سبتة 2026… هل نحن أمام موجة هجرة جديدة أم أمام تحولات أعمق في معادلة المضيق؟

عبدالحميد البجوقي

ليس البحر وحده من يروي الحكايات.

فكلما ظن الناس أن مضيق جبل طارق قد استعاد هدوءه، عاد ليبعث برسالة جديدة على هيئة قوارب صغيرة، أو أجساد فتية تشق المياه أملاً في الوصول إلى الضفة الأخرى. وكأن هذا المضيق، الذي ظل عبر التاريخ معبراً للحضارات والجيوش والتجار، يرفض أن يتحول إلى مجرد حدود فاصلة بين قارتين، ويُصِرُّ على أن يبقى مرآة تعكس كل ما يعتمل في ضفتيه من تحولات.

عادت مدينة سبتة هذه الأيام  إلى واجهة الأحداث بعدما تمكن مئات الشبان المغاربة، وبينهم عدد كبير من القاصرين، من الوصول إليها، لتجد المدينة نفسها أمام ضغط غير مسبوق على مراكز الإيواء، بينما ارتفعت في إسبانيا أصوات تتحدث عن “حالة طوارئ” جديدة.

لكن السؤال الحقيقي ليس كم بلغ عدد الوافدين، بل لماذا حدث ذلك الآن؟

قد يكون من السهل تفسير ما يجري باعتباره مجرد موجة هجرة موسمية، غير أن الاقتصار على هذا التفسير يعني تجاهل الصورة الأكبر. فالهجرة ليست رقماً في تقارير الأمن، بل هي في كثير من الأحيان مؤشر يكشف ما يتحرك تحت سطح السياسة والاقتصاد والمجتمع.

وإذا كان كثيرون قد سارعوا إلى استحضار أزمة ماي 2021، فإن المقارنة تبدو، على الأقل في ظاهرها، غير مكتملة.

ففي تلك المرحلة كانت العلاقات المغربية الإسبانية تمر بأسوأ أزمة دبلوماسية منذ عقود، أما اليوم فإن المشهد يبدو مختلفاً تماماً. فمنذ التحول الإسباني في ملف الصحراء سنة 2022، دخل البلدان مرحلة جديدة من التعاون السياسي والأمني والاقتصادي، عززتها اللقاءات رفيعة المستوى، وارتفع معها حجم المبادلات التجارية، واستمرت عمليات التنسيق الأمني والهجرة في مستويات غير مسبوقة.

لهذا يبدو من الصعب الربط آلياً بين ما يحدث في سبتة وبين وجود أزمة سياسية معلنة بين الرباط ومدريد.

غير أن غياب الأزمة الدبلوماسية لا يعني بالضرورة غياب الأسئلة.

هناك، على الأقل، ثلاث قراءات يمكن أن تساعد في فهم ما يجري.

القراءة الأولى تنطلق من الواقع الاجتماعي نفسه. فالصيف يظل موسماً مفضلاً لمحاولات العبور، والأوضاع الاقتصادية تدفع كثيراً من الشباب إلى الاعتقاد بأن الضفة الشمالية تمثل فرصة للحياة، فيما تستغل شبكات الاتجار بالبشر كل ثغرة قانونية أو ظرف ميداني لتكثيف نشاطها. كما أن بعض التطورات القضائية المتعلقة بإجراءات الإعادة قد تكون أسهمت في تغيير تقدير المخاطر لدى بعض المهاجرين.

هذه القراءة تبدو منطقية، لكنها قد لا تكون كافية وحدها لتفسير حجم الظاهرة.

القراءة الثانية تتعلق بإمكانية حدوث ارتخاء ظرفي في بعض آليات المراقبة، وهو أمر لا يعني بالضرورة وجود قرار سياسي من الدولة المغربية. فالحدود ليست آلة تعمل بدرجة واحدة في كل الأوقات، بل تتأثر بالإمكانات البشرية والظروف الميدانية والقرارات العملياتية اليومية. وبين الانفتاح الكامل والضبط المطلق مساحة واسعة من الاحتمالات.

ولهذا فإن تحميل الرباط مسؤولية توظيف الهجرة كورقة ضغط يظل، في غياب أدلة واضحة، استنتاجاً سابقاً لأوانه.

غير أن هناك قراءة ثالثة، أقل حضوراً في النقاش الإعلامي، لكنها تستحق التأمل.

فكلما شهدت العلاقات المغربية الإسبانية مرحلة من التقارب، برزت في المقابل عوامل قادرة على إنتاج التوتر. فشبكات الهجرة غير النظامية لا تتحرك في فراغ، وحملات التضليل الإعلامي أصبحت جزءاً من الصراعات الحديثة، كما أن غرب البحر الأبيض المتوسط تحول خلال السنوات الأخيرة إلى فضاء تتقاطع فيه مصالح إقليمية ودولية متشابكة.

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مؤامرة أو فاعل خفي يُدير الأحداث، وإنما يؤكد حقيقة معروفة في علم الجيوبوليتيك، حقيقة أن الأزمات الكبرى نادراً ما تكون نتاج سبب واحد، والهجرة قد تتحول، عن قصد أو بغير قصد، إلى أداة تستفيد منها أطراف متعددة، حتى وإن كان دافعها الأساسي اجتماعياً أو اقتصادياً.

لذلك، فإن ما يحدث اليوم في سبتة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره أزمة حدود فحسب، بل باعتباره إشارة إلى أن مضيق جبل طارق يدخل تدريجياً مرحلة جديدة من إعادة التشكل الاستراتيجي.

فهذا المضيق لم يعد مجرد ممر بحري يفصل بين إفريقيا وأوروبا، بل أصبح أحد أكثر الفضاءات حساسية في معادلات الأمن والطاقة والهجرة والتجارة، وفي التوازنات التي ترسم مستقبل غرب البحر الأبيض المتوسط.

وربما لهذا السبب، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس كيف يمكن احتواء هذه الموجة؟

بل ماذا تخفي هذه الموجة من تحولات أعمق؟

وهل نحن أمام حادث عابر ستطويه الأيام، أم أمام إرهاصات مرحلة جديدة ستُعيد رسم موازين القوى في المضيق؟

ذلك هو السؤال الذي سنحاول مقاربته في المقال المقبل، من خلال قراءة مقارنة بين سبتة وجبل طارق، باعتبارهما نقطتين متقابلتين في الجغرافيا، ومختلفتين في السيادة، لكنهما تشتركان في حقيقة واحدة، حقيقة أن مستقبل المضيق لا يُصنع على شواطئه فقط، بل في قلب التوازنات الدولية التي تتقاطع فوق مياهه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist