وقع المحظور، وتم اقتحام البرلمان الإسباني “الكورطيس”. لكن، في نفس الوقت كان هناك من سيسجلون ملحمة الصمود والدفاع عن الديموقراطية في وجه الرصاص.
–3- مساء الرصاص، حينما رفض أدولفو سواريث الإنبطاح:
في الساعة السادسة من مساء يوم 23 فبراير سنة 1981، وأثناء عملية التصويت في البرلمان الإسباني “الكورطيس” على انتخاب “ليوبولدو كالفو سوتيلو” كرئيس للوزراء، بدأت عملية “الدوق دي اهومادا” التي سميت كذلك تيمنا بإسم مؤسس الحرس المدني، حيث قامت مجموعة من رجال الشرطة بإقتحام غرفة مجلس النواب بقيادة العقيد “أنطونيو طيخيرو” الذي اعتلى المنصة آمرا الجميع بالإنبطاح أرضا، وبعد رفض طيخيرو الامتثال لأمر الجنرال “غوتيريث ميادو” بإلقاء السلاح وانطلاق الرصاصة الأولى من رشاشه، انطلق وابل من الرصاص من رشاشات الانقلابيين، لينبطح جميع النواب أرضا. هنا برز الوجه الآخر لأدولفو سواريث، حيث رفض الانبطاح وظل ثابتا في مكانه، لم يضاهيه في هذه الشجاعة وهذا الثبات والجرأة سوى سانتياغو كاريو الزعيم الشيوعي الصلب. رفض الرجلان الرضوخ والانبطاح، رغم لعلعة اصوات الرصاص، رغم التهديدات والمخاطر، وظلا صامدين في وجه رشاشات العسكر.

من محاسن الصدف في تلك اللحظات الفارقة وجود رجل آخر يمتلك شجاعة سيدونها التاريخ، إنه “بيدرو مرتين فرانسيسكو” تقني التلفزيون الإسباني الذي استمر في بث وتسجيل الأحداث، ليصبح هذا التسجيل وثيقة نادرة لا تقدر بثمن. استمر احتجاز ممثلي الشعب الإسباني داخل قبة البرلمان طيلة المساء والليل، في ليلة عرفت ب “ليلة الترانزستورات” لأن إذاعة “كادينا سير” استمرت في بث الأحداث للمستمعين عبر الراديو. كانت ليلة سهر فيها الشعب الإسباني بأكمله وهو يرى تجربته الديموقراطية الفتية تتأرجح على كف عفريت.

انتهت العملية بخطاب الملك خوان كارلوس على الساعة الواحدة صباحا على التلفزيون الإسباني الذي فشل الجنرال الانقلابي “رييس روخاس” في الاستيلاء عليه، ذلك الخطاب الذي أكد فيه الملك على وقوفه ضد العملية، وعلى دفاعه عن الدستور والانتقال الديموقراطي، لتستمر مقاومة طيخيرو ومن معه حتى ظهيرة 24 فبراير قبل استسلامه.

هكذا أسقطت شجاعة أدولفو سواريث وثلة من الرجال الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية حماية عملية الانتقال الديمقراطي الوليدة، هذه العملية الانقلابية التي كانت ستغير تاريخ إسبانيا إلى الأبد.

“أدولفو سواريث غونثاليس”، ذلك السياسي الذي لم يمنعه انتماؤه إلى تيار أو خلفية معينة من أن يصبح رجل التوافقات الذي حمل روحه على كفيه في مساء الرصاص، كما حمل مسؤولية صناعة التوازنات التي أخرجت إسبانيا من عنق زجاجة الديكتاتورية، وانطلقت بها لتصنع تحولا ديموقراطيا جنت ثماره الأجيال اللاحقة. استطاع تسجيل إسمه بمداد من ذهب، كنموذج للشجاعة التي بإمكانها أن تصنع التاريخ.