المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي للحد من الهجرة

عبد السلام بن احمد

شمال المغرب يعيش على صفيح ساخن، والفنيدق على وجه الخصوص تعيش حالة استنفار وتأهب، تحسبا لتكرار مشاهد الهروب الجماعي نحو سبتة المحتلة. قوات أمنية بمختلف تلاوينها انتشرت في المداخل والمخارج، والحدود تحولت إلى خطوط مراقبة، فيما عززت السلطات الإسبانية وجودها داخل سبتة المحتلة وعلى تخومها.


لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يمكن للحواجز أن تمنع اليأس؟ وهل تستطيع المدرعات أن تطفئ حلم الهجرة؟ وهل تكفي المقاربة الأمنية لإغلاق باب فتحه الإحباط على مصراعيه؟
ما حدث نهاية يوليوز لم يكن مجرد محاولة عبور جماعية، بل كان إنذارا اجتماعيا وسياسيا صاخبا. آلاف الشباب والقاصرين اندفعوا نحو سبتة المحتلة، بعضهم من المغرب وبعضهم من دول إفريقية وعربية، في مشهد كشف أن البحر أصبح عند البعض أقرب من المستقبل، وأن الضفة الأخرى تبدو أحيانا أكثر أمنا من الوطن.

والأخطر أن هؤلاء الشباب ليسوا جميعا عاطلين عن العمل أو بلا دخل. بينهم من يشتغل، ومن يتوفر على ضمان اجتماعي، ومن له أسرة وزوجة وأبناء. وهذا يعني أن المسألة أعمق من البطالة، وأبعد من الفقر، وأقسى من مجرد البحث عن وظيفة.
إنها أزمة أمل، وأزمة ثقة، وأزمة أفق.
حين يصبح الشاب مستعدا للمخاطرة بحياته من أجل الوصول إلى أوروبا، فالمشكلة ليست فقط في البحر، وإنما في اليابسة التي تركها وراءه. وحين تتحول دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى موجات بشرية، فذلك يعني أن هناك احتقانا يتراكم، وإحباطا يتعاظم، وثقة تتآكل.
الحكومة قد تنشر أرقام النمو والاستثمار والتشغيل، وقد تقدم المؤشرات الاقتصادية باعتبارها دليلا على النجاح، لكن المواطن لا يعيش داخل جدول إحصائي، ولا يأكل نسب النمو، ولا يسكن في مؤشرات الاقتصاد الكلي.
المواطن يريد مدرسة تحمي أبناءه، ومستشفى يحفظ كرامته، وشغلا يضمن مستقبله، وسكنا يستطيع تحمل تكلفته، وقانونا يطبق على الجميع، وفرصة لا تتوقف على الوساطة ولا على النفوذ.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
لا يمكن بناء الأمل بالحدائق وحدها، ولا بالإسمنت وحده، ولا بالمشاريع التي تلمع في الواجهات بينما تتآكل الثقة في الداخل.
الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان، في المدرسة قبل الرصيف، في المستشفى قبل الواجهة، في الشباب قبل الحديقة، وفي الكفاءة قبل الولاء.
لكن الأمل يحتاج أيضا إلى عدالة، والعدالة تحتاج إلى قانون، والقانون يفقد معناه إذا كان يطبق على الضعيف ويتعثر أمام القوي.
لا يمكن مطالبة شاب بالبقاء في وطنه والثقة في مؤسساته، بينما يرى أمامه شبهات حول تضارب المصالح واستغلال النفوذ والاستفادة من الصفقات العمومية. والحل ليس في إطلاق الاتهامات، وإنما في التحقيق الجاد، والمحاسبة الفعلية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مهما كان اسم المسؤول ومهما كان موقعه.
فالمواطن لا يريد دولة تخيفه فقط، بل دولة تحميه. لا يريد قانونا يلاحقه فقط، بل قانونا ينصفه. لا يريد مسؤولين يتحدثون عن التضحية، بينما يبحث آخرون عن الامتيازات.
إن الهجرة الجماعية ليست مجرد قضية أمنية، بل مرآة تعكس ما يجري في المجتمع. هي رسالة من شباب يقول، بطريقته الخطرة: نحن لا نرى المستقبل هنا.
ولهذا فإن مواجهة الظاهرة لا ينبغي أن تبدأ وتنتهي عند الحدود. الحدود يمكن حراستها، والمنافذ يمكن إغلاقها، والقوارب يمكن توقيفها، لكن اليأس إذا بقي مفتوحا فسوف يبحث دائما عن منفذ جديد.
المطلوب ليس فقط أن تمنع الدولة الشباب من الهروب، بل أن تمنحهم سببا للبقاء.
أن تجعل الأمل أقوى من اليأس، والعمل أقوى من البطالة، والكرامة أقوى من الإحباط، والثقة أقوى من الرغبة في الرحيل.
فالدولة القوية ليست التي تملك أقوى الحواجز، وإنما التي تبني أقوى الأسباب للبقاء.
وحين يصبح الوطن مكانا للفرصة لا مكانا للانتظار، ومكانا للكرامة لا مكانا للإحباط، ومكانا للمستقبل لا محطة للعبور، عندها فقط تصبح المقاربة الأمنية جزءا من الحل، لا عنوانا للحل كله.

Comments 1

  1. Ahmed says:

    مقال يضع اليد على الجرح الحقيقي: الهجرة ليست أزمة حدود فقط، بل أزمة أمل وثقة وأفق. المقاربة الأمنية قد توقف العبور، لكنها لا توقف اليأس. شكرا للأستاذ عبد السلام بن أحمد على هذا الطرح الإنساني الصريح، فالمطلوب ليس فقط منع الشباب من الرحيل، بل بناء وطن يمنحهم سببا حقيقيا للبقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist