عبدالحميد البجوقي: السيَّاج

عبدالحميد البجوقي

لم يكن السياج مرتفعًا بما يكفي ليمنع العبور.
لكنه كان مرتفعًا بما يكفي ليمنح صاحبه ذلك الوهم القديم الذي يُلازم البشر منذ اخترعوا الحدود، أن ما يقع خلف الأسلاك لم يعد يعنيهم.
كان يمتد طويلًا بمحاذاة المزرعة، يلتف حولها كأفعى من الحديد، تنتهي عند بوابة خشبية ثقيلة لا تُفتح إلا مع الفجر وتُغلق قبل أن يبتلع الليل آخر خيط من الضوء.
كل مساء، كان الرجل يحمل مصباحه اليدوي ،ويسير بمحاذاة السياج بخطوات ثابتة. يتوقف عند كل عمود، يهزه بيده، يشد الأسلاك المرتخية، يقتلع الأعشاب التي نبتت عند القاعدة، ثم يواصل جولته كما يفعل جندي يحرس آخر حصونه.

وكان، في كل مرة، يجد شيئًا واحدًا يفسد عليه شعوره بالنصر.
فتحة.
صغيرة…
ضيقة…
لا تكاد تتسع إلا لجسد نحيل.
لم يكن يعرف كيف ظهرت.
كان يقسم أنه أصلحها في الليلة السابقة، وأنه شد السلك بيديه حتى جرحت الأشواك راحتيه.
ومع ذلك…
كانت تعود.
في البداية، لم يمنح الأمر أهمية.
قال وهو يتأمل آثارًا خفيفة فوق التراب الرطب:
“قطة، ربما تكون قطة”
انحنى أكثر.
رأى خدوشًا صغيرة على الخشب، وكأن مخالب دقيقة حاولت أن تتشبث به.
ابتسم.
“لا بد أنها جائعة.”
سد الفتحة، ودك التراب فوقها، ثم عاد إلى بيته مطمئنًا.
لكنها عادت.
في الليلة التالية، وجد آثارًا أكبر قليلًا.
ليست آثار قطة.
وليست آثار كلب.
شيء بين الاثنين.
شيء لا يعرف كيف يسميه.
ظل يحدق فيها طويلًا، ثم هز كتفيه وقال:
“حيوان ضال.”
زاد عدد الأسلاك.
غرس أغصان يابسة من أشواك حادة.
علق صفائح معدنية تحدث ضجيجًا إذا لامسها شيء.
ثم نصب مصباحًا قويًا عند الزاوية الشمالية، حيث كانت الفتحة تظهر غالبًا.
وفي الصباح التالي…
كانت الفتحة قد انتقلت إلى الجهة الأخرى.
كأن الليل لا يهدمها…
بل ينقلها.
منذ تلك الليلة، بدأ الرجل يفقد شيئًا من هدوئه.
صار يخرج أكثر من مرة ليتفقد السياج.
ثم صار يحمل بندقيته.
ثم اكتفى بعصا غليظة، لأنه أدرك أن الذي يزوره لا يبدو مفترسًا.
الغريب أنه لم يفقد يومًا دجاجة.
ولا خروفًا.
ولا أرنبًا.
كل شيء بقي في مكانه.
لكن شيئًا آخر كان يختفي.
قطعة خبز تركها قرب الباب.
قارورة ماء لم يجدها صباحًا.
بطانية قديمة كانت في المخزن.
بل إنه وجد مرة نصف رغيف يابس موضوعًا بعناية قرب إحدى الأشجار، وكأن من أخذه لم يحتج إلا إلى نصفه.
وقف طويلًا ينظر إليه.
لم يفهم.
لو كان كلبًا لأكله كله.
ولو كانت قطة لما حملته أصلًا.
هز رأسه.
ثم قال لنفسه:
“الحيوانات أيضًا تتغير.”
مرت أسابيع.
وأصبح الليل بالنسبة إليه امتحانًا.
كان يجلس خلف نافذته، والمصباح مطفأ، يراقب السياج كما يراقب صيادٌ ماءً ساكنًا ينتظر أن يهتز.
وفي ليلة بلا قمر…
سمع الصوت.
لم يكن مواءً.
ولم يكن نباحًا.
كان أقرب إلى احتكاك القماش بالأعشاب اليابسة.
ثم…
همس.
خفيف جدًا.
كأن الريح تعلمت الكلام.
نهض.
أمسك عصاه وخرج.
رأى ظلًا صغيرًا ينزلق بين الشجيرات.
ركض خلفه.
كان الظل يهرب بخفة مذهلة.
لا يلتفت.
لا يُصدر صوتًا.
لا يُدافع عن نفسه.
ظل يطارده حتى تعثر الظل بجذر شجرة.
انقض عليه.
أمسكه من ذراعه.
تجمد.
ما أغرب هذا الحيوان.
خفيف…
خفيف إلى درجة أنه رفعه بيد واحدة.
دفعه بعيدًا خلف السياج.
وسمع وقع ارتطامه بالأرض.
ثم عاد وهو يتمتم:
“لن أراك ثانية.”
لكن الليل…
كان أكثر عنادًا.
في الليلة التالية…
عادت الفتحة.
وعاد معها ظلان.
ثم ثلاثة.
ثم أربعة.
كان كلما أمسك واحدًا، بدا أصغر من سابقه.
وكان كلما أبعده، عاد من حيث لا يدري.
حتى خطر له أن يضعهم في شاحنته القديمة.
قادها ساعات طويلة.
إلى أرض لا يعرفها إلا الرعاة.
مكان لا سياج فيه.
ولا بيوت.
ولا أشجار.
أنزل الظل.
أشار بيده نحو الأفق.
وقال ببرود:
“اذهب.”
ثم عاد مقتنعًا أن الأمر انتهى.
وفي الصباح…
كانت الفتحة موجودة.
وكانت آثار الأقدام أكثر من أي وقت مضى.
بدأ يشك في السياج نفسه.
صار يحدثه.
“لماذا تخونني؟”
كان يربت على الأعمدة كما يربت الإنسان على كتف صديق خذله.
“ألم أصنعك لتحرس؟”
لكن الحديد لا يجيب.
كان يئن فقط عندما تعصف الريح.
وفي بعض الليالي…
كان الرجل يخيل إليه أن الأسلاك ترتجف قبل أن يصل إليها أحد.
كأنها تعرف القادمين.
وكأنها، في سرها، تفتح الطريق.
وكان القادمون…لا يأتون مباشرة.
كانوا يقفون بعيدًا.
طويلًا.
ينظرون نحو شيء لا يراه.
ثم يتقدمون ببطء.
بصبر من يعرف أن العبور لا يكون دفعة واحدة.
مرة وجد عند السياج لعبة صغيرة مكسورة.
ومرة فردة حذاء.
ومرة قطعة قماش زرقاء.
ومرة زجاجة ماء فارغة.
قال:
“غريب…أي الحيوانات تحمل ألعابًا؟”
ثم ضحك من نفسه.
وألقى اللعبة بعيدًا.
مرت الفصول وتغير لون الحديد.
صدئت المسامير وتشققت الأعمدة الخشبية.
أما الفتحة…
فظلت تظهر كل ليلة في مكان مختلف.
حتى بدا للرجل أن الذي يعبر لا يبحث عن ثغرة في السياج…
بل عن ثغرة في العالم.
في القرية…
صار الناس يتحدثون عن الأمر ببرود.
“شوهدت آثار جديدة.”
“أُلقي القبض على متسللين.”
“نُقلوا بعيدًا.”
“المنطقة آمنة.”
كانت الجُمل تمر بينهم كما تمر نشرة الطقس.
لا أحد يسأل إلى أين..
ولا أحد يسأل، كيف يعودون؟
ثم جاءت تلك الليلة.
ليلة قمر لم يظهر منذ أسابيع.
خرج الرجل كعادته.
ورأى الفتحة.
لكنه لم يسرع لإغلاقها.
اختبأ خلف شجرة ينتظر.
مر الوقت بطيئًا.
ثم تحركت الأعشاب.
خرج ظل.
ثم آخر.
ثم ثالث.
لم تكن خطواتهم تشبه خطوات الحيوانات.
كانت أبطأ.
أثقل.
وكأن التعب يسير قبلهم.
اقتربوا من السياج.
وانبطحوا على التراب.
وأخذوا يزحفون.
واحدًا…
بعد آخر.
ولما مر أولهم تحت الضوء…
رأى اليد.
لم تكن مخلبًا.
كانت كفًا صغيرة.
ثم رأى الأصابع.
ثم الوجه.
وجهًا مغطى بالغبار والملح.
وعينين أوسع من عمرهما.
ثم خرج الثاني.
كان يحتضن قطعة خبز يابسة.
أما الثالث…
فكان يحمل فردة حذاء لا تخصه.
ثم خرج الأصغر.
توقف قبل أن يعبر.
رفع رأسه نحو السماء.
نظر إلى القمر طويلًا…
ثم ابتسم ابتسامة قصيرة…
كأنها آخر ما بقي له من طفولته.
عندها فقط…
فهم الرجل.
لم تكن هناك قطط.
ولم تكن هناك كلاب.
كانت أجساد أطفال، بالكاد بلغت أحلامها الرابعة عشرة، تحاول أن تزحف من بين أسنان الحديد، لأن العالم لم يترك لها بابًا أوسع من تلك الفتحة.
أطفال لم يكونوا يسرقون دجاجًا.
ولا خبزًا.
كانوا يسرقون احتمالًا.
احتمال أن يصبح الغد أقل قسوة من الأمس.
وفي الليالي التالية…
رأى ما لم يكن يراه من قبل.
الركبتين المجروحتين.
الأقدام الحافية.
الأكتاف التي انحنت قبل أوانها.
الوجوه التي حفظت الخوف أكثر مما حفظت أسماء الألعاب.
ورأى أيضًا الرجال الذين كانوا يأتون بعد قليل.
يجمعون الصغار.
يصعدون بهم إلى شاحنات مغلقة.
ثم تمضي المركبات نحو الجنوب.
بعيدًا…
بعيدًا جدًا…
حتى حيث تختفي الطرق المعبدة، ويبدأ الرمل.
كان يعود في الصباح.
يفتش السياج.
فلا يجد إلا خيطًا من قماش عالقًا في شوكة.
أو زرًا صغيرًا.
أو أثر دم جف فوق الحديد.
وكان يصلحه كعادته.
لكن يديه لم تعودا ثابتتين.
وذات صباح…
أنهى جولته.
وقف يتأمل السياج.
لم تكن فيه فتحة واحدة.
كان كاملًا، مشدودًا لآخره.
لكن شيئًا فيه بدا مكسورًا.
ولم يكن الحديد.
كان الرجل نفسه.
لأنه أدرك، متأخرًا، أن الأسلاك لا تحرس الضمائر، وأن الحدود لا تُصلح الخرائط التي تصدعت داخل البشر.
لقد استطاع أن يمنع أجسادًا صغيرة من العبور مرات كثيرة.
لكنه لم يستطع، ولو مرة واحدة، أن يمنع اليأس من الوصول قبلها.
ومنذ ذلك الصباح، كلما هبت الريح واهتزت الأسلاك، لم يعد يسمع صرير الحديد.
كان يسمع أصواتًا صغيرة…
تسأل العالم سؤالًا واحدًا، لم يجد أحد له جوابًا بعد:
أين تبدأ الحدود حقًا؟ عند الأسلاك الشائكة… أم عند اللحظة التي يصبح فيها الطفل غريبًا عن وطنه، ويغدو البحر أحنَّ عليه من اليابسة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist