هناك أسئلة لا تطرح بما يكفي لأنها موجعة ولأن الإجابة عنها تحرج الجميع.
لماذا أصبحت المرأة التي كانت إلى وقت قريب تنتظر عودة المهاجر هي نفسها من تقف اليوم على شاطئ البحر تحمل خوفها وأحلامها وتنتظر دورها للصعود إلى قارب قد لا يصل أو لمعانقة موج لا تدري أين يمكن أن يرمي بها …؟
ليس المشهد هو الذي يجب أن يصدمنا بل اعتيادنا عليه. أن نرى نساء وأمهات، بل وأطفالا، يلقون بأنفسهم في أحضان البحر ثم نكتفي بعد كل مأساة بإحصاء الناجين والمفقودين، أو بيان تنديد في غالبية الاوضاع وكأن الأمر مجرد رقم جديد في سجل طويل من المآسي.
ما الذي يدفع النساء إلى أن يغامرن بحياتهن في هكذا مشهد يكاد أن يكون سرياليا ؟ هل هو حلم الرفاهية؟ أم أن الوطن ضاق بها إلى الحد الذي أصبح فيه المجهول أقل قسوة من الواقع؟ وهل يمكن لعاقل أن يصدق أن أما تحمل أبناءها إلى قارب مطاطي لأنها تبحث عن مغامرة أو عن الرفاهية ؟
الحقيقة التي نحاول الهروب منها هي أن البحر لا يجذب أحدا، بل إن اليأس هو الذي يدفع الناس إليه. فالمرأة لا تهرب من وطنها، وإنما تهرب من الظلم ، ومن الفقر، ومن التهميش، ومن غياب الأفق، ومن سياسات لم تستطع أن تجعل الكرامة حقا يوميا، بل وعدا مؤجلا.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: ماذا حققت السياسات العمومية في المناطق التي تعد أكبر مصدر للهجرة؟ وأين ذهبت برامج التشغيل؟ وما أثر مشاريع التنمية التي رصدت لها ميزانيات ضخمة؟ ولماذا ما زالت آلاف النساء يجدن أنفسهن خارج سوق الشغل، رغم كل الخطابات التي تتحدث عن التمكين الاقتصادي والإدماج الاجتماعي؟
إن الحديث عن محاربة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن يختزل في تشديد المراقبة على الحدود أو إحباط محاولات العبور. فالسؤال الحقيقي ليس: كيف نمنع الناس من ركوب البحر؟ بل: كيف نجعلهم لا يفكرون أصلا في ركوبه؟
ثم أين هي السياسات الموجهة للنساء في المناطق الهشة؟ وأين هي برامج الاقتصاد الاجتماعي التي كان يفترض أن تخلق دخلا كريما؟ وأين هو الاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في الحجر؟ وكيف نقنع شابة بالبقاء وهي لا ترى أمامها سوى البطالة، أو عملا هشا لا يحفظ كرامتها وقد يجرها لاستغلالها واستغلال هشاشة وضعها ؟
إن أكثر ما يدعو إلى القلق ليس ارتفاع أعداد المهاجرات، بل اعتيادنا على المشهد. أصبح خبر غرق قارب أو افراد في عرض البحر يمر في نشرات الأخبار أو مواقع التواصل الاجتماعي كما لو كان خبرا عاديا، ثم نطوي الصفحة وننتظر المأساة التالية، دون أن يكون هناك منطق المحاسبة ، أو نسائل من تقع على عاتقهم مسؤولية وضع سياسات قادرة على حماية الإنسان قبل الحدود.
لقد آن الأوان لأن نعترف بأن الهجرة النسائية ليست قضية أمنية فقط، بل هي قضية عدالة اجتماعية، وتنمية، وكرامة، وثقة مفقودة في المستقبل. وعندما يصبح البحر، بكل مخاطره، أقل رعبا من البقاء، فإن المشكلة ليست في البحر، بل في اليابسة التي دفعت أبناءها إلى الفرار.
فهل سنواصل الاكتفاء بإحصاء الضحايا؟ أم سنمتلك الشجاعة لطرح السؤال الذي يخشاه الجميع: لماذا أصبح الوطن، بالنسبة لبعض نسائه، مكانا لا يوفر ما يكفي من الأمل للبقاء؟
هذه ليست مجرد مأساة نسائية، بل مرآة تعكس واقعا يستدعي مراجعة صادقة للسياسات العمومية، ومساءلة جماعية حول مدى قدرتها على صون الكرامة وفتح آفاق حقيقية أمام النساء، حتى لا يبقى البحر هو الخيار الأخير لمن فقدن الثقة في اليابسة.
في حبر نسائي نكتب الحقيقة كما هي ، وعن حكايات وأسئلة لم تكتب بعد … ومازا للحبر كلام
فما يكتب هنا ليس نهاية الحكاية بل أول أثر للحبر