الذين يتابعون الحياة الأدبية بموريتانيا ، يتذكرون أنها بلد ” المليون شاعر” ، وأيضا بلد الأقلية الهائلة في الرواية ، هذا الشكل الجديد الذي ساعدت على ظهوره مجموعة من التحولات والتفاعلات ، وأشير هنا ، على سبيل المثال ، إلى تجا رب كل من أحمد الوادي ، محمد ولد سالم محمد ، عبدالله أحمد محمود ، سميرة حمادي فاضل ، المختار السالم ، تربه بنت عمار، ثم التجربة الرائد ة ، واضع حجرها الأساسي الشاعر والروائي “أحمدو ولد عبد القادر ” برواية وسمها ب ” الأسماء المتغيّرة (1981، بيروت) ،تلتها ” القبر المجهول (1984، تونس) ، ثم ” العيون الشاخصة” ، التي اتخذت من الصحراء فضاء لها ، والتي اعتبرت فتحا روائيا موريتانيا,
إذا كانت روايتا ” الأسماء المتغيرة ” و” القبر المجهول ” لأحمدو ولد عبد القادر ، اقترابا من الرمال الساخنة للفوضى, والتطاحنات القبيلة ، وتاريخ الصراعات التي كهربت المجتمع المحلي بموريتانيا ، فإن روايته الثالثة” العيون الشاخصة (2009، رام الله)، تقتفي نفس خارطة الطريق سابقتيْها،
ملامسة واقعيّة التقطت بذكاء وهدوء واع فترةَ القحط التي أكلت الإنسان والمكان ، وغير إيقاع ونمطَ الحياة ، مما اضطر البعض إلى التفكير في الهجرة والارتماء في أحضان المدينة ، درجةٍ القبول بالعيش في هوامش المدينة وأطرافها ، ورغم أنّ أحداث الرواية تدور في حيّ بدويّ في الجنوب الموريتانيّ، فقد شخصت أذرع الفساد السياسي إبان الانتخابات ، من شراء للأصوات ووصولية وزبونية وانهيار القيم والاستهتار بالوطن ، كما لم تشذ الرواية عن الإيقاع الغرامي الساخن بين ” “محمد ولد مختاري ” قائد تلاميذ المحضرة والمقيم في القرية ، وبين ” دلدول ” ابن ” الحي البدوي ” وينتمي لشجرته أصلا وفصلا ,
اتخذت رواية ” العيون الشاخصة ” لنفسها ، فضاء منفتحا على الصحراء ، لتأطير أحداثها ، حيث شملت تقريبا كل فصول الرواية ، واقترنت بحزمة من الدلالات الإيجابية والسلبية ، والصور المتعددة والمتنوعة ، وليست حيزا متشابها ورتيبا .
وعليه ، فهي فضاء موغل في القحط والجدب جراء موجة الجفاف ، حيث ” تقل إلى حد بعيد أوجه الحياة ورموزها المألوفة، فتنذر رؤية الطيور ، ولا يبقى في النباتات الا تلك الأنواع التي تكتسب مناعة مؤقتة من الموت بفضل اكتفائها بالنزر القليل من مقومات الحياة” ص 6,
إنها صورة جرداء ، و تعكس أرضا قاحلة ، ومن صلبها استنبت الرواية موقفين مفارقين وتضادين ، موفق يحلم بالهجرة إلى المدينة ، بديلا للبداوة والخلاء الناشف والبداوة ، ويمثله ” الحبيب” مؤذن الجامع الذي نقرأ على لسانه في الصفحة 16 :” إن ابن عمي هذا الذي هو مرابطك لا آخذ عليه إلا منعه لهؤلاء المسلمين المجدبين ، من اللجوء إلى إحدى المدن العامرة .. هذه الأرض خراب”،
ثم موقف الشيخ ” حمدان لمرابط” ، الذي لا يستسيغ فكرة الهجرة إلى المدينة ، باعتبار بئر الخير ، مكان صحراوي رمزي وروحي ، موقف زاهد في الحياة ، ناكر لمتع المدينة ، ومولعة بالصحراء ، نقرأ في الصفحة 9 :” والرأي الآخر من نصيب الشيخ نفسه وهو التمسك العنيد بالأرض ، ونبذ فكرة الهجرة إلى المدن ، والحفاظ على المحظرة واتباع طريقة السلف الصالح القويمة ” ,
ونحن نتابع هذين الاختيارين ، نكون أمام صورتين متضادتين لفضاءين نقيضين ، صورة ” الفقر ، القحط ، الحر الشديد ، الأراضي البيضاء ، البداوة والتخلف ” عشناها في الصحراء، في مقابل ” المدينة ،والتجارة ،و الفلسفة والمنطق ، وصناديق الاقتراع “
