الهجرة، وبين مشاهد الازدحام والقلق والبحث عن مأوى، برز اسم عبد الله مصطفى، الشاب المنحدر من أصول مغربية والمقيم في سبتة المحتلة، في صورة مختلفة تماما ؛ صورة إنسان اختار أن يفتح أبواب الحماية أمام أشخاص وجدوا أنفسهم في ظروف بالغة الهشاشة.
عبد الله، الذي يرأس جمعية حي سيدي مبارك، لم ينتظر حلولا رسمية أو إمكانات كبيرة. وبمجهود شخصي، وبمساندة من سكان الحي، جرى تحويل ملعب بحي روساليس إلى فضاء مؤقت لإيواء عشرات النساء والأطفال والفتيات القاصرات الذين لا يتوفرون على مأوى آمن داخل المدينة.
على أرض الملعب، فرشت الزرابي ونصبت الخيام، وتم توفير بعض الأغطية ومياه الشرب والطعام، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من ظروف العيش للأسر والأطفال الذين وجدوا أنفسهم في الشارع. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المكان أصبح يأوي نحو 150 شخصا ، أغلبهم من النساء والأطفال والقاصرين.

لكن المبادرة لم تتوقف عند توفير مكان للنوم. فقد تحولت الساحة إلى مساحة يحاول فيها عبد الله وجيرانه توفير قدر من الأمان للنساء والفتيات، في ظل المخاوف التي رافقت وجود عدد من القاصرين في الشوارع، وما قد يترتب عن ذلك من تعرضهم للعنف أو الاستغلال أو التحرش.
ومن داخل الحي، انطلقت مبادرة تضامنية تلقائية؛ سكان سيدي مبارك وسكان آخرون في المدينة يساهمون بما يستطيعون من طعام وملابس ومياه وغيرها من الاحتياجات الأساسية، بينما تتولى نساء من المجتمع المحلي، بحسب المعطيات المتوفرة، المساعدة في إعداد وتوزيع الطعام على النساء والأطفال.

ويظهر عبد الله في شهاداته متأثرا وهو يتحدث عن وضع النساء والفتيات والأطفال الذين وجدوا أنفسهم دون حماية كافية، مؤكدا أن إمكانيات المبادرة محدودة وأن ما توفر لدى أصحابها بدأ في النفاد.
“حتى اللي عندنا عطيناه”، بهذه العبارة يلخص عبد الله حجم ما بذله رفقة سكان الحي، في وقت يقول فيه إن الأموال والإمكانات المتوفرة لديهم استنفدت ، وإن استمرار استقبال المحتاجين أصبح يتطلب دعما أكبر.
ورغم بساطة الإمكانات، فإن ما يحدث في ملعب روساليس يكشف جانبا آخر من الأزمة؛ فبعيدا عن الأرقام والتصريحات والمواقف الرسمية، هناك أشخاص وجدوا أنفسهم في مواجهة احتياجات إنسانية عاجلة، وهناك في المقابل مواطنون اختاروا أن يتحركوا بما يملكون، ولو كان قليلا .
عبد الله مصطفى ليس مؤسسة كبيرة ولا يملك موارد ضخمة، لكنه استطاع، بمساعدة سكان الحي، أن يمنح عشرات النساء والأطفال مكانا أكثر أمانا من الشارع، وأن يحول ملعبا رياضيا إلى مأوى مؤقت في ظرف استثنائي.
واليوم، تبدو مبادرته في حاجة إلى دعم حقيقي ومنظم حتى تتمكن من الاستمرار في توفير أبسط الضروريات للأشخاص الذين تؤويهم، خصوصا النساء والأطفال والقاصرين. فمثل هذه المبادرات الفردية قد تنجح في فتح نافذة أمل مؤقتة، لكنها لا تستطيع وحدها تحمل مسؤولية أزمة إنسانية بهذا الحجم.
وفي النهاية، تبقى قصة عبد الله مصطفى وسكان حي سيدي مبارك واحدة من القصص الإنسانية التي خرجت من قلب أزمة سبتة؛ قصة تقول إن التضامن قد يبدأ أحيانا من شخص واحد، ومن ملعب صغير، ومن إمكانات محدودة، لكنه يستطيع أن يصنع فرقا كبيرا في حياة أشخاص لم يجدوا في لحظة صعبة سوى أبواب الناس مفتوحة أمامهم.
