“ليس أصعب من طريق النجاح إلا أن تكون إمرأة تسلكه”
الغريب أن المجتمع بكل مقوماته دائما ما يحتفي بالنجاح لكنه أحيانا يتردد في الاحتفاء بنجاح المرأة. فكلما حققت إنجازا ظهرت الأسئلة قبل التهاني: من دعمها؟ من يقف وراءها؟ هل استحقت فعلا ما وصلت إليه؟ وكأن كفاءة المرأة تظل في نظر البعض فرضية تحتاج إلى إثبات دائم، بينما تمنح كفاءة الرجل ثقة أولية لا يسأل عنها.
هذه ليست مجرد ملاحظات عابرة، بل هي سلوك اجتماعي يتكرر في مجالات متعددة في الجامعة وفي العمل وفي السياسة وفي المجتمع المدني وحتى في المبادرات التطوعية. فعندما ينجح الرجل، ينسب نجاحه إلى اجتهاده وخبرته. أما المرأة فكثيرا ما تحاصر بسيل من التأويلات التي تبحث عن تفسير لنجاحها خارج قدراتها.
وكأن الاعتراف بكفاءة النساء لا يزال لدى بعض العقول، أمرا يحتاج إلى مبررات.

والمؤسف في الأمر أن التشكيك لا يستهدف الإنجاز فحسب بل يستهدف المرأة ذاتها. فبدل أن يتحول النجاح إلى مصدر إلهام يصبح سببا للمساءلة وينظر إلى الطموح أحيانا باعتباره خروجا عن الأدوار التقليدية التي اعتاد المجتمع رسمها لها.
والإشكال المطروح أن الصور النمطية لا يقتصر حملها على جنس دون آخر، بل قد تتحول إلى ثقافة اجتماعية يتبناها الجميع، فيصبح نجاح إمرأة مصدر ريبة أو منافسة بدل أن يكون باعثا على الفخر والتضامن.
في الفضاء الرقمي تتخذ هذه الظاهرة أشكالا أكثر حدة. فكل امرأة تحضر في الشأن العام، أو تحقق إنجازا علميا أو مهنيا، تصبح معرضة للتنمر، والسخرية، والتشهير، والتعليقات التي لا تناقش أفكارها أو أعمالها، بل شكلها، أو حياتها الخاصة، أو طريقة حديثها. وكأن المطلوب منها أن تدافع عن حقها في النجاح قبل أن تستمتع به.
وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا يخيف نجاح النساء بعض الناس؟
لأن نجاحها لا يضيف اسما جديدا إلى قائمة الناجحين فقط، بل يهز قناعات قديمة ظلت تعتبر أن القيادة، والقرار، والتميز، مجالات يحتكرها الرجال، أو على الأقل تمنح لهم بصورة تلقائية. وكل امرأة تنجح بجدارتها تكسر صورة نمطية، وتفتح الباب أمام أخريات ليؤمن بأن الطموح حق، لا امتياز.
غير أن القضية ليست صراعا بين الرجل والمرأة، كما يحاول البعض تصويرها. فنجاح المرأة لا ينتقص من نجاح الرجل، كما أن تمكين النساء لا يعني إقصاء الرجال. المجتمعات القوية هي التي تستثمر في كفاءات جميع أفرادها، وتمنح الفرص على أساس الجدارة، لا على أساس النوع الاجتماعي.
إن التشكيك المستمر في نجاح النساء يخلف آثارا تتجاوز الإحباط الفردي فهو يثني بعض الكفاءات عن خوض التجارب، ويغذي الخوف من الظهور، ويضع حواجز غير مرئية أمام المشاركة في الحياة العامة. وعندما تخسر امرأة ثقتها في نفسها بسبب هذا المناخ، فإن المجتمع كله يخسر طاقة كان يمكن أن تسهم في التنمية والإبداع.
ولعل التحدي الحقيقي اليوم ليس فقط في سن القوانين التي تكفل المساواة، وإنما في تغيير الثقافة التي ما زالت تتعامل مع نجاح المرأة بوصفه حدثا استثنائيا يحتاج إلى تفسير. فالعدالة تبدأ عندما يصبح النجاح أمرا طبيعيا، لا مناسبة للتشكيك.
ربما آن الأوان لأن نتوقف عن سؤال المرأة: “كيف وصلت؟” بالمعنى الذي يشكك في استحقاقها، وأن نبدأ بسؤال أكثر إنصافا: “ماذا قدمت؟” لأن القيمة الحقيقية لأي إنجاز لا تقاس بجنس صاحبه، بل بما يضيفه من أثر في حياة الناس.
و يبقى النجاح لغة لا تعرف التمييز. والعمل الجاد لا يحمل هوية ذكر أو أنثى. أما المجتمعات التي تصر على محاكمة النساء كلما نجحن، فإنها لا تعرقل مسيرتهن وحدهن بل تؤخر تقدمها هي أيضا.
في “حبر نسائي” نؤمن أن المرأة لا تحتاج إلى امتيازات استثنائية، بل إلى فرصة عادلة، وإلى مجتمع يصفق للإنجاز قبل البحث عن جنس صاحبه .
في حبر نسائي حكايات وأسئلة لم تكتب بعد وما زال للحبر كلام
فما يكتب هنا ليس نهاية الحكاية بل أول أثر للحبر…
Comments 1
المشكلة ليست في نجاح المرأة، بل في نظرة البعض إلى هذا النجاح. فما دام المجتمع يطالب المرأة في كل مرة بإثبات أنها تستحق ما وصلت إليه، فإنه لا يزال ينظر إلى تفوقها باعتباره استثناء لا قاعدة. إن المجتمعات التي تتقدم هي تلك التي تتعامل مع الكفاءة باعتبارها قيمة إنسانية لا ترتبط بجنس أو منصب أو خلفية اجتماعية. فالنجاح لا يحتاج إلى تبرير، بل إلى الاعتراف به واحترام الجهد الذي صنعه.
موفقة أستاذة كوثر