يقدم هذا المقال قراءة تحليلية لمآلات المشهد السياسي المغربي قبيل استحقاقات 23 شتنبر 2026، انطلاقا من فرضية مركزية: أن الحركية الحزبية الظاهرة على السطح – التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، أزمة “الفراقشية” داخل الأغلبية، إعادة انتخاب بنكيران وسط توترات تنظيمية، وولادة “تحالف اليسار” في نسخة محدودة الحجم – تخفي تحتها منطقًا أعمق يتجاوز التنافس الحزبي التقليدي. فالمقال يجادل بأن ثمة تحولًا بنيويًا يتمثل في تحييد القرار التنموي عن الجهاز الحكومي المنتخب لصالح الجهاز الإداري الترابي (الولاة والعمال)، بالتوازي مع نقل الإشراف على مسلسل الانتخابات نفسه من رئيس الحكومة إلى وزير الداخلية، في خطوة غير مسبوقة تطرح تساؤلات حول موقع الفعل الحزبي في المرحلة المقبلة. .ويخلص المقال إلى أن دورة 2026-2030 مرشحة لأن تُدار بمنطق تقني-إداري أكثر منه بمنطق سياسي- حزبي، وأن سؤال التناوب السياسي الحقيقي مؤجل إلى ما بعد المونديال، مع التذكير بأن هذه القراءة تبقى تقديرية وقابلة للمراجعة في ضوء نتائج الاستحقاق المقبل. كما يطرح المقال سيناريو وسطيًا لقيادة الحكومة المقبلة، بين استمرارية التحالف الحاكم بقيادة محتملة لحزب الاستقلال من جهة، واحتمال بلقنة موجهة تمنح الدولة هامش مناورة واسعًا من جهة أخرى.
وانطلاقا من هذه المعطيات، فان موقع “تحالف اليسار”، الذي يرجّح أن يظل فاعلا هامشيا من حيث تأثير القرار، لكنه يساهم موضوعيا في تكريس التشظي العام للمشهد في غياب تحالف يساري اوسع. وفي هذا الإطار، فمن الناحية الاستراتيجية على تحالف اليسار مراجعة موقفه وقبول المشاركة الحكومية المشروطة بضمانات ملكية واضحة ك”بطاقة بيضاء” للتدبيرالحكومي بدل الاحتماء العقيم بمطلب تغيير الدستور وعدم قبول المشاركة في صنع القرار السياسي ان استطاع الى ذلك سبيلا…. مع تسجيل التحفظ الكلاسيكي الذي يقابل هذا الطرح داخل اليسار نفسه والعمل من داخل وخارج المؤسسات لتغيير الدستور تدريجيا لكسب ضمانات اكثر تساهم في دمقرطة العمل السياسي
–الحلقة الثانية–
السيناريو المحتمل لقيادة “حكومة المونديال”
تشير قراءات عدة إلى احتمال قوي لاستمرار أحزاب التحالف الحكومي الحالي (الأحرار، البام، الاستقلال) في الفوز، مع تحول نسبي محتمل في موازين القوى قد يفضي إلى تصدر حزب الاستقلال للنتائج، بما يتيح له قيادة الحكومة ضمن استمرارية التحالف القائم، في مشهد ينزاح فيه التنافس من صدام المشاريع السياسية إلى تفاوض تقني حول الكفاءة التدبيرية. وينسجم هذا مع قراءات أخرى تتحدث عن نتائج متقاربة جدا تمنح الدولة هامش مناورة واسعا في هندسة التحالف المقبل، مع احتمال قطبية ثلاثية تجمع البام والاستقلال وعودة لافتة للعدالة والتنمية كقوة تعديلية، أو تشكيل حكومة وحدة وطنية موسّعة تضم أحزابا من المعارضة الحالية لتأمين السلم الاجتماعي خلال سنوات المونديال، وفق منطق “بلقنة موجهة” أقرب إلى الهندسة منه إلى الحسم الانتخابي الصريح.

انطلاقًا من هذا التقاطع، يمكن ترجيح سيناريو وسطي بين الطرحين: استمرارية الائتلاف الحاكم في جوهره تبدو أقرب إلى اليقين منها إلى الافتراض، لا لأن برامج أحزاب التحالف الحكومي الحالي ستقنع الناخبين، بل لأن أجندة الدولة المرتبطة بـ”مغرب 2030″ وأوراشها الكبرى تجعل من الصعب سياسيا القطع مع الفريق المسؤول عن تدبيرها في المرحلة المقبلة تحديدًا، وهذا ما يفسر جزئيًا تحييد برامج التنمية عن الهيئة التنفيذية لصالح الإدارة الترابية، إذ تصبح شأنا تقنيا موكولا أساسا للولاة والعمال، خارج كل رهان حزبي تنافسي، وفي زمن “فوق-حكومي”.
وهنا يمكن تقديم قراءة خاصة لهذا التحييد: حين ينتقل مركز ثقل القرار التنموي من الجهاز التنفيذي المنتخب إلى الجهاز الإداري الترابي، فإن ذلك لا يعكس فقط ضغط الأجندة الدولية المرتبطة بالمونديال والمشاريع المواكبة له، بل يعكس أيضا إرادة سياسية بمنطق أعمق يروم تفريغ المنافسة الحزبية تدريجيا من مضمونها البرامجي، ما دام التنفيذ الفعلي للمشاريع الكبرى بات مضمونا خارج الدورة الانتخابية وخارج الزمن الحكومي (ثماني سنوات)، ولا يتوقف على الحزب الذي سيفوز ليشكل الأغلبية أو يتولى رئاسة الحكومة؛ فتتحول الأحزاب إلى أدوات للتنافس على “تدبير” ما تقرر سلفا من طرف الحزب الأغلبي ومن يدور في فلكه، عوض التنافس على تصور حزبي لبرامج تنموية واقتصادية وقرارات سياسية نابعة من البرامج الانتخابية والتصريح الحكومي، وهو ما يفسّر أيضا لماذا يتحول النقاش الانتخابي الحقيقي إلى معارك شرسة وصراع محموم على المواقع والتزكيات، أكثر منه صراعًا على الرؤى والبرامج السياسية والاقتصادية التي يمكن اعتبارها الغائب الأكبر في انتخابات 2026.
ويتقاطع هذا المنحى، في هذا التقدير، مع مسألة أخرى ذات دلالة هامة تستحق الانتباه، وهي إسناد الملك الإشراف على التحضير للانتخابات إلى وزير الداخلية بدل رئيس الحكومة، في خطوة غير مسبوقة منذ دستور 2011، وهو قرار قرأه البعض كضمانة للحياد المؤسساتي، وقرأه آخرون كتعبير عن تخوف متنامٍ من “تغوّل” المال السياسي في ظل حكومة يقودها رجل أعمال نافذ لاحقته العديد من قضايا تضارب المصالح وتوزيع الامتيازات خلال ولايته. وقد تلا ذلك تفعيل لجنة مركزية بأمر ملكي لضمان نزاهة الانتخابات، ما يؤكد التوجه نحو تولي جهاز إداري مباشرة الإشراف على العملية بدل إسنادها للحكومة والأحزاب. ويطرح هذا التعيين سؤالا مشروعا: هل هو احتراز مؤسساتي مؤقت، أم إشارة إلى أن الثقة في قدرة الفاعل الحزبي على تدبير استحقاق مصيري بنزاهة باتت هي نفسها موضع شك من الجهة المشرفة عليه تقليديا؟ ومن الواضح أن هذا التحول ينسجم مع نفس منطق تحييد المشاريع التنموية عن الجهاز الحكومي لصالح الجهاز الإداري: تحويل وظائف حساسة – تنفيذية أو رقابية – من المدار الحزبي إلى المدار الإداري-التقني، بما يُفرغ الحقل الحزبي تدريجيا من صلاحياته التنفيذية ويجعله أقرب إلى واجهة تمثيلية منه إلى مركز قرار سياسي حقيقي، وهو ما يدفع إلى استنتاج أن القرار السياسي بات قرارًا “فوق-حكومي”، وهذا بدوره يغذي أزمة الثقة ويساهم في مزيد من العزوف الانتخابي، الذي تشير الاستطلاعات إلى بلوغه 33.8% مع تركز أعلى في الوسط القروي.
في هذا السياق، يمكن التعريج على دور تحالف اليسار في البرلمان المقبل، والذي يُتوقع أن يكون محدودًا من حيث تأثيره في القرار أو مساهمته في صنعه، ولو على مستوى الهيئة التشريعية، لكنه بالتأكيد لن يكون بلا وظيفة: فهو سيسهم، من حيث يدري أو لا يدري بالضرورة، في تأثيث ما وُصف بـ”البلقنة الموجهة”، التي تعمل على تشتيت الأصوات بين كتل صغيرة متقاربة، وتمنح الدولة هامش مناورة واسعا في هندسة التحالف الحكومي على المقاس، خصوصًا في ظل تعثر ضم التقدم والاشتراكية إليه وشكاوى التشطيب الإداري التي تضعف موقعه التفاوضي أصلًا؛ فيتحول تحالف اليسار من “قوة معارضة” بالمعنى الكلاسيكي إلى “عنصر معارض في مشهد مجزأ” يخدم استقرار المعادلة القائمة أكثر مما يهددها.
وكخلاصة استراتيجية لهذا الوضع، وبتحليل أقرب إلى الواقعية السياسية، يمكن القول إنه بدل أن يبقى تحالف اليسار محتميا بشعار تغيير الدستور – وهو مطلب مشروع في ذاته ولا غبار عليه، لكنه غير قابل للتحقق في الأفق المنظور لأن اليسار لا يملك اليوم أدنى المقومات التنظيمية أو الانتخابية لفرض تغيير موازين القوى في سياق كهذا – فإن مصلحته السياسية الفعلية والبراغماتية تقتضي قبول المشاركة في التدبير الحكومي، شريطة الحصول على ضمانات سياسية واضحة من المؤسسة الملكية تأخذ شكل “بطاقة بيضاء” للتدبير وتنفيذ برنامجه الحزبي في القطاع الذي سيديره، أي هامش فعلي لإدارة أي قطاع يُسند إليه دون خضوع لضغط اللوبيات أو لما يُصطلح عليه بـ”الدولة العميقة”، مع تفعيل البند الدستوري المتعلق بالمحاسبة دون مواربة. أما الاختباء وراء مطلب دستوري بلا أفق واقعي وملموس فيُبقي التحالف في موقع احتجاجي مريح لكنه عقيم من حيث الأثر السياسي، لبعده عن مركز القرار الفعلي، بينما يظل بإمكانه، مع الاستمرار في المطالبة بتغيير الدستور داخل المؤسسات وخارجها كأفق مبدئي، أن يراكم رصيدًا سياسيا ملموسا عبر تقديم نموذج تدبيري “ديمقراطي نموذجي” في أي قطاع قد يعهد إليه به – رصيد يمنحه مصداقية عملية تجعله شريكًا يُعتد به مستقبلا، لا مجرد صوت احتجاجي هامشي؛ ذلك أن لا طرف سياسيا سيقبل التحالف معه أو الرهان عليه إن استمر في التموقع حصريًا خلف مطلب لا سبيل واقعيا إلى تحقيقه في المدى القريب. غير أن هذا الطرح يستحق أن يقابل، من باب الإنصاف، بتحفظ كلاسيكي يطرحه عادة تيار داخل اليسار نفسه: أن المشاركة الحكومية دون ضمانات مؤسساتية راسخة – لا مجرد بطاقة بيضاء ظرفية قابلة للسحب – قد تعرض التحالف لمخاطر الاحتواء أو فقدان هويته الاحتجاجية، وهي معضلة “المشاركة مقابل النقاء” التي عاشتها فصائل يسارية مغربية أخرى سابقًا. وبين الطرحين، يبقى الرهان الفعلي معلقًا على طبيعة الضمانات التي قد تقدم فعليا، لا على مبدأ المشاركة في حد ذاته.
أما عن علاقة كل هذا بالانتقال السياسي المستقبلي، فيمكن القول إن مجموع هذه المؤشرات – تحييد التنمية عن الحكومة لصالح الولاة، نقل الإشراف الانتخابي من رئيس الحكومة إلى وزير الداخلية، تشظي المعارضة بما فيها اليسار، وحتى الخيار المطروح أمام هذا الأخير بين المشاركة المشروطة والانتظار العقيم – يشير إلى أن دورة 2026-2030 ستُدار أساسا كمرحلة تنفيذية لأجندة دولة محددة سلفًا، أكثر منها محطة لحسم سؤال التناوب السياسي الحقيقي أو مساءلة الأحزاب أمام الناخبين. وبعبارة أخرى، يبدو أن سؤال “الانتقال السياسي” بمعناه العميق غير مطروح على أجندة الدولة الآن، ومرشح للتأجيل إلى ما بعد دورة 2026-2030، التي ستُدار بمنطق تقني-إداري أكثر منه بمنطق حزبي-سياسي، على أن تُطرح أسئلة التناوب السياسي بحدة أكبر بعد مونديال 2030، حين يصبح الحقل السياسي مطالبًا بإعادة إثبات جدواه أمام ناخبين متزايدي العزوف وفاقدي الثقة في اللعبة السياسية. وتبقى هذه القراءة تقديرية بطبيعتها، تحتمل الخطأ كما تحتمل الصواب، ولا تعدو كونها اجتهادًا تحليليًا رهين نتائج الاستحقاق المقبل ووقائع الأشهر الفاصلة عنه.
