائع، لكن فرحته داخل ملعب سياتل لم تدم طويلا، إذ ألغت تقنية الفيديو الهدف بداعي التسلل في بداية الهجمة بالرغم من أن الإعادات أظهرت أن القرار لم يكن صائبا، إذ بدا أن خليل كان متسللا بفارق ضئيل جدا، ما ترك إيران في حالة من الحسرة، وهي لا تزال تبحث عن التأهل الأول إلى الأدوار الإقصائية
المنتخب الكولومبي أيضا شعر بالظلم في مباراته أمام البرتغال، عندما سجل دافينسون سانشيز هدف الفوز في الوقت الضائع بضربة رأس وقبل الإحتفال رفع الحكم المساعد رايته بداعي التسلل، كما أشارت الإعادات إلى أن سانشيز كان متقدما على آخر المدافعين بفارق إصبع قدم فقط. وأبقى القرار البرتغال على نقطة التعادل، وحرم كولومبيا من فوز كان سيحافظ على سجلها المثالي في البطولة.
أما شكوى غانا فكانت مختلفة: ركلة جزاء لم تحتسب. ففي تعادلها الصعب 0-0 مع إنجلترا في بوسطن، بدا أن إزري كونسا عرقل برنس كوابينا أدو داخل المنطقة في الدقيقة 79، لكن الحكم أمر باستمرار اللعب، ولم تتدخل تقنية الفيديو، قبل أن يعبر مدرب غانا كارلو كيروش عن غضبه قائلا: “تقنية الفيديو كانت تشرب القهوة”.ا
وجاء الجدل البرازيلي في مباراة فازت بها البرازيل بسهولة، لكن القرار أثار الغضب رغم ذلك. فقد اعتقد فينيسيوس جونيور أنه سجل الهدف الثاني لمنتخب بلاده أمام اسكتلندا، قبل أن يلغيه الحكم بعد مراجعة تقنية الفيديو، بداعي ارتكاب مخالفة ضد جاك هيندري في بداية الهجمة. وبدا أن الاحتكاك كان بسيطا جدا، ما دفع الاتحاد البرازيلي إلى مطالبة فيفا بمعايير أكثر اتساقا في تدخلات تقنية الفيديو وتعيين الحكام.
أما الفلاش باك الخامس فكان في مباراة ألمانيا أمام الإكوادور، حين احتسب هدف ليروي ساني المبكر رغم اعتراضات الإكوادور على وجود مخالفة في بداية اللعب. وجادل اللاعبون الإكوادوريون بأن ألكسندر بافلوفيتش ضرب بيتو فيتسي في الرأس بقدم عالية قبل أن تستمر الهجمة، لكن تقنية الفيديو لم تتدخل، واحتسب الهدف. وتقول الجزيرة أن النتيجة قد أضافت طبقة جديدة إلى الشعور المتزايد بأن التحكيم في البطولة غير متسق من لقطة إلى أخرى.
أما مباراة مصر والأرجنتين فقد أثارت أعنف رد فعل لأن عدة لحظات حاسمة جاءت ضد مصر في مباراة تقدمت فيها 2-0 قبل عودة الروح إلى الأرجنتين في الدقائق الأخيرة.
وقال الاتحاد المصري لكرة القدم إن تقنية الفيديو ألغت خطأ هدفا في الدقيقة 58 بعد احتساب مخالفة من مروان عطية على ليساندرو مارتينيز في بداية الهجمة، كما جادل بأن محمد صلاح تعرض لخطأ داخل منطقة جزاء الأرجنتين قبل الهجمة المرتدة التي حسمت اللقاء
وأفادت قناتي إي إس بي إن و بي بي سي بأن مصر طالبت بفتح تحقيق مع الحكم فرانسوا ليتكسييه وطاقمه وإبعادهم عن البطولة، واتهمت المسؤولين بارتكاب “أخطاء فادحة” لعدم مراجعة بعض اللقطات.
هذا وقد رفع أصواتهم عدة مختصين ومحللين وحكام قائمين أو سابقين. وقال الحكم المكسيكي فرناندو غيريرو علنا إن قرار تقنية الفيديو ضد مصر كانت خاطئة، وإن الهدف كان يجب ألا يلغى وفق قواعد مسار الهجمة المعروفة في التحكيم. واحتج بأن الأرجنتين كان لديها وقت كاف لاستعادة الكرة، لذلك فإن المراجعة نفسها لم تكن منسجمة مع بروتوكول تقنية الفيديو.
كما جاء تحليل صحيفة “ذا أثليتيك” من منظور حكم متقاعد، حيث خلص إلى أن هدف مصر الملغي كان يجب احتسابه، وبالرغم من رفضه لفكرة وجود مؤامرة، فقد أكد في الوقت نفسه أن القرار كان خاطئ.
كما اعتقدت مصر أن صلاح تعرض لعرقلة قبل هدف الأرجنتين الحاسم، وتفاعل الجهاز الفني بقوة مع الهدف الأخير لدرجة أن مدرب حراس المرمى سعفان الصغير تلقى بطاقة حمراء.
وجاء في بيان الاتحاد المصري أن المباراة “أثارت مخاوف جدية” وطرحت “أسئلة خطيرة حول الاتساق والنزاهة” في التحكيم، فيما قال اللاعبون والجهاز الفني إنهم كانوا يتوقعون أعلى المعايير في أكبر بطولة كروية في العالم
بل أن التداعيات الآن امتدت إلى ما هو أبعد من الحكم نفسه، حيث تشير تقارير حديثة إلى أن مصر قدمت طلبا رسميا إلى فيفا لفتح تحقيق مع ليتكسييه وطاقمه، بينما تزداد الرقابة أيضا على رئيس الفيفا جياني إنفانتينو وعلى طريقة تعامل المنظمة مع قضايا التحكيم والحوكمة. كما أشارت تغطيات أخرى إلى استمرار التوتر في الفيفا والاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم، مع تصاعد الانتقادات بشأن قرارات التعيين والانطباع بوجود محاباة في المباريات الكبرى.
والخلاصة أن مستقبل كأس العالم قد يتأثر بشدة إذا ترسخ الاعتقاد لدى الصحافة والجماهير والاتحادات بأن النتائج تحددها قرارات تحكيم غير عادلة بدلا من أداء اللاعبين. وقد يحتم ذلك على الفيفا تشديد بروتوكولات تقنية الفيديو، وزيادة الشفافية في تعيين الحكام، وإنشاء أنظمة مراجعة مستقلة أقوى، لأنه بدون هذه التغييرات، يخاطر كأس العالم بأن يذكر بسبب الجدل التحكيمي بدلا من الفرجة الكروية.