فرح وصلت سباحة إلى سبتة.. والوطن يغرق في أسئلته

التحرير

لم تكن الشابة فرح تحتفل بانتصار شخصي وهي ترفع علامة النصر بعد وصولها سباحة إلى سبتة المحتلة رفقة صديقتها، بل كانت، دون أن تدري، ترفع شهادة فشل في وجه كل السياسات العمومية التي جعلت البحر يبدو أكثر رحمة من اليابسة.
الصورة التي تناقلتها وسائل الإعلام الإسبانية لفرح وهي تبتسم بعد رحلة الموت، تختزل مأساة جيل كامل من الشباب المغربي الذي لم يعد يحلم بمنصب أو مشروع أو سكن لائق، بل أصبح أقصى طموحه أن يصل حيا إلى الضفة الأخرى. لم يعد الوطن بالنسبة إلى كثير من أبنائه فضاء لتحقيق الأحلام، بل محطة انتظار طويلة تنتهي عند شاطئ الفنيدق.


في الأيام الأخيرة، تحولت مدينة الفنيدق إلى قبلة للمئات من المرشحين للهجرة غير النظامية. قاصرون وشباب وشابات قدموا من مختلف المدن المغربية، وبعضهم من دول أخرى، يحملون حلما واحدا: الوصول إلى سبتة ولو سباحة. أما الثمن فلا يهم، فقد يكون الاعتقال، وقد يكون الغرق، وقد يكون الموت في عرض البحر.
الأرقام صادمة. أربع جثث لفظها البحر عثرت عليها السلطات الإسبانية خلال الأيام الماضية. مئات الشباب تمكنوا من الوصول إلى سبتة، فيما أوقفت السلطات المغربية المئات من محاولات العبور. أما مراكز إيواء القاصرين بسبتة فقد بلغت درجة من الاكتظاظ دفعت السلطات المحلية إلى مطالبة مدريد بنقل عدد منهم إلى مدن إسبانية أخرى وتوفير إمكانيات إضافية لاستيعاب هذا التدفق البشري غير المسبوق.
لكن السؤال الذي يتهرب منه الجميع هو: من أوصل هؤلاء الشباب إلى البحر؟
هل هي الحكومة الحالية وحدها؟ بالتأكيد لا. إنها حصيلة سنوات طويلة من الوعود والشعارات والبرامج التنموية التي لم تستطع أن توفر أملا حقيقيا لشباب اختار أن يغامر بحياته من أجل بضعة كيلومترات تفصله عن سبتة. إنها مسؤولية حكومات متعاقبة تحدثت كثيرا عن التشغيل والإدماج الاجتماعي وريادة الأعمال، لكنها لم تستطع أن تقنع آلاف الشباب بأن مستقبلهم يوجد داخل وطنهم.
الأكثر إيلاما أن بعض المسؤولين لا يزالون ينظرون إلى هذه الظاهرة باعتبارها مجرد قضية أمنية. فيتم الاحتفاء بإحباط محاولات الهجرة، بينما يبقى السؤال الحقيقي معلقا: ماذا بعد؟ هل سيعود هؤلاء الشباب إلى مدارسهم؟ هل سيجدون عملا؟ هل ستتغير ظروفهم الاجتماعية؟ أم أنهم سيعودون إلى الشاطئ نفسه بعد أيام أو أسابيع؟
حين تصبح صورة شابة رفعت علامة النصر بعد وصولها سباحة إلى سبتة مصدر إلهام لآلاف الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي، فذلك يعني أن الدولة خسرت معركة الأمل. وعندما يتحول البحر إلى مشروع حياة بالنسبة إلى القاصرين، فإن الأمر لم يعد يتعلق بالهجرة، بل بانهيار الثقة في المستقبل.
فرح نجت من البحر، لكن هناك من لم يعد إلى أسرته. وهناك من لفظ البحر جثته على الصخور، وهناك من سيحاول العبور غدا وبعد غد. لذلك، فإن الحديث عن هذه المأساة لا يجب أن يقتصر على أرقام الموقوفين والغرقى، بل يجب أن يتحول إلى محاسبة سياسية وأخلاقية لكل من جعل شباب هذا الوطن يردد، بصمت موجع، أن سبتة أقرب إلى أحلامهم من مدنهم المغربية.
إن أخطر ما في المشهد ليس أن الشباب يهاجرون سباحة، بل أن الوطن أصبح عاجزا عن إقناعهم بالبقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist