من يصنع من؟ السياسيون يبحثون عن أحزاب على مقاس الطموح

إدريس العمراني

لم تعد ظاهرة الانتقال بين الأحزاب مجرد حالات فردية معزولة، بل أصبحت تطرح سؤالا مزعجا حول معنى الانتماء السياسي نفسه. فحين ينتقل سياسي من لون إلى آخر، أو يغادر قيادي حزبا بعد عقود ليلتحق بتنظيم قريب منه، أو يدخل تكنوقراط إلى العمل الحزبي قبيل الانتخابات، يصبح السؤال مشروعا: هل ما زالت الأحزاب تصنع السياسيين، أم أن السياسيين هم من يبحثون عن الحزب المناسب لموقعهم؟


حميد شباط يقدم النموذج الأكثر إثارة للجدل. الأمين العام السابق لحزب الاستقلال، الذي كان أحد أبرز وجوهه وأكثرها صدامية، عاد إلى واجهة النقاش السياسي من خارج البيت الاستقلالي، وسط حديث عن إعادة ترتيب الأوراق السياسية.

فشباط لم يكن مجرد عضو عابر في حزب الاستقلال، بل وصل إلى قيادته وأصبح أمينا عاما له، وخاض باسمه معارك سياسية وانتخابية، وقدم نفسه لسنوات باعتباره أحد المدافعين عن اختيارات الحزب ومواقفه. لذلك فإن انتقاله اليوم إلى لون سياسي آخر لا يمكن أن يقرأ فقط باعتباره قرارا شخصيا أو حقا سياسيا مكفولا، بل يفتح نقاشا أوسع حول معنى الوفاء للانتماء السياسي وحدود تغيير المواقع.


وفي الجهة الأخرى، جاء انتقال عبد الهادي خيرات، القيادي الاتحادي السابق، إلى حزب التقدم والاشتراكية في فبراير 2026. وهي حالة أقل استفزازا من الناحية الرمزية، لأن الرجل انتقل من الاتحاد الاشتراكي إلى حزب ينتمي إلى العائلة اليسارية نفسها، بما يجعلها أقرب إلى انتقال داخل المجال الاشتراكي منها إلى قفزة بين مرجعيات متناقضة.


ثم جاءت حالة فوزي لقجع لتفتح الباب أمام ظاهرة مختلفة: التكنوقراط الذي يدخل السياسة الحزبية. فقد أعلن حزب الأصالة والمعاصرة في يوليوز 2026 انضمام لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وترشحه باسم الحزب في انتخابات شتنبر. الخطوة فجرت تكهنات واسعة حول مستقبله السياسي، بل وربطتها تحليلات بإمكانية “قيادة الحكومة المقبلة” إذا تصدر الحزب الانتخابات.
هنا تتجمع ثلاث صور: سياسي يغير اللون، قيادي ينتقل داخل العائلة السياسية، وتكنوقراط يعبر إلى السياسة الحزبية. اختلاف الحالات لا يلغي وحدة السؤال: أين تنتهي القناعة وتبدأ حسابات الموقع؟
ليس تغيير الحزب جريمة، وليس دخول التكنوقراط إلى السياسة عيبا. السياسة تتغير، والقناعات تتطور. لكن القيادي الذي يبدل انتماءه مطالب بتفسير سياسي وفكري مقنع، والتكنوقراط الذي يدخل حزبا مطالب بأن يوضح لماذا اختار هذا الحزب وفي هذه اللحظة بالذات.
فالناخب لا يصوت للأسماء فقط، بل يفترض أنه يصوت لمشروع ومرجعية وتاريخ. وعندما تصبح الألوان قابلة للتبديل، والأحزاب منصات لاستقطاب الشخصيات الثقيلة، يخشى أن تتحول السياسة من تنافس بين المشاريع إلى سوق للتموقع.
المشكلة إذن ليست في شباط، ولا خيرات، ولا لقجع. هؤلاء مجرد علامات على ظاهرة أوسع: تآكل الهوية الحزبية وسيولة الانتماء السياسي.
والخطر الأكبر أن يصبح الحزب مجرد جواز عبور إلى السلطة، وأن يصبح اللون السياسي قميصا انتخابيا يرتدى عند الحاجة.
ليس العيب أن يغير السياسي حزبه، بل أن تتغير القمصان أسرع من القناعات.
وعندما يصبح الموقع هو الثابت الوحيد، بينما تتبدل الأحزاب والألوان والمرجعيات، فإن السؤال لم يعد: من ينتمي إلى أي حزب؟
بل أصبح أكثر قسوة:
هل ما زالت لدينا أحزاب تصنع السياسيين، أم أصبح لدينا سياسيون يبحثون عن الأحزاب التي تصنع لهم الطريق؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist