عبدالحميد البجوقي: هل تكون سبتة المحتلة شرارة المواجهة القادمة بين المغرب وإسبانيا؟

عبدالحميد البجوقي

هناك لحظات في العلاقات المغربية الإسبانية تصبح فيها الكلمات أثقل من الوقائع، وأشد تأثيرًا من البيانات الرسمية. ولعلنا نعيش اليوم واحدة من تلك اللحظات.
لا أقول ذلك لأنني أعتقد أن المغرب وإسبانيا مقبلان على مواجهة مفتوحة. على العكس تمامًا. فالمصالح التي تجمع البلدين، وعمق العلاقات الاقتصادية، والتعاون الأمني، ومحاربة الإرهاب والهجرة غير النظامية، والروابط الإنسانية المتشعبة بين المجتمعين، فضلًا عن الاستحقاقات الكبرى المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، تجعل من الصعب تصور سيناريو قطيعة أو صدام مفتوح.
لكن، ولأنني لا أعتقد أن البلدين ذاهبان إلى الحرب بمعناها التقليدي، فإن ما يُقلقني هو شيء آخر، تُقلقني حرب السرديات، والتوترات الحالية تبدو لي، من بعض جوانبها، أخطر من تلك التي رافقت أزمة جزيرة ليلى سنة 2002.
كانت أزمة الجزيرة آنذاك خطيرة، بل شديدة الخطورة، لكنها ظلت، في جوهرها، أزمة سياسية ودبلوماسية وعسكرية محدودة المعالم ،أما اليوم، فالمشهد مختلف.
لم تعد المواجهة تجري فقط بين الحكومات، إنها تجري أيضًا في استوديوهات التلفزيون، وعلى صفحات الصحف، ومنصات التواصل الاجتماعي، وفي تصريحات السياسيين، بل وفي المخيال الجماعي لشعبين يعرف أحدهما عن الآخر الكثير، بينما لا يكاد الآخر يرى جاره الجنوبي إلا من خلال مرآةٍ مشروخةٍ صنعتها الصور النمطية، حتى غدت الصورة المسبقة أكثر حضورًا من الإنسان..
وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
لأن الأزمة حين تنتقل من مستوى العلاقات بين الدول إلى مستوى الوعي الجماعي للشعوب، تصبح أكثر تعقيدًا، وأطول عمرًا، وأشد صعوبة في المعالجة.
من أكثر ما يثير القلق في بعض الخطابات التي رافقت الأزمة الأخيرة المرتبطة بالهجرة، قدرتها على قلب المعاني رأسًا على عقب.
طفل يصل إلى الحدود مُنهكًا يمكن أن يُقدَّم كأنه جنديا في جيش الغزاة..
ومُراهق فرّ من الفقر واليأس يمكن أن يتحول، في بعض الخطابات السياسية والإعلامية، إلى تهديد للأمن القومي.
ويُصبح المهاجر، بدل أن يكون إنسانًا له اسم ووجه وقصة، مجرد رقم، أو كتلة بشرية، أو خطرًا محتملًا.
عندها تبدأ السياسة في فقدان بُعدها الإنساني.
يمكن أن تكون الحدود موضوعًا للنقاش السياسي. ويمكن أن تكون السياسات الأمنية والهجرية موضوع نقد ومساءلة. ويمكن أن تختلف الدول حول مسؤولياتها ومصالحها.
لكن هناك خطًا ينبغي ألا نتجاوزه، نزع الإنسانية عن الآخر.
حين نقبل بأن معاناة طفل يمكن أن تستخدم استعارةً للغزو، فإننا لم نعد نتحدث عن الهجرة فقط. لقد بدأنا نتحدث عن صناعة العدو.
وهنا ينبغي للمجتمع أن يتوقف.
