“قصر مولاي اليزيد، قصر لم يكتمل، وحلم لم يدم”

كريم جهجاه

“ليست الطرق ما نسلكه، بل ما تتركه فينا”

تأخذنا السيارة في الطريق المتجهة من تطوان نحو الشاون، لننحرف بعد سد النخلة يمينا متجهين صوب منتزه بوهاشم وضريح مولاي عبد السلام بن مشيش، تصل بنا الخطى إلى ضريح القطب الرباني ومنه تأخذنا الخطى لنتبع اثرها، نحو قصر ليس كباقي القصور، قصر مولاي اليزيد بن محمد بن عبد الله. هنا قصر لم يكتمل، وتمرد لم ينجح، وحكم لم يطل، لكنه ترك أثرا لا زال شاهدا على فترة صاخبة من التاريخ، لم يهدأ فيها السلاح إلا ليلعلع الرصاص من جديد.

مولاي اليزيد بن محمد بن عبد الله، أو كما سمى نفسه “محمد المهدي اليزيد”، ابن السلطان محمد الثالث الذي تمرد على أبيه ولجأ إلى جبل العلم في جوار ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش وفي حماية قبيلة بني عروس، حتى وفاة والده محمد بن عبد الله، ليتولى الملك، هذا الملك الذي لم يدم سوى سنتين، لينتهي صريعا برصاصة في خده أثناء مطاردته لأخيه المولى هشام.

حينما تصل إلى موقع القصر قرب ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش، تجده منتصبا بشموخ، متحصنا بين الأحجار، محتميا برؤوس الجبال، مما يمنحك شعورا بروح الحكاية، حكاية هروب وتمرد، فالمتمردون هم من يتحصنون بالجبال، ففي ذلك الزمن أواخر القرن الثامن عشر، كانت الفتنة هي الطاغية، والصراع على السلطة في أوجه.

هنا نزل الأمير المتمرد اليزيد بن محمد بن عبد الله، هاربا من سلطة أبيه ثائرا عليها، نزل عند قبيلة بني عروس آخذا بيعتها، ليشرع في بناء هذا القصر ما بين سنتي 1787 و 1789. كمركز للحكم؟ ربما، كقاعدة خلفية للتمرد من أجل حشد التأييد وحشد القوات للسيطرة على عاصمة الملك؟ ايضا ربما.

بني القصر بغرفه ومرافقه ومحرابه، لكن بناءه لم يكتمل، تغيرت الأوضاع والظروف، وغادر اليزيد جبل العلم بعد وفاة والده ليستلم الحكم، الحكم الذي ثار وتمرد من أجل الوصول إليه، فأتاه على طبق من ذهب بعد وفاة السلطان، لكنه حكم لم يدم إلا سنتين، لم تكتمل فترة حكمه كما لم يكتمل بناء القصر، وكأن قدر اليزيد كان عدم اكتمال الأماني.

بقي القصر شاهدا على مرحلة متفردة من تاريخ المنطقة والبلاد، مرحلة كان عنوانها الصخب والتمرد، ومنطقة كانت تصنع التاريخ وتصنع الأحداث، قبل أن يطالها التهميش كما طال القصر، القصر الذي كان من المقرر ترميمه كأثر وكشاهد على التاريخ، قبل أن يتبخر المشروع كما تتبخر أشياء كثيرة في هذا البلد.

نغادر القصر ولا يغادرنا، كما لا تغادرنا التساؤلات عن حجم الإهمال الذي مورس على آثار وتاريخ وأرشيف المنطقة.

“بعض القصور لا تكتمل جدرانها، لأنها بنيت على أحلام لم يكتب لها الإكتمال”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist