«ليست المشكلة أن تحمل المرأة أعباء البيت… بل أن يظل البعض مقتنعا بأن هذا الحمل ينتقص من الرجل.»
هناك نساء يستيقظن كل صباح وهن يعرفن أن وراءهن أسرة تنتظر راتبهن وفواتير لا تنتظر وأطفالا يحتاجون إلى الدراسة والعلاج وبيتا لا يمكن أن يتوقف لأن الظروف لم تكن رحيمة.
يذهبن إلى العمل يعدن منه ثم يواصلن العمل داخل البيت. وفي نهاية اليوم قد لا يكون السؤال: كم تعبت؟ بل ربما يكون السؤال الأكثر قسوة: أين الرجل؟ ومن المفترض أن يكون هو المعيل؟
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
لم تعد المرأة اليوم حاضرة فقط في سوق الشغل بل أصبحت في كثير من الأسر شريكة أساسية في الإنفاق وفي بعضها أصبحت المعيلة الرئيسية وفي حالات أخرى المعيلة الوحيدة.
لكن المفارقة أن المجتمع الذي شجع المرأة على العمل والاستقلال الاقتصادي لم ينجح دائما في تغيير الصورة التقليدية التي تربط رجولة الرجل بقدرته على الإنفاق وتربط مكانة المرأة داخل الأسرة بمدى اعتمادها عليه.
فماذا يحدث عندما تنقلب المعادلة؟
ماذا يحدث عندما يكون راتب الزوجة أعلى من راتب زوجها؟ أو عندما تفقد الأسرة مصدر دخلها الأساسي فتتحمل المرأة العبء وحدها؟ أو عندما تجد امرأة نفسها مضطرة إلى العمل ليس لتحقيق طموح شخصي وإنما لأن هناك أطفالا ينتظرونها في البيت؟
هل تصبح المرأة في هذه الحالة « تعمل أكثر من اللازم»؟
وهل يصبح الرجل أقل رجولة لأنه لم يعد المعيل الوحيد؟
ماذا عن :حين يتحول الدخل إلى سلطة
المال داخل الأسرة ليس مجرد أرقام وفواتير. إنه، في كثير من الأحيان، يرتبط بالسلطة واتخاذ القرار.
ومن هنا قد تبدأ التوترات
فحين تكون المرأة هي التي تدفع الإيجار وتتحمل مصاريف الأبناء وتساهم في العلاج والتعليم والحاجيات اليومية قد تجد نفسها في مواجهة تصور اجتماعي قديم يقول إن الرجل هو صاحب القرار لأنه «رب الأسرة».
وهنا يظهر التناقض:
إذا كانت المسؤولية مشتركة فلماذا لا تكون السلطة مشتركة؟
وإذا تحملت المرأة الجزء الأكبر من العبء الاقتصادي فلماذا ينظر إلى استقلالها المالي أحيانا باعتباره تهديدا للعلاقة بدل اعتباره سندا لها؟
المشكلة ليست في أن تكسب المرأة المال ولا في أن ينفق الرجل وإنما في أن تتحول الموارد الاقتصادية إلى وسيلة لإثبات من هو «الأقوى» داخل البيت.
فالأسرة ليست ساحة لإثبات الرجولة والمرأة ليست منافسة للرجل.
ولكن… ماذا عن الرجل؟
الحديث عن المرأة المعيلة لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة للرجل.
فبعض الرجال يعيشون هم أيضا ظروفا اقتصادية قاسية: بطالة عمل غير مستقر أجور ضعيفة مرض أو فقدان مصدر الدخل.
وقد يكون الرجل الذي لا يستطيع الإنفاق كما يريد أكثر المتضررين من الصورة النمطية التي تقول له منذ طفولته إن قيمته مرتبطة بقدرته على إعالة أسرته.
وهنا نحتاج إلى سؤال أكثر عدلا:
هل نريد رجلا يقاس بقدرته على الإنفاق أم شريكا يقاس بقدرته على تحمل المسؤولية؟
فالرجولة لا ينبغي أن تختزل في حجم الراتب كما أن قيمة المرأة لا ينبغي أن تختزل في مساهمتها المالية.
قد يكون الرجل قليل الدخل لكنه يتحمل مسؤولياته ويشارك في رعاية أبنائه ويقوم بواجباته داخل البيت ويحترم زوجته ويعتبر نجاحها نجاحا للأسرة.
وقد تكون المرأة هي صاحبة الدخل الأكبر دون أن يعني ذلك أنها تريد إلغاء دور الرجل أو الاستحواذ على السلطة.
المعادلة ليست: من يدفع أكثر يحكم أكثر.
المعادلة الصحية هي: من يتحمل المسؤولية يشارك في القرار.
المرأة المعيلة… ليست استثناء
أحيانا نتحدث عن المرأة المعيلة وكأنها حالة استثنائية بينما الواقع أكثر تعقيدا.
هناك أرامل ومطلقات وأمهات يعشن وحدهن مع أطفالهن ونساء يتحملن مسؤولية أسر كاملة ونساء يساهمن في إعالة أسرهن إلى جانب أزواجهن ونساء يشتغلن في القطاعين العام والخاص وأخريات في الاقتصاد غير المهيكل.
النساء لا يبحثن بالضرورة عن لقب «المعيلة».
إنهن ببساطة يحاولن أن تستمر الحياة.
وراء كل راتب قد تكون هناك قصة لا نراها: طفل يحتاج إلى مصاريف الدراسة والدان يحتاجان إلى الرعاية قرض يجب تسديده أو بيت لا يمكن أن يتوقف عن العمل.
لذلك فإن اختزال المرأة المعيلة في صورة «المرأة التي أخذت مكان الرجل» ظلم لها كما أن اختزال الرجل غير المعيل في صورة «الرجل الفاشل» ظلم له.
هل تغيرت الأسرة أم تغيرت فقط الأرقام؟
ربما تغيرت الأرقام أسرع من تغير العقليات.
المرأة دخلت الجامعة وسوق الشغل والإدارة والمقاولة والسياسة والمجتمع المدني وأصبحت حاضرة في مجالات كانت مغلقة أمامها.
لكن داخل بعض البيوت ما زالت الأدوار القديمة حاضرة بقوة.
يمكن للمرأة أن تعمل ثماني ساعات خارج البيت ثم تعود لتعمل ساعات أخرى داخله.
يمكن أن تكون مساهمة في ميزانية الأسرة ومع ذلك تبقى مطالبة بتحمل الجزء الأكبر من أعمال الرعاية.
يمكن أن تكون هي من يدفع جزءا كبيرا من المصاريف ومع ذلك ينظر إلى ذلك باعتباره «مساعدة» لا مساهمة اقتصادية حقيقية.
وهنا يجب أن نسأل:
هل تغيرت علاقتنا بالمرأة العاملة أم أننا فقط أضفنا العمل الخارجي إلى قائمة واجباتها؟
ربما آن الأوان لإعادة تعريف الرجولة
ربما نحتاج إلى تحرير الرجل نفسه من ذلك القفص الذي وضعناه حول مفهوم الرجولة.
الرجل ليس أقل رجولة إذا ساهمت زوجته في الإنفاق.
ولا يصبح أكثر رجولة لأنه يتحمل وحده كل المصاريف.
والمرأة لا تصبح أكثر قوة لأنها تكسب أكثر من زوجها ولا أقل أنوثة لأنها تحمل مسؤولية أسرتها.
القوة الحقيقية داخل الأسرة ليست في من يملك المال وإنما في كيف يستخدمه الطرفان لبناء حياة أكثر عدلا واستقرارا.
إن الشراكة الحقيقية تبدأ عندما نتوقف عن سؤال: من يعيل من؟
ونبدأ في سؤال آخر:
كيف نعيل بعضنا؟
وهنا ربما يكون التغيير الحقيقي.
لأن الأسرة الحديثة لا تحتاج إلى رجل يثبت أنه قادر على حمل كل شيء وحده ولا إلى امرأة تثبت أنها قادرة على القيام بكل شيء وحدها.
إنها تحتاج إلى شريكين يعرف كل منهما أن المسؤولية ليست امتيازا ولا عبئا خاصا بجنس دون آخر.
ربما لم تعد المشكلة في أن تصبح المرأة معيلة.
المشكلة الحقيقية هي أن نعيش في مجتمع يسمح للمرأة بأن تحمل العبء لكنه لا يسمح لها دائما بأن تعيد تعريف مكانتها.
أن نطلب منها أن تعمل وتنتج وتساهم وتتحمل ثم نعود لنحاسبها وفق مقاييس قديمة.
وأن نطالب الرجل بأن يكون المعيل الأول دائما ثم نحاسبه عندما تعجز الظروف عن منحه هذه القدرة.
الرجولة ليست راتبا والأنوثة ليست تبعية والأسرة ليست منافسة على من يدفع أكثر.
ربما حان الوقت لكي ننتقل من سؤال: «من يعيل الأسرة؟» إلى سؤال أكثر إنصافا:
«من يتحمل مسؤوليتها؟»
فحين تتغير الأدوار لا ينبغي أن نخاف من التغيير بل أن نعيد ترتيب مفهومنا للشراكة.
وفي «حبر نسائي» لا نبحث عن إجابات مريحة بقدر ما نبحث عن الأسئلة التي تجعلنا نعيد النظر فيما اعتدنا اعتباره طبيعيا.
فما يكتب هنا ليس نهاية الحكاية… بل أول أثر للحبر.