متى ستتزوجين؟ لماذا تأخرت في الزواج ؟ ألم يطرق أحد بابك بعد؟ لماذا لم تنجبي بعد ؟ متى سنفرح بأولادك ؟ متى ستنجبين لنا طفلا آخر ؟ مسكينة.. تأخرت في الإنجاب !؟ مسكينة تطلقت!؟ أتسافرين وحدك؟ لماذا تجلسين في المقاهي ؟ لماذا ترتدين هكذا؟؟؟؟
قائمة لا تنتهي من الأسئلة والعبارات التي ترمى يوميا في وجه النساء والفتيات تبدو في ظاهرها عادية ،جائزة أو مدفوعة بـ “الواجب الاجتماعي” والاطمئنان لكنها في عمقها سياط غير مرئية تجلد المساحة الخاصة الفاصلة بين ما هو شأن عام وبين ما هو حق إنساني وخيار شخصي للمرأة وحدها.
في مجتمعاتنا تعامل حياة النساء غالبا وكأنها “مشاع” كتاب مفتوح يحق للجميع تصفحه والتعليق على هوامشه وإصدار الأحكام على فصوله. تراقب اختياراتها وتفسر قراراتها وتوضع تحت مجهر التقييم المستمر من شكلها وسنها إلى طريقة لباسها، وحتى أماكن تواجدها، إذ يصبح مجرد جلوسها بمفردها في مقهى أو سفرها دون رفقة مادة دسمة لعلامات الاستفهام والتعجب! وكأنها في امتحان اجتماعي أبدي كلما اجتازت فيه مرحلة، سلمت ورقة أسئلة أخرى للمرحلة التي تليها في مزاد علني لا ينتهي.
لكن ما لايدركه الكثيرون أن خلف الستار قصص لا تروى لأن الحقيقة الغائبة التي يتعامى عنها هذا الفضول الفج، أن خلف كل سؤال قصة لا تعرف أبعادها ولا وجعها إلا صاحبتها:
فعبارة “ألم يطرق أحد بابك؟” تختزل قيمة المرأة وجدارتها وإنسانيتها في مجرد “طرق على الباب ليكتمل معها الحساب ويفتح حساب … في تجاهل تام لوعيها، و استقلاليتها، أو حتى نصيبها وقدرها.
ومطالبتها بـ “أن تنجب أطفالا للآخرين” تحيل جسد المرأة وحلم الأمومة إلى وظيفة اجتماعية لإرضاء المحيط، بينما قد تكون في الخفاء تخوض رحلات علاج جسدي ونفسي مضن، فهي تعيش ضغطا متزايد ، فمرارة تأخر الإنجاب هناك من لايستطيع تجاوزها ويعمق الوضع تلك الأسئلة التي تقتحم الخصوصية بدون موجب حق .
أما الطلاق، الذي ينظر إليه بعين “الشفقة” المستهجنة “مسكينة تطلقت.. ما هذا؟”، أو بمنطق الإزدراء كأنها ارتكبت جريمة غير أن الأمر قد يكون في الحقيقة أكبر انتصار حققته المرأة لشخصيتها، وكرامتها، وصحتها النفسية.
إن تحويل اختيارات النساء اليومية—سواء في اللباس، أو السفر، أو الاستمتاع بلحظة عزلة في مقهى—إلى مادة للفضول أو الأحكام الجاهزة، هو انتهاك صريح لإنسانيتهن. فمن الاحترام والتحضر ألا نطالب الآخرين بتبرير اختياراتهم الشخصية التي لا تؤذي أحدا.
فالخصوصية حق وليست ترفا أو رفاهية تختار المرأة أن تعيشها أو تتخلى عنها، وليست ترفا اجتماعيا يمنح للبعض ويحرم منه الآخرون بل هي حق إنساني أصيل.
إن النضج الحقيقي لأي مجتمع يبدأ من قدرة أفراده على رسم حدود فاصلة بين الاهتمام الحقيقي والتدخل السافر، بين الاطمئنان الصادق والفضول الخانق. فلنكف عن إمطار النساء بأسئلة لا تقدم مواساة ولا تصنع حلولا. لنمنح الآخرين حق الاحتفاظ بما لا يرغبون في مشاركته، ولنتذكر دائما أن بعض الصمت احترام.. وبعض الأسئلة انتهاك للخصوصية.
في حبر نسائي حكايات وأسئلة لم تكتب بعد وما زال للحبر كلام
فما يكتب هنا ليس نهاية الحكاية بل أول أثر للحبر…