وبالرغم من أن الصحراء قاسية بمناحها ، قاحلة بطبيعتها ، فقيرة ببساطها النباتي ، فهي خلاء طبيعي ، وفضاء سانح لتخصيب الحواس يقول أندريه جيد ، نقرأ في الصفحة وفوق ربوة صغيرة على قمة الثلة الرملية أضاءتها ألسنة اللهب المجاورة ومنحتها ألوانا لازوردية حيث ينكسر النور وتماهى بملامح التربة الصفراء البيضاء جلس طالبان يلملمان قطعا من الجمر الملتهب تحت إبريق شاي ” 17
هي ذا ” الحي البدوي ” الصحراوي ، بسكينته ، ومناظر اللماعة والخلابة ، في ليالي الصحراء الجميلة التي تضيئها ألسنة النار ، وتلك هي أنماط الحياة الاجتماعية تحت خيمة الليل التي لا حدود لها ، في عصر تشعبت علومه ومعارفه وتكاثرت أزمانه وأمكنته ,
ومن ناحية أخرى ، لا تبدو الصحراء خلاء واسعا ومترامي الكثبان والرمال ، إنها فضاء واعد باستنطاق المجهول ومنذور للمغامرة والمتاهات : ” وظهر لفيف من السياح الأوروبيين : نساء ورجال يلبسون سراويل قصيرة ويرتدون قمصانا شفافة….ابتعدوا عن أوطانهم داخل هذا اللهيب ، لأنهم باحثون مغامرون ، ألفوا لذة ركوب المحاطر ” 29
وعليه ، يبقى هذا الفضاء مغريا وغنيا بحفرياته وبثراته التاريخي ، نقرأ في الصفحة 29 :” وربما اصطادوا مغنما حلالا ، كجرة مائية نسفت عنها الرياح تحوي قطع ذهب ، أو حدارة كريمة ؟ تعود لحضارات ما قبل دخول الإسلام إلى القارة الإفريقية ” .
والصحراء على بساطتها وبدائيتها تحمل الكثير من القدسية للإنسان ،وتمسكها بإنسانية الإنسان ، وبأقصى ما تدعو إليه المنظمات الحقوقية ، وهذا ما يجسده عدم تفريط ساكنة ” الحي ” في الرجل المجنون “النجيب ولد سيدنا ” المحبط ، متمسكا بأصله وأصالته وتقاليده التي رضعها من قطيع ماشية وجمال ، ليبقى الإنسان هو الإنسان :” وقد قارب الليل انتصافه ، يحمل قصعة صغيرة فيها ما لذ وطاب من لحوم وشحوم العقيرة السمينة ويتوجه إلى الخباء الذي يسكنه الرجل المجنون ” ص18
هذه الصور التي التقطتها الرواية ، لم تخل من جمالية حكائية ، من قبيل انسلال أبيات شعرية عمودية في المحكي الروائي ، وبشكل لا فت ، وهذا من شأنه خلق نوع من اللعب الروائي ، وتكسير رتابة السرد عبر شحنه بإشراقات شعرية ، علما أن الكاتب قادم من دنيا الشعر ، واسم ملفت في المشهد الشعري الموريتاني
وفي سياق انفتاح الرواية وتشكيلها جماليا يستوعب االمحكي الروائي مجموعة من النصوص الدينية ، تحيل على القرآن والحديث النبوي ، عبر تقنيتين ، تقنية المحفاظة على النص الأصلية ونمثل له “: وإن المساجد لله ” ، أو من خلال الانزياح عنها ، ونمثل له ب:” وشخصت أبصار الجميع إلى السماء ” ، والتي تحيل مباشرة إلى قوله تعالى في سورة غبراهيم الآية 42 إبراهيم :” لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ” ، ونقرأ ايضا :” اسكت ياجاهل ، لا يعلم الغيب إلا الله ، وما تدري الإذاعة إلا الأكاذيب ” ، والتي تحيل بدورها إلى قوله تعالى في سورة الجن الآية 26 : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ) ، وبهذا الاستضافة للخطاب الديني تطمح الواية إلى تحقيق جماليتها وسحريها الحكائي .
ومجمل القول ، تلك بعض صور من الصحراء ، كما تلتقطها نص ” العيون الشاخصىة ” لأحمد ولد عبدالقادر الموريتاني ، ونحن نطل على عالم الصحراء ، نستحضر وصف الفنان التشكيلي والباحث في الثقافة الحسانية ابراهيم الحيسن للصحراء :” هي ذيالصحراء ، بهدوئها وغضبها ، وصفائها وعتمتها ، تبسط السكينة والهدوء والعة والصمت ، وتحتضن مجتمعا بدويا يحمل معه حكاياه وأساطيره أينما ذهب وارتحل”