كيف يمكن لطفل في الثامنة من عمره أن «يغزو» دولة؟
وكيف يمكن لفتاة مراهقة تهرب من اليأس وربما الفقر، أن «تنتهك» سلامة أراضي دولة؟
هذه الأسئلة البسيطة أكثر قوة من كثير من الخطب السياسية.
سيكون من السهل جدًا أن نضع المسؤولية كلها في الجهة الأخرى من المضيق.
للمغرب الحق في الدفاع عن مصالحه، والحق في المطالبة بالاحترام، والحق في رفض الخطابات التي تمس صورته أو مصالحه الوطنية.
لكن عليه، في الوقت نفسه، مسؤولية أخرى لا تقل أهمية، مسؤولية أن يحكي قصته بنفسه.
وهنا تحديدًا نفتقد، منذ فترة، إلى سردية مغربية أكثر إقناعًا، وأكثر صرامة، وأكثر عُمقًا.
لا أقصد سردية دعائية، ولا بيانات متلاحقة للرد على كل تصريح يصدر في مدريد، ولا خطابًا يقوم على الغضب أو الإدانة أو الإحساس الدائم بالمؤامرة.
أقصد قدرة فكرية وثقافية وإعلامية على شرح المغرب لإسبانيا، ولأوروبا، وللعالم.
المغرب لا يستطيع أن يظل مكتفيًا بالرد على السردية التي ينتجها الآخرون عنه. عليه أن يبني سرديته الخاصة.
سردية قادرة على شرح مواقفه من سبتة ومليلية، ومن قضية الصحراء، ومن الهجرة، ومن الأمن، ومن علاقته بأوروبا، من دون حاجة إلى الشعارات.
سردية تستند إلى التاريخ، وإلى القانون، وإلى الوقائع، وإلى الثقافة، وإلى المصالح المشتركة.
فمن لا يكتب قصته بنفسه، سيترك للآخرين مهمة كتابتها عنه.
هناك، أيضًا، خلط خطير ينبغي تفكيكه.
النقاش حول سبتة ومليلية موجود، وهو نقاش تاريخي وسياسي وجغرافي يمكن أن تتباين بشأنه المواقف.
لكن هذا النقاش لا ينبغي أن يحوّل الأطفال والمراهقين المهاجرين إلى أدوات في نزاع حول السيادة.
لا أعتقد أن المغرب وإسبانيا ذاهبان إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
المصالح المشتركة أكبر من أن تسمح بذلك، والخسائر التي ستترتب على أي مواجهة ستكون كارثية على الطرفين. كما أن تراكم التجربة خلال العقود الماضية جعل كلا البلدين يدرك حدود التصعيد ومخاطره.
لكن غياب الحرب لا يعني غياب الأضرار.
الكلمات تترك ندوبًا، وأحيانًا تكون ندوبها أعمق من تلك التي تتركها الأزمات الدبلوماسية.
قد تنتهي الأزمة، وتتغير الحكومات، ويغادر الوزراء مواقعهم، وتتبدل العناوين في الصحف.
لكن الصور النمطية تبقى.
قد ينشأ جيل جديد من الإسبان يربط المغرب بالخطر، وبالهجرة، وبالضغط، وبالتهديد الترابي.
وقد ينشأ جيل من المغاربة يرى إسبانيا بلدًا معاديًا، متعاليًا، لا يرى في الجار الجنوبي إلا مصدرًا للقلق.
لهذا أعتقد أن الوقت قد حان لكي يستعيد المثقفون والكتاب والصحافيون والمؤرخون والجامعيون من الضفتين دورهم.
المغرب وإسبانيا بحاجة إلى مساحات للفكر أكثر من حاجتهما إلى مزيد من المتاريس الإعلامية.
نحتاج إلى أصوات تستطيع أن تشرح الاختلافات من دون أن تحولها إلى عداوات.
إلى أشخاص يعرفون تاريخ البلدين، ويستطيعون الحديث من موقع المعرفة لا من موقع الانفعال.
المتوسط ليس مجرد حدود، إنه ذاكرة مشتركة.
وعبر هذا البحر مرت التجارة والجيوش والمهاجرون والمنفيون والأفكار واللغات والأديان والموسيقى والثقافات.
ولم تكن العلاقات المغربية الإسبانية يومًا سهلة.
عرفت الحروب والاستعمار والهجرة والتوتر وسوء الفهم، كما عرفت التعاون والمصالح المشتركة والتقارب الإنساني والثقافي.
لكن هذه العلاقة أعمق بكثير من أن تختزل في لغة المواجهة.
المغرب يحتاج إلى سردية القرن الحادي والعشرين
لهذا يحتاج المغرب إلى أكثر من دبلوماسية ناجحة.
إنه يحتاج إلى سردية وطنية معاصرة.
سردية تتحدث إلى إسبانيا وأوروبا والعالم، انطلاقًا من الثقة بالنفس ومعرفة التاريخ.
سردية لا تخشى الاعتراف بالإكراهات الداخلية، لأن المصداقية لا تولد من ادعاء الكمال.
سردية تدافع عن المصالح الوطنية دون أن تسقط في القومية الانفعالية.
سردية تعرف الفرق بين الحزم والصخب.
والأهم من ذلك كله، سردية تدرك أن الدفاع عن موقف ما لا يعني بالضرورة رفع الصوت.
بل يعني أن تجعل الآخرين يرغبون في الاستماع إليك.
وهنا تحديدًا لدينا ما ينبغي مراجعته.
ليس كافيًا أن ننتصر في معركة دبلوماسية إذا خسرنا معركة الصورة.
وليس كافيًا أن نوقّع الاتفاقيات إذا لم نستطع أن نشرح لشعوبنا ماذا تعني.
وليس كافيًا أن نمتلك الحجج إذا لم نمتلك الأدوات الثقافية والإعلامية القادرة على إيصالها.
لقد تغير المغرب كثيرًا خلال العقود الأخيرة، كما تغيرت علاقته بإسبانيا.
لكن أدواتنا في شرح هذا التحول لم تتطور دائمًا بالسرعة نفسها.
ومع ذلك، فإنني أختار أن أراهن على الجانب الإيجابي.
هناك أسر مشتركة، وطلبة، وجامعات، وشركات، ومدن، وجمعيات، وكتاب وفنانون، ومواطنون يعبرون المضيق في الاتجاهين.
هناك جيل كامل نشأ وهو يتنقل بين الضفتين، ولا يرى العلاقة بين البلدين بمنطق العدو والصديق.
هذه الحقيقة تستحق أن نحميها.
المغرب وإسبانيا محكومان بالتفاهم.
لأن سوء الفهم قد يكون، أحيانًا، أخطر من الخلاف نفسه.
ولهذا لا أعتقد أن ما ينتظرنا هو حرب بين المغرب وإسبانيا.
ما أخشاه أكثر هو شيء آخر، أكثر هدوءًا وأطول عمرًا، أن نبني خطابًا يجعل مجتمعين متجاورين ينظر أحدهما إلى الآخر بعين الريبة.
الأمر يتطلب شجاعة سياسية وفكرية، يتطلب كلمات أقل اشتعالًا، وحججًا أكثر.
أمام السردية العدائية لا نحتاج إلى سردية عدائية أخرى، نحتاج إلى سردية أفضل.
سردية لا تنكر الخلاف، لكنها ترفض تحويله إلى كراهية.
ولا تتنازل عن المصلحة الوطنية، لكنها لا تتخلى عن الإنسان.
ولا تخاف من الحوار، لأنها واثقة من حججها.
فالأزمات الدبلوماسية يمكن أن تنتهي باتفاق.
أما الجراح التي تتركها الكلمات في الذاكرة الجماعية، فقد تحتاج إلى أجيال كي تلتئم.
وهذا ما ينبغي أن نحول دون حدوثه الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist