حين يتحول التواصل السياسي إلى استخفاف بعقول الناخبين

كوثر المقدمي

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026 بدأت الوجوه (السياسية !؟) في الظهور من جديد وتعود الكلمات نفسها إلى التداول ، وتفتح فجأة ملفات المواطنات والمواطنين وتتحول صفحات مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصات للوعود والتبريرات واستعراض الإنجازات واستجداء العواطف.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بجرأة هو
هل ما نراه اليوم هو بالفعل تواصل سياسي أم أننا أمام حملة واسعة من الشعبوية والتضليل والاستهلاك المبتذل للكلمات
لأن التواصل السياسي الحقيقي ليس مجرد صورة مع مواطن ولا شريط فيديو مصور بعناية ولا خطاب مليء بالشعارات ولا منشورا انتخابيا يكتب بلغة عاطفية لجلب التعاطف
التواصل السياسي في جوهره هو علاقة مستمرة بين الفاعل السياسي والمجتمع وهو وضوح ومساءلة وقدرة على تقديم الحصيلة والاعتراف بالفشل قبل الحديث عن النجاح
أما أن يختفي السياسي أو الحزب سنوات أو يظهر في لقاء اكثر ما يمكن القول عنه فيه ركوب على الاحداث او استغلال محطات متفرقة لأخذ الصور والتصريحات وكل بثمنه ، ليعود قبل الانتخابات ليحدثنا عن همومنا ويكتشف فجأة مشاكلنا ويعدنا بأنه سيكون إلى جانبنا فذلك ليس تواصلا سياسيا
إنه في كثير من الحالات مجرد استثمار انتخابي في ذاكرة المواطن على أساس أنه لا يتذكر
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية
هناك خطاب سياسي أصبح يوحي بأن من يخاطبنا يفترض مسبقا أننا لا نعرف ولا نتذكر ولا نملك القدرة على الربط بين الكلام والواقع ،لكننا نعرف؛ نعرف هذه الوجوه نعرف من كان حاضرا ومن كان غائبا نعرف المقرات التي ظلت مغلقة لسنوات ثم بدأت تفتح أبوابها عندما اقتربت الانتخابات
نعرف التنظيمات التي لم يكن لها حضور حقيقي وسط المواطنات والمواطنين ولم تشتغل على التأطير أو التكوين أو الإنصات لكنها تستيقظ فجأة عندما تصبح أصوات الناخبين مطلوبة
ونعرف أيضا من تم التضييق عليهم داخل بعض التنظيمات ومن أغلقت الأبواب في وجوههم لأنهم أرادوا ممارسة سياسية حقيقية ومن تم تهميشهم لأنهم شكلوا بكفاءتهم أو حضورهم أو استقلالية أفكارهم خطرا على من يريدون احتكار التنظيم والقرار وكأن الاحزاب اصبحت ملكية خاصة وهذا خير دليل على ضعف التظيمات وضعف التأطير السياسي بها .
والسؤال هل نحن أمام أزمة تواصل أم أمام أزمة فعل سياسي ؟؟
المشكلة في الحقيقة أعمق من مجرد ضعف في التواصل السياسي ،نحن أمام أزمة سياسية وتنظيمية حقيقية ،أزمة نخبة وأزمة أحزاب، وأزمة تصور للدور الذي ينبغي أن تؤديه التنظيمات السياسية داخل المجتمع.
فالحزب السياسي ليس وكالة انتخابية تفتح أبوابها في موسم وتغلق بعده وليس مجرد آلة لإنتاج المرشحين وتوزيع المقاعد والمناصب، الحزب السياسي كما يفترض أن يكون هو فضاء لصناعة الأفكار وتأطير المواطنات والمواطنين وتكوين الشباب وإنتاج النخب وتأهيل القيادات وتحويل انتظارات المجتمع إلى برامج وسياسات عمومية، الأحزاب الحقيقية هي التي تصنع السياسة،هي التي تناقش الاختيارات الكبرى،هي التي تفرز النخب القادرة على تحمل المسؤولية، وهي التي يمكن أن تشكل صمام الترابط بين الدولة والمجتمع.
لكن كيف يمكن أن ننتظر من أحزاب أن تساهم في صناعة التغيير وهي لا تستطيع أن تجدد نفسها من الداخل بالشكل الذي يناط بالاحزاب أن تعمل عليه ، ليس ما نراه من خلق اتباع كل ومصلحته في تبعيته …
وكيف يمكن أن ننتظر من الاحزاب إنتاج نخب جديدة بينما تغلق الأبواب أمام الكفاءات الحقيقية والمناضلة
وكيف يمكن أن نطالب الشباب بالانخراط في العمل السياسي بينما يشاهدون يوميا كيف تتحول بعض التنظيمات إلى فضاءات مغلقة تتحكم فيها الحسابات الشخصية والعلاقات الضيقة ومنطق الولاءات بدل الكفاءة.
اليوم ما نراه من شعبوية متآكلة ليست تواصلا سياسيا، هناك فرق كبير بين التواصل مع المواطنين والمواطنات وبين التلاعب بعواطفهم.أن تخاطب المواطن بلغته لا يعني أن تستعمل لغة مبتذلة
أن تكون قريبا من الناس لا يعني أن تمارس الشعبوية
وأن تستعمل وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني أن تحول السياسة إلى فرجة
اليوم أصبحنا أمام خطابات هجينة خليط من المبالغة والوعود واستغلال الغضب وصناعة صورة مثالية للسياسي وكأن السياسة لم تعد مشروعا جماعيا لتدبير الشأن العام بل منافسة حول من يستطيع الحصول على أكبر عدد من الإعجابات والمشاهدات
والأخطر من ذلك هو الخطاب الذي يراهن على ضعف ذاكرة المواطن
خطاب يقوم على تجاهل الماضي وكأن الناس لا تتذكر من اغلق أبوابه ومن غاب عن التواصل ومن استغل المناصب لاغراض شخصية ومن نهب المال العام ومن تورط في اختلاسات ومن ومن ومن …
وكأن المواطن لا يستطيع أن يسأل أين كنتم طوال هذه السنوات.
ماذا فعلتم عندما لم تكن الانتخابات قريبة
كم مرة فتحتم مقراتكم للمواطنين والمواطنات
كم شابا وشابة قمتم بتكوينهم
كم نقاشا حقيقيا نظمتموه حول قضايا المجتمع ،كم فكرة قدمتم
وكم مرة كنتم إلى جانب الناس دون كاميرا ودون منشور ودون حسابات انتخابية…
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تشكل جوهر التواصل السياسي الحقيقي.
يجب ان تخضع الاحزاب للمساءلة أولا قبل ان تطل علينا اليوم بخطابات مستفزة و مضللة .
وما يجب معرفته أن الأحزاب ليست ملكا لأحد لانها تستفيد من المال العام فهي ليست ملكا لاحد
لأن من أكبر الأخطاء التي تعاني منها بعض التنظيمات السياسية هو التعامل مع الحزب وكأنه ملكية خاصة أو مجال مغلق أو إرث لا يحق للآخرين الاقتراب منه، والنتيجة هي أن الكفاءات تنسحب والشباب يفقد الثقة والطاقات الجديدة تبحث عن فضاءات أخرى للعمل بينما تبقى بعض التنظيمات تشتكي من ضعف الانخراط ومن عزوف الشباب عن السياسة
لكن هل المشكلة فعلا في الشباب
أم في الأحزاب التي لم تعد قادرة على احتضانهم، الشباب لا يرفض السياسة بالضرورة بل يرفض أحيانا الطريقة التي تمارس بها السياسة.
ويرفض أن يتحول إلى مجرد رقم انتخابي، ويرفض أن يطلب منه العمل في الحملات بينما يمنع من المشاركة في القرار
ويرفض أن يصفق للكبار دون أن يسمح له بأن يصبح يوما من صناع القرار، ويرفض أن تدار الامور بتجمعات المقاهي ومنطق القرب من الزعيم .

الواقع أن تجديد النخب لا يكون بالشعارات ولا يتحقق عبر وضع بعض الوجوه الشابة في الصور والملصقات، تجديد النخب يحتاج إلى ديمقراطية داخلية حقيقية وإلى فتح المجال أمام الكفاءات وإلى قبول الاختلاف وإلى الإيمان بأن الحزب الذي لا يجدد نفسه محكوم عليه بأن يشيخ مهما بدا قويا في المواسم الإنتخابية
فحين تحصل الأحزاب السياسية على الدعم العمومي فإن الأمر لا ينبغي أن يفهم باعتباره امتيازا بلا مقابل ذلك الدعم يجب أن ينعكس على المجتمع،على التأطير، على التكوين،على تقوية المشاركة السياسية،على تأهيل الشباب والشابات،على تكوين مناضلات ومناضلين يمتلكون معرفة حقيقية بقضايا الشأن العام، وعلى بناء رأسمال بشري وسياسي قادر على المساهمة في التنمية وصناعة السياسات العمومية.

فالديمقراطية لا تبنى فقط يوم الاقتراع،الديمقراطية تبنى كل يوم، تبنى داخل المقرات الحزبية،في اللقاءات مع المواطنين والمواطنات،في النقاشات المفتوحة،في المدارس السياسية الحقيقية، وفي قدرة الحزب على الاستماع قبل أن يتحدث. وعندما تتحول الأحزاب إلى مجرد تنظيمات موسمية فإننا لا نخسر فقط انتخابات جيدة بل نخسر أحد أهم أدوات بناء الديمقراطية نفسها، لأن المواطن اليوم ليس ساذجا…
ربما آن الأوان ليتوقف بعض السياسيين عن مخاطبة المواطن وكأنه لا يفهم، المواطن اليوم يرى ويسمع ويقارن ويحتفظ بذاكرته حتى وإن حاول البعض إقناعه بعكس ذلك،فمواقع التواصل الاجتماعي قد تسمح بالانتشار السريع لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع المصداقية،والفيديوهات المصورة لا تستطيع أن تمحو سنوات الغياب،والشعارات لا تستطيع أن تعوض الحصيلة،والخطابات العاطفية لا تستطيع أن تجعل المواطن ينسى من كان معه ومن غاب وخلف الوعد .

ما نحتاجه اليوم ليس مزيدا من الضجيج السياسي بل سياسة حقيقية، لا نحتاج إلى مزيد من الشعبوية بل إلى خطاب يحترم عقل المواطن، ولا نحتاج إلى أحزاب تستيقظ كل خمس سنوات بل إلى تنظيمات حاضرة يوميا تفتح أبوابها وتحتضن الكفاءات وتنتج الأفكار وتؤمن بأن التغيير يبدأ من الداخل قبل أن تطلب من المجتمع أن يثق بها

لأن الأزمة ليست فقط في طريقة التواصل، الأزمة الحقيقية حين يتحول الخطاب السياسي إلى استخفاف بعقول المواطنات والمواطنين وحين يعتقد البعض أن تكرار الوعود يمكن أن يمحو الذاكرة وأن الصورة الجميلة يمكن أن تعوض سنوات الغياب وأن الشعارات قادرة على إخفاء الحقيقة.
عندها لا يكون السؤال كيف سيتواصل السياسي مع المواطن
بل السؤال الأهم :متى سيتوقف السياسي عن مخاطبة المواطن وكأنه لا يتذكر أو أنه لايملك القدرة على قلب الطاولة …

Comments 1

  1. Alami says:

    مقال قوي وواع، يضع الإصبع على جرح السياسة الموسمية، ويؤكد أن احترام الناخب يبدأ باحترام عقله وذاكرته.
    صاحبة المقال أحسنت التشخيص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist