من باريس إلى طنجة والدار البيضاء والرباط.. قرار فرنسي لحماية المستهلك قد يتحول إلى صداع اقتصادي واجتماعي للمغرب
لم يعد رنين الهاتف مجرد مصدر إزعاج للمستهلك الفرنسي، بل قد يتحول ابتداء من 11 غشت الجاري إلى مصدر قلق لآلاف الشباب المغاربة العاملين في مراكز النداء، بعدما يدخل القانون الفرنسي الجديد حيز التنفيذ، واضعا قيودا صارمة على التسويق الهاتفي غير المرغوب فيه، ومشترطا موافقة مسبقة وصريحة من المستهلك قبل الاتصال به لأغراض تجارية.

القرار، وإن كان فرنسيا ويستهدف حماية المستهلك داخل السوق الفرنسية، فإن ارتداداته قد تصل بقوة إلى المغرب، الذي تحول خلال السنوات الماضية إلى إحدى أهم منصات خدمات التعهيد الموجهة إلى السوق الفرنسية. وتكمن الخطورة خصوصا بالنسبة للمراكز التي يقوم جزء كبير من نشاطها على ما يسمى بـ”الاتصال البارد”، أي الاتصال بزبناء محتملين لم يطلبوا التواصل معهم.

وتعني القاعدة الجديدة ببساطة أن آلاف المكالمات التي كانت تشكل مدخلا لعقود تجارية قد تصبح غير ممكنة قانونيا، ما قد يدفع بعض الشركات الفرنسية إلى تقليص حملاتها أو تغيير نماذجها، وهو ما سينعكس بالضرورة على الشركات المغربية التي تنفذ هذه الخدمات.
وتزداد حساسية الوضع بالنظر إلى الوزن الاقتصادي للقطاع؛ فقد بلغت صادرات خدمات الاقتصاد الرقمي والـOutsourcing بالمغرب حوالي 26.2 مليار درهم سنة 2024، فيما مثلت خدمات إدارة العلاقة مع الزبناء، التي تضم مراكز النداء، نحو 37.4 في المائة من هذه الصادرات.

لكن الخطر الحقيقي لا يوجد في أرقام الصادرات وحدها، بل خلف سماعات الهاتف: آلاف الشباب الذين يجدون في مراكز النداء فرصة عمل ودخلا مستقرا نسبيا. وأي تراجع كبير في العقود الفرنسية قد يعني تقليص الحملات، وخفض ساعات العمل، وعدم تجديد العقود، وربما فقدان وظائف في المراكز الأكثر اعتمادا على التسويق الهاتفي.
ومع ذلك، لا يعني القانون الفرنسي أن قطاع مراكز النداء المغربي مهدد بالانهيار الشامل، فالحظر يركز أساسا على التسويق الهاتفي غير المطلوب، بينما تظل خدمات خدمة الزبناء والدعم التقني وغيرها من أنشطة التعهيد قائمة، شريطة احترام القواعد الجديدة.
المشكلة إذن ليست في القانون الفرنسي وحده، بل في هشاشة نموذج اقتصادي يعتمد بشكل كبير على السوق الفرنسية.
فإذا كانت فرنسا قد اختارت حماية مستهلكيها من المكالمات غير المرغوب فيها، فإن المغرب مطالب بحماية قطاعه من تداعيات القرار عبر تسريع تنويع الأسواق، وتطوير الخدمات الرقمية، وتأهيل العاملين للانتقال من التسويق الهاتفي التقليدي إلى وظائف ذات قيمة مضافة أعلى.
لقد دق الهاتف هذه المرة في المغرب أيضا، لكن الرسالة ليست تجارية.
إنها رسالة إنذار: إما أن تعيد مراكز النداء اختراع نفسها، أو تتحول سماعة الهاتف التي وفرت آلاف الوظائف إلى باب للخروج من سوق الشغل.