احداث سبتة ومليلية… هل ربح المغرب المعركة وخسر جزءاً من صورته خارجياً؟

التحرير

-الأستاذ انور الطيبي

في السياسة، لا تُقاس نتائج الأزمات بعدد الأيام التي استغرقتها، بل بما تركته من آثار على موازين القوى والرأي العام. ومن هذا المنطلق، يصعب اختزال ما جرى في سبتة ومليلية في مجرد أزمة هجرة، لأن ما حدث حمل رسائل سياسية ودبلوماسية تتجاوز بكثير مشاهد الآلاف من الشباب وهم يحاولون الوصول إلى الضفة الأخرى.

قد يكون أكبر ما كسبه المغرب هو كسر حالة الجمود التي أحاطت بملف سبتة ومليلية لعقود. فالقضية التي كانت تُقدَّم على أنها محسومة، عادت لتفرض نفسها على طاولة النقاش، ليس فقط داخل إسبانيا، بل في الإعلام الدولي أيضاً. وأصبح الحديث عن وجود جيبين إسبانيين في شمال إفريقيا جزءاً من النقاش السياسي والإعلامي، بعدما كان هذا الملف شبه غائب عن الأجندة الدولية.

وهذا ليس مكسباً بسيطاً. فالتاريخ يعلمنا أن القضايا الكبرى لا تبدأ بحلول، بل تبدأ بكسر الصمت الذي يحيط بها. وما دام الحديث عن سبتة ومليلية قد عاد، فإن الملف لم يعد مغلقاً كما كانت مدريد ترغب في إظهاره.

كما أن الأزمة كشفت أن الدعم الأوروبي لإسبانيا لا يعني بالضرورة تطابقاً كاملاً في المواقف. فقد ظهرت أصوات داخل القارة العجوز تدعو إلى مقاربة أكثر هدوءاً في التعامل مع المغرب، بينما برزت قراءات تعتبر أن العلاقة مع الرباط لا يمكن اختزالها في ملف الهجرة فقط، بل هي شراكة استراتيجية تتجاوز الحسابات الظرفية.

ومن جهة أخرى، دخل المغرب هذه الأزمة وهو يمتلك زخماً دبلوماسياً غير مسبوق بفضل التحولات التي عرفها ملف الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة. وهذا الزخم جعل الرباط أكثر ثقة في الدفاع عن مصالحها، وأكثر قدرة على طرح ملفات كانت تبدو، إلى وقت قريب، خارج دائرة النقاش.

لكن، هل يعني ذلك أن المغرب خرج منتصراً بالكامل؟

الجواب، هو لا.

لأن الصورة التي هزت الضمير قبل السياسة لم تكن صورة الحدود، بل صورة آلاف الشباب المغاربة الذين رأوا في البحر فرصة أفضل من الواقع الذي يعيشونه. هؤلاء لم يكونوا يحملون شعارات سياسية، بل كانوا يحملون أملاً بالعثور على حياة أكثر استقراراً.

وهنا ينبغي التوقف بصدق أمام الأسباب التي تدفع هذا العدد الكبير من الشباب إلى التفكير في الهجرة. فارتفاع البطالة، وصعوبة الاندماج في سوق الشغل، والشعور بانسداد الأفق لدى فئات واسعة من الشباب، كلها تحديات لا يمكن تجاهلها. فنجاح أي دولة في الخارج يبدأ من قدرتها على منح مواطنيها أسباباً للبقاء في الداخل.

وفي المقابل، استغل جزء من الإعلام الإسباني، ومعه تيارات اليمين المتطرف، هذه الأحداث لإعادة التشكيك في المغرب كشريك استراتيجي، ولإحياء خطاب يتهم الرباط باستعمال ورقة الهجرة لتحقيق أهداف سياسية. وسواء اتفقنا مع هذا الخطاب أو رفضناه، فإنه وجد مساحة واسعة في النقاش الإسباني، وهو ما يفرض على المغرب مواصلة العمل لحماية صورته الدولية، إلى جانب الدفاع عن مصالحه.

ما حدث في سبتة ومليلية يؤكد أن القوة الحقيقية لأي دولة لا تُقاس فقط بقدرتها على تحقيق مكاسب دبلوماسية، بل أيضاً بقدرتها على معالجة اختلالاتها الداخلية. فلا قيمة لأي انتصار سياسي إذا ظل آلاف الشباب مقتنعين بأن مستقبلهم يوجد خارج وطنهم.

ربما ربح المغرب نقطة مهمة في معركة الرواية السياسية، وربما نجح في إعادة ملف سبتة ومليلية إلى الواجهة الدولية. لكن الرهان الأكبر يبقى في الداخل: بناء اقتصاد يوفر الفرص، ومؤسسات تعزز الثقة، وسياسات تجعل الهجرة خياراً فردياً لا ملاذاً جماعياً، عندها فقط، سيكون للمغرب أن يقول إنه لم يربح معركة دبلوماسية فحسب، بل ربح أيضاً معركة الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist