الهجرة إلى سبتة… ما غاب عن العناوين كان أهم مما تصدرها

إدريس العمراني

بينما انشغلت وسائل الإعلام المغربية والإسبانية والأوروبية بمشاهد التدفق الجماعي لآلاف المهاجرين نحو مدينة سبتة المحتلة، غابت عن كثير من التغطيات حقيقة لا تقل أهمية، وهي أن عشرات الآلاف ممن تمكنوا من الوصول عادوا طواعية إلى المغرب بعد أيام قليلة، إثر اصطدامهم بواقع قاس كشف زيف الصورة المثالية التي رسمت للهجرة غير النظامية.


لقد تصدرت مشاهد العبور عناوين الصحف ونشرات الأخبار، وتحولت الأزمة إلى مادة إعلامية وسياسية استغلها اليمين المتطرف في إسبانيا وعدد من الدول الأوروبية، حيث وظفت بعض المنابر هذه الأحداث لإحياء خطاب الكراهية والعنصرية، مقدمة المهاجر المغربي باعتباره تهديدا أمنيا واجتماعيا، بدل التوقف عند الأسباب الحقيقية التي دفعت آلاف الشباب إلى ركوب البحر والمغامرة بحياتهم.


غير أن المشهد لم يكتمل في أغلب التغطيات. فبعد ساعات وأيام من المعاناة داخل سبتة، وجد آلاف المهاجرين أنفسهم في مواجهة واقع مختلف تماما؛ نقص في الغذاء، ومبيت في العراء، وظروف إنسانية صعبة، ما دفع أكثر من 39 ألف شخص، وفق المعطيات المتداولة، إلى العودة طواعية إلى المغرب بعدما تبدد حلم “الفردوس الأوروبي” أمام أول اختبار للواقع.
إن هذه العودة الجماعية تمثل مؤشرا لا يقل أهمية عن موجة العبور نفسها، لأنها تؤكد أن الهجرة غير النظامية ليست حلا، وأن الصورة التي تروجها شبكات التهريب وبعض منصات التواصل الاجتماعي تصطدم سريعا بواقع مليء بالمعاناة والإقصاء.
وفي المقابل، تفرض هذه التطورات أسئلة أكثر عمقا من مجرد أعداد الواصلين أو العائدين. فحين يختار آلاف الشباب المخاطرة بحياتهم، فإن ذلك يعكس أزمة ثقة في المستقبل، ويستوجب نقاشا صريحا حول البطالة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، والسياسات العمومية الكفيلة بإعادة الأمل إلى فئة واسعة من الشباب، بدل الاكتفاء بمتابعة نتائج الأزمة بعد وقوعها.
لقد كشفت أحداث سبتة أن المعركة الحقيقية ليست على الحدود، بل داخل المجتمع نفسه، حيث يبدأ علاج الهجرة من توفير الكرامة والأمل، لا من عد المهاجرين بعد وصولهم أو بعد عودتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist