ثريا الشاوي… فتاة حلقت فوق قيود الاستعمار وكتبت اسمها بأجنحة المجد

نعيمة آيت إبراهيم

في زمن كان حلم الفتاة المغربية ينتهي عند حدود ما يرسمه المجتمع والاستعمار معا، اختارت ثريا الشاوي أن تنظر إلى السماء بدل الأرض، وأن تجعل من الطائرة وسيلتها لكسر القيود، لا مجرد وسيلة للسفر. لم تكن أول امرأة مغربية تقود طائرة فحسب، بل كانت رمزا لجيل آمن بأن الإرادة قادرة على هزيمة المستحيل.

ولدت ثريا الشاوي بمدينة فاس في 14 دجنبر 1936، داخل أسرة مثقفة آمنت بالعلم والفن والانفتاح. كان والدها عبد الواحد الشاوي أحد رواد المسرح المغربي، فحرص على أن تنشأ ابنته في بيئة تشجع الإبداع والمعرفة، فكانت أول فتاة مغربية تعتلي خشبة المسرح وهي لا تزال طفلة، قبل أن يفتح لها بابًا آخر نحو حلم أكبر… حلم التحليق.

ومنذ سنواتها الأولى، لم تكن ثريا تشبه أطفال جيلها. فبدل الانشغال بالألعاب التقليدية، كانت تستمتع بتفكيك الألعاب الميكانيكية وإعادة تركيبها، وتصنع الطائرات الورقية، وتراقب بإعجاب الطائرات التي تعبر سماء المدينة. حتى مرضها الصدري في طفولتها تحول إلى نقطة بداية لمسيرة استثنائية؛ إذ نصح أحد الأطباء والدها بأن يصحبها في رحلة جوية قصيرة لاستنشاق الهواء النقي، فكانت تلك التجربة الشرارة التي أشعلت عشقها للطيران إلى الأبد.

وعندما انتقلت الأسرة إلى الدار البيضاء سنة 1948، ألحت ثريا على والدها كي يسجلها بمدرسة “تيط مليل” للطيران، رغم أنها كانت مخصصة للأوروبيين في زمن الاستعمار الفرنسي. لم يكن الأمر مجرد حلم لفتاة صغيرة، بل تحديا لمنظومة كاملة كانت تعتبر أن قيادة الطائرات امتياز لا يحق إلا للنخبة الاستعمارية.

لكن الإصرار كان أقوى من كل الحواجز. خاضت ثريا تكوينا مكثفا وسط نظرات التشكيك والتمييز، وأثبتت يوما بعد آخر أن الكفاءة لا تقاس بالجنس ولا بالهوية. وعندما جاء موعد امتحان الكفاءة سنة 1951، كانت الظروف الجوية سيئة إلى درجة أن الطيران لم يكن مستحبا، غير أنها أصرت على خوض الاختبار. أقلعت بطائرتها، وحلقت على ارتفاع ثلاثة آلاف متر، وأنجزت المسار المطلوب بدقة وثبات، لتبهر لجنة الامتحان وتنتزع شهادة الطيران وهي لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها.

بهذا الإنجاز، أصبحت ثريا الشاوي أول مغربية، وأول امرأة عربية ومسلمة وإفريقية تحصل على شهادة في الطيران بهذا العمر، لتتحول إلى حديث الصحافة الوطنية والدولية، وتصبح رمزًا لقدرة المرأة على اقتحام أكثر المجالات صعوبة.

وكان أول ما قامت به بعد حصولها على الشهادة قيادة طائرة من نوع “بيبر” بين الدار البيضاء والرباط ثم العودة إلى مطار تيط مليل، حيث أقام لها النادي الجوي للأجنحة الشريفة حفلا تكريميا احتفاء بهذا الإنجاز التاريخي. كما استقبلها الملك محمد الخامس بالقصر الملكي مهنئا إياها، بحضور الأميرتين للا عائشة وللا مليكة، في لحظة جسدت الاعتزاز الوطني بفتاة رفعت اسم المغرب عاليا.

غير أن شهرة ثريا لم تقتصر على الطيران فقط، بل امتدت إلى العمل الوطني والاجتماعي. فقد انخرطت في الدفاع عن تعليم الفتيات، وشجعت النساء على المشاركة في الحياة العامة، وأسهمت في عدد من المبادرات والجمعيات التي نادت بتحرير المرأة المغربية وتمكينها من حقها في التعليم والعمل. كما ارتبط اسمها بالحركة الوطنية خلال سنوات الكفاح من أجل الاستقلال، فكانت تؤمن بأن تحرير الوطن لا ينفصل عن تحرير العقول.

وعند عودة الملك محمد الخامس من المنفى سنة 1955، شاركت بطريقتها الخاصة في الاحتفال التاريخي، إذ حلقت بطائرتها فوق الجموع وألقت منشورات ترحيبية بعودة الملك إلى أرض الوطن، في مشهد ظل حاضرا في الذاكرة المغربية بوصفه تعبيرا صادقا عن الوطنية والإخلاص.

لكن هذا الحضور اللافت جعلها أيضا هدفا لخصومها، إذ تعرضت لسلسلة من محاولات الاغتيال خلال سنوات الاستعمار، قبل أن تنجح إحداها في الأول من مارس سنة 1956، حين أطلق مجهول النار عليها أثناء عودتها من احتفال باستقلال المغرب، لتسقط شهيدة وهي لم تكمل عامها العشرين. وقد ظل اغتيالها محاطا بالغموض، وتعددت الروايات حول دوافعه، بين من ربطه بأسباب شخصية، ومن اعتبره عملية لتصفية صوت نسائي وطني كان يمثل رمزًا للتحرر والتغيير.

وشيعت ثريا الشاوي في جنازة مهيبة شارك فيها عشرات الآلاف من المغاربة، لتصبح أول جنازة سياسية في تاريخ المغرب المستقل، في مشهد عكس المكانة التي احتلتها في قلوب أبناء وطنها رغم قصر عمرها.

ورغم أن حياتها لم تتجاوز تسعة عشر عاما، فإن أثرها تجاوز الزمن. فقد أثبتت أن الأحلام الكبيرة لا تقاس بعدد السنوات، بل بما تتركه من أثر في التاريخ. كانت ثريا الشاوي أكثر من ربانة طائرة؛ كانت رسالة أمل، وصورة لامرأة سبقت عصرها، وآمنت بأن السماء ليست سقفا للطموح، بل بدايته.

ولا يزال اسمها اليوم حاضرا باعتباره أحد أبرز الأسماء النسائية في تاريخ المغرب الحديث، ورمزا للجرأة والطموح والإصرار، ودليلا على أن الإرادة قادرة دائما على التحليق فوق كل القيود